ذكرى أيام الصبا / محمد الامين محمودى

جمعة, 03/03/2017 - 01:35
محمد الامين محمودى

كنا نجتمع في ملعب الحي للخروج الى الاعدادية،ويحدث ان اتأخر عن الركب في حال رأيت سرادقامنصوبا امام بيت احد جيراننا الولوف او البولار،فالسرادق ينبئ عن عقيقة والعقيقة تحدث عن وجبة "لاخ" مفتوحة للعموم،ارمي الدفاتر واتحسس مجلسا على الطليل ثم فجأة انزلق بين الأكف الكبيرة، ،تتحرك اناملي داخل القصعة تبعا للإيقاع العام اول الأمر، مستهدفة الإدام اللذيذ ،إنه لبن حامض ومحلى وتسبح داخله حبات زبيب حلوة،الكبار يأكلون بهدوء وطمأنينة وابروتوكول،اما انا ففي عجلة من امري فلابد ان ابي سيراني وهو في طريقه الى الوزارة..، "لاخ" او عيش لكور عصيدة باردة وفيها تركيز قوي للسكر أما ادمتي إليها فهي الجيرة لاغير.
اذهب الى المدرسة وحيدا وهنا يكون الطريق اطول بكثير، علي ان اجلس في البوتيك المجاور للمدرسة مع الغوث او يسلم او انضم لمجلس فلانة واخواتها في انتظار "راحة العاشرة" حيث سألتحق بالفصل،وهنا يلعب الحظ دوره فإذا كان الدرس درس مريم منت احمد مسكة فلامشكل ،تلك امرأة طيبة لها وجه كوجه الأم تيريزا، لم تؤذ بشرا قط، او سلم منت ممون فتلك ابنة عمي،اما في حال "طمطم" او "آيت بنعلي" او منت بوب او غيرهم فالطرد مصيري ولابد من استدعاء الوكيل،طبعا لايعرف الكثيرون ان الوكيل لم يطرح مشكلا قط فأي مار من امام الاعدادية خال او عم محتمل للتلميذ المطرود،،سيكذب هذا الرجل من أجل الكذب فقط ففي الغالب هي نزهة افتراء قصيرة بالنسبة للرجل الذي لايعلم ان ابنه يبحث الآن ربما في شارع آخر عن وكيل مزور..الشارع كان مساعدا على الكذب وعلى التسرب المدرسي..
ساعتان من دون تركيز،فأنا في عجلة من امري اذ ان خبرتي في حفلات وطقوس العقائق لدى الزنوج علمتني ان وجبة الغداء ستكون الأرز باللحم لكن بنكهة الفلفل الحار،لم يكن مغريا كالعصيدة لكن الصغار مولعون بكل ما يطبخ خارج بيوتهم ثم إنهم في بعض الأحيان يقسمون بعض الكعك والحلويات على الحضور، ،ومن جديد اجدني وبعض اقراني بين تلك الأصابع الغليظة التي يكرمك اصحابها بأن يتجاهلوا طريقة اكلك الغريبة وغير اللبقة..يحظر في ثقافتهم رفع الأعين او النظر الى الرافعات وهي تنقل الشحنة الى الأخدود المفغور..
تقريبا يمكنني القول إنني كنت حاضرا في جميع الولائم الزنجية بحي "بي ام دي"حينها لم يعرف الانسان الحموضة او القولون او الخوف الأبدي من الموت او الهلع من التنقل بين اسرة المستشفيات..
وعلى ذكر المستشفيات كنا نعرف مستوصفا واحدا هو "طب العمال" الذي تنقل بين مبنى ابالميري الآن والمقاطعة الخامسة عند محطة "التأفف"..في هذا المستوصف كان الماجور عالي سلمى الذي يعتقد الكثيرون في العاصمة انه اول من قص من ذكورتهم، .ونظيره في لكصر مثلا هو الحاج الذي اطلق اسمه على طب الحاج..
اكثر دواء كانوا يقدمونه هو "التوتابين "الحلو و" باكتريم" بمذاق الحنظل، وبعض المدخلات التي لاتحترم كبرياء الصغير خاصة اذا كان صاحيا.
وبجوار الماجور كان الفرنسي جان مليس طبيب الأسنان، وهو جار قديم لنا يشبه الى حد كبير الممثل المصري فؤاد المهندس ومازال بيته الى الآن مختلفا عن بيوتات الحي، عمر المستعمر الطبيب بيته وابدع في تغيير ملامحه وتركه كخضراء الدمن،هكذا يفعل المستعمر عادة حين يمكث في مكان لمدة طويلةيترك اثرا يجعل الشعوب تتحسر على رحيله لكنه اثر أقيم وشيد من خيرات تلك الشعوب..
لا أذكر سيارات كثيرة في حينا "ار ستة عشر" تملكها السيدة العالية منت البو رحمها الله والدة اهل انجبنان،سيارة "لادا"روسية حمراء يملكها المفوض اعلي ولد كاز،، سيارة اربع مائة واربعة ملكية خاصة لدى السيد بزيد المعروف "ببزيد استاد"،وسيارة من التي "لاتتوقف امام البنوك لسرعتها" وضعها اتحاد العمال تحت تصرف الوالد ولاحقا سيستردونها لتخلق احدى عقدي النفسية الكثيرة،فبعد عودته الى الوزارة منحوه سيارة من نوع "ار اثناعشر" عادية ، وإن حاولت مرارا ان اقنع اقراني انها من نوع "تي اكس" لكنهم ظلوا متشبثين بأنها ليست كذلك..هذه السيارة لم تقلني قط الى الاعدادية،فقد كنت معقدا من ان يراها اصدقائي،هل كان والدي يحس شعوري وخجلي من مركوبه ؟،الأكيد كان يتمنى ان تكون طائرة حتى يجعلني افتخر،كم كنت نذلا كان يجب ان اعتبر ان تضحياته من اجلي تكفي لتجعلني افتخر بفقره ان كان فقيرا خاصة انه كان اطارا في تلك الفترة ، والأطر ليسوا فقراء عموما.ثم متى كان الفقر عيبا..كان كذلك فعلا عندنا كأطفال.الصبي مهما كان يريد ابا لايعرف المستحيل ولا العجز ولا الفقر..
لم يكن والدي قادرا على مواكبة العسكر في ترفيههم لأولادهم، لكنه كان يبذل جهده ليوفر لي لبسا قريبا من موضتهم التي لاتعرف الاستقرار على حال ولاثمن.