"المدفدية " و"الأردوغانية" و" النكرنزيزانية"و"التفليقية " أو نموذج آخر!

ثلاثاء, 11/07/2017 - 12:40
الدكتور يعقوب ولد السيف

حين أعلن الرئيس خلال الجلسة الختامية للحوار الوطني الشامل (أكتوبر 2016) عن احترامه لمقتضيات الدستور المحددة لعدد المأموريات الرئاسية فهم من ذلك أنه يتوخى:

- احراج "المناوئين والمغاضبين" على اعتبار أن مقاطعتهم بررت بالخشية من توجيه الحوار لتمرير تعديل يطال المواد المحصنة في الدستور،

- وفوق ذلك فتح طريق للعودة لمن أراد تغير تموقعه على خارطة الولاءات السياسية.

-أو في الحد الأدنى إحداث خلاف داخل ذلك المعسكر بمناسبة تقويمهم للتفاعل المناسب مع إعلان الرئيس نيته التقيد بنصوص الدستور.

-وربما لامتحان "أدعياء المناصرة".

غير أن ذلك الإعلان ترتبت عليه ردات عكسية بالغة الأثر؛ ودون المجازفة بمحاولة استقصاء أصداء وأثر أمر من ذلك القبيل داخل المؤسسة العسكرية -رغم أهميته -، فقد شكلت انتفاضة الشيوخ والقضاة وغيرهم تمظهرا من تمظهراته التي بلغت الذروة مع الحديث علنا عن من يخلف الرئيس، بل وبدأت الترشيحات تتجسد في أسماء بعينها.

كذلك وبشكل صريح عكست نسب التسجيل على اللائحة الانتخابية بمناسبة الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي تمخض عنها الحوار الوطني الشامل رد الفعل الشعبي المتحرر من عوامل الضغط بعد قرار الرئيس احترام الدستور.

لقد بدأت محاولة تطويق الآثار السلبية لتلك التصريحات مبكرا، وجاء ت أهمها بمناسبة اللقاء الصحفي الذي أجراه الرئيس في 23/ 03/ 2017 على أثر فشل مشروع التعديلات الدستورية في الحصول على تصويت ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، -بل الواقع أن فشله لم يكن بالنقاط، بل بالضربة القاضية -. ففي ذلك المؤتمر خاطب الرئيس المؤسسة العسكرية لكسب ودها وتبديد ما أثاره خطاب اختتام الحوار الوطني. وفى نفس الوقت تمسك الرئيس بتمرير التعديل المقترح خارج المسطرة البرلمانية وتحديدا بالرجوع إلى الشعب من خلال مسطرة الاستفتاء المباشر، رغم الكلفة المادية والجدل القانوني والسياسي الذي يترتب على اللجوء إلى إعمالها، لكن ذلك يهون في سبيل تصحيح الوضع وضمان عدم اهتزاز صورة الرئيس الممسك بالسلطة.

إن نجاح الاستفتاء يحتاج أبعد من تلك الايحاءات إلى تصريحات أكثر جرأة تبدد التأثير السلبي لتصريحات احترام الدستور. وجاء ذلك من خلال تجدد الحديث عن المأمورية الثالثة بشكل أكثر صراحة وجسارة كمحفز للناخبين الكبار لبذل الجهد في سبيل تحقيق إرادة الرئيس الحالي،ولكن المستقبلي كذلك، حتى يضمنوا البقاء جزءا من السلطة القائمة، ولينقل هؤلاء ذلك الشعور بالتلازم بين تجسيد إرادة الرئيس وتحقيق المصالح خلال المنظومة الاجتماعية إلى مستوى الناخبين البسطاء.

 كذلك ويوفر طرح قضية المأمورية فرصة لتشتيت جهد "المناوئين والمغاضبين" بين سعيهم لإفشال الاستفتاء والتصدي لدعوى فتح المأمورية التي سيجد فيها هؤلاء قضية أكثر جدية من مواضيع الاستفتاء الأقل استقطابا حيث تتعلق أساسا ب:

-إحداث تعديلات على العلم الوطني (م الأولى).

-التخلي عن نظام المجلسين؛ بإلغاء مجلس الشيوخ(م02).

-الغاء محكمة العدل السامية (المواد 4/5/6).

-استحداث جماعات محلية تسييرها مجالس محلية (المادة 10).

-دسترة المجلس الأعلى للفتوى والمظالم ودمج المجلس الإسلامي الأعلى ووسيط الجمهورية (المادة 07).

-اسناد قضايا البيئة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي (المادتان 8/9).

-إضافة إلى استحداث رقابة استثنائية لدستورية القوانين حالة دفع طرف في النزاع بمساس قانون يراد تطبيقه في النزاع بحقوق أساسية يضمنها الدستور (المادة 03)

وفوق ذلك توفر عودة الحديث عن المأمورية الثالثة بمناسبة استفتاء محسوم النتيجة مبدئيا فرصة لتجيير نتيجة الاستفتاء للقول بالقبول الشعبي للفكرة -فهي فعليا المستفتى عليه وإن لم ترد ضمن الثلاث عشر(13) مادة التي تضمنها مشروع التعديل-

على ذلك فعودة الحديث عن المأمورية الثالثة وإن كان تكتيكيا بالنسبة للرئيس و"أدعياء المناصرة "على النحو السالف إلا أنه بالنسبة "للمناوئين والمغاضبين " يحوز أهمية خاصة؛ فهؤلاء يرون المساس بمأموريات رئيس الجمهورية المحدد عددها في التعديل الذي طال المادة 28 من دستور 20 يوليو المعدل والمثبت بمقتضى القانون الدستوري رقم 014 /06 بتاريخ 12 يونيو 2006 وأد ا لأي أمل في بناء ديمقراطية حقيقية. منطلقين، بالإضافة إلى الدوافع الذاتية للبعض، من مجموعة من المسوغات يمكن تحديد أهمها في الآتي:

إن تحديد عدد المأموريات الرئاسية منسجم مع مبدأ التداول السلمي على السلطة الذي هو شرط لقيام ديمقراطية حقيقية ومنتجة لآثارها، وهو في حالات بعينها شرط وجود؛ كحالة الدول التي لما تتجذر فيها الممارسة الديمقراطية بعد إما: لحداثة التجربة أو لعدم وفاء ما تم منها بمتطلبات ممارسة ديمقراطية صحيحة.

وهو ما تدعمه وثائق ورشات اللجنة الوزارية المكلفة بالمسلسل الديمقراطي الانتقالي "التقرير المؤقت للجنة الوزارية المكلفة بالمسلسل الديمقراطي الانتقاليأكتوبر2005 " حيث يمكن بالرجوع إلى ذلك التقرير أو إلى الشخصيات التي شملها تشاورها (عبد الله ولد الشيخ ولد أحمد محمود/أحمد ولد جدو/ أحمد سالم ولد ببوط /بوبكر ولد مسعود /غابرييل حتى/ اعل ولد علاف / محمد سعيد ولد همدى / بال أحمد تيجان/ اديابيرا معروفا/ محمد محمود ولد محمد صالح / الشيخ سعد بوه كمرا/ حسنى ولد ديدى/ زكريا ولد أحمد ولد الدنة) –رحم الله من توفي منهم والبركة في الباقين - ،  الوقوف على الهدف من تعديل "المادة 28" التي بررت مباشرة  تعديلها :"بهدف الحيلولة دون تمكين المترشح المنتخب من ممارسة أكثر من مأموريتين متصلتين أو منفصلتين ..." بل ذهبت إرادة تلك اللجنة أبعد من ذلك حيث رتبت على ما تقدم أن :" الرئيس الذى لم يفز بالانتخابات أثناء الترشح لمأمورية ثانية ، لا يحق له أن يترشح فيما بعد لرئاسة الجمهورية ..."

على ذلك احتاط المدستر الموريتاني فسد الطريق أمام إعمال "المدفدية " و"الأردوغانية" أو "التفليقية " ومن باب أولى" النكرنزيزانية " في الحالة الموريتانية.

كذلك ويغدو تحديد المأمورية ذا أهمية بالغة بالنسبة للدول التي يختل فيها توازن السلطات لصالح السلطة التنفيذية؛ حيث يرتب غياب ذلك التحديد أن يكون الخلل قابلا للصرف لمصلحة الشخص المجسد لتلك السلطة.
ويرتبط بالنقطة السابقة أن أهم مكسب نتج عن التحول الديمقراطي المشوه هو إلغاء فكرة الرئاسة مدى الحياة التي يمثل عدم تحديد عدد المأموريات مدخلا لها.
أن الدول الإفريقية التي احترمت تحديد عدد المأموريات الرئاسية (بنين –سيراليون –نيجيريا –غانا –الرأس الأخضر –بوتسوانا–ناميبيا –موزمبيق) تحرز نجاحات تنموية مشجعة وتنعم باستقرار نسبي وتحقق تراكما بناءا في مجال بناء وترسيخ الحكامة ودولة القانون.

ومقابل ذلك المنطق يقدم "أدعياء المناصرة "،تزلفا ، أو محاججة ما يرون أن "المناوئين والمغاضبين " يغفلونه او يتغاضون عنه:

أن المد الديمقراطي الذي عرفته القارة الإفريقية لم يتوطن فعليا، والمرحلة التي أعقبت وصوله شهدت وتشهد جزرا مثل نكوصا أو-حتى-كفرا بالممارسة الديمقراطية؛ ذلك أن الدساتير التي أقرت لتنظيم ذلك التحول صادقت عليها الشعوب دون أن تشارك في صياغتها. وهكذا ففي موريتانيا مثلا ورغم مضي أكثر من ربع قرن على إطلاق التجربة الديمقراطية لم تكن صناديق الاقتراع أبدا طريقا للتناوب على السلطة (التناوب الانقلابي).
الأدهى من ذلك أن الذي تم من تحسينات أو إصلاحات على تلك الدساتير كان وليد لحظة ضعف آني للأنظمة الحاكمة، أو برعاية سلطة عسكرية منقلبة؛ تسعى من ورائه لتجاوز رفض محلي يمكن أن يسند أو يبنى عليه رفض خارجي مؤثر" ينطبق الأمر على التعديلات التي استحدثت تحديد عدد المأموريات في موريتانيا".
أن العديد من الدول الإفريقية خاصة الفرانكفونية منها تم فيها إلغاء تحديد عدد المأمورياتالرئاسية؛ كما هو الحال بالنسبة للتشاد التي وجهت فيها "الحركة الوطنية للخلاص" الاقتراع الشعبي الذي أجري في 06/ 06 /2004 إلى إقرار التخلي عن تحديد عدد المأموريات الرئاسية، وأعتمد بوول كاغامى ذات الطريقة في رواندا. أما في بورندي فاغتصب " بيير نكرنزيزا "مأمورية ثالثة دون مواربة. ولجأ " دينيس ساسنغيسو" في الكونغو إلى استفتاء شعبي انخفضت فيه نسبة المشاركة إلى ما دون العشرة في المائة( 10%)، لكنه مع ذلك كان كافيا لتجاوز قيد تحديد عدد المأموريات .أما  الجزائر فقد  راوحت بين عدم وتحديد "العهدة الرئاسية" ؛ فبعد أن كانت حددتها في دستور 1996 في المادة 74 "... يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية مرة واحدة"، حمل القانون الدستوري رقم 08 /019 بتاريخ 15/ 11/ 2008 تعديلا أصبحت فيه صياغة المادة 74 "... يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية ". وليصار بمناسبة القانون الدستوري رقم 16 /01 المؤرخ ب 26 /03 /2016 إلى العودة لتحديد "العهدة الرئاسية "؛ حيث نصت المادة 88 على "...يمكن انتخاب رئيس الجمهورية مرة واحدة "...والحبل على الغارب

وهكذا نجد أنه في الوقت الذي يستحضر " المناوؤن والمغاضبون" النموذج الافريقي الذي قام على احترام تحديد المأمورية الرئاسية ويتمنون في الحالة البديلة استنساخ "التجربة البركنابية".

يجد "أدعياء المناصرة "في الحديث عن المأمورية الثالثة وسيلة لشغل الساحة ريثما يستقر رأي صاحب القرار على الطريقة التي يحتفظ بها بالسلطة،ففي كل المراحل لم يصرح الرئيس بتخليه المطلق عن السلطة والمعروف أن السلطة لاتتجزأ.

 

الدكتور يعقوب ولد السيف