قراءة سريعة لمسيرة عرفات ضد التعديلات اللادستورية

جمعة, 28/07/2017 - 17:23
الشيخ سيدي احمد ولد حيده

قبل وبعد كل نشاط سياسي للمعارضة يطرح السؤال القديم الجديد، هل هذا النشاط مرخصا أم لا؟
إن بعض الذين يطرحون هذا السؤال يدينون السلطة، فهم مقتنعون بالنشاط لكنهم عازفون عن التظاهر مخافة القمع، الذي هو سلاح لمصادرة حريتهم، تماماً كما تستخدم الوظيفة ولمصادرة حريات أصحابها.
وفريق آخر يطرح السؤال إما لجهله بالقانون أو ليدين به المعارضة المارقة - وهو الداعم لنظام غير شرعي- .
إن على هؤلاء أن يفهموا أن القانون المنظم للأحزاب السياسية لا يلزم الأحزاب بالترخيص لتظاهراتها السياسية -لكونها مرخصة من طرف وزارة الداخلية- وإنما يطلب إشعار السلطات بالنشاط ولا تملك حق رفضه، وإنما يقتصر دورها على تنظيم برمجة التظاهرات وعدم تداخل مساراتها وتأمينها، أما قمعها فهو نشاز وخروج على القانون، ويفوت هؤلاء أن قانون الإشعار قد ألغي في العديد من البلدان النامية بما فيها تونس وصححت ترسانتها القانونية لأن حق التجمهر يكفله الدستور ولأنه لايجوز منعه تحت أي ظرف، لتقطع بذلك الصلة مع تشريعات الطواري و عصر الإستبداد.
وتسعى المعارضة الديمقراطيةلإفشال المسار اللادستوري عبر تنظيم أنشطة ومسيرات مقاطعاتية لرفض التعديلات فأودعت الإشعار بمسيرات اليوم مكاتب الحكام المعنيين، فقررت السلطات الخلط بين قبول الإشعار في دار النعيم ورفضه في أخواتها عرفات والسبخة فلماذا؟
إن السلطات من خلال هذا الإجراء اللاقانوني والسطحي في التخطيط، تريد جس نبض القوى المعارضة ومعرفة مدى إصرارها على رفض التعديلات، وقد كانت المعارضة في الموقف والإصرار المناسبين وقررت النزول للشارع متحملة تبعات ذلك، فظفرت به.
أما الهدف الثاني فيريد النظام أن يكرس مغالطته بإلزامية الأحزاب بالترخيص لأنشطتها، وهو مايحتاج من المعارضة رفع اللبس للرأي العام.
لكنها أثبتت أنها لا تتنازل عن حقها في التظاهر وأن سقفها في الحرية والديمقراطية أكبر من الممنوح لها.
أما بيت القصيد فهو محاولة السلطات تجنب الضغط الذي سيسببه لها عدم الترخيص للتظاهرات الثلاثة، ماقد يجعل إحدى الجبهات سهلة أمام حشود المعارضة وكسر هيبتها في أول مواجهة من مواجهات رفض الدستور، وهو مالم تستغله المعارضة، عندما قمعت مسيرتي عرفات والسبخة لإرباك الأجهزة الأمنية ولتخفبف الضغط عليهم.
أما على مستوى المواجهة الميدانية، فقد كانت الشرطة رغم ماأظهرت من جاهزية واستعداد، متوترة وباغتت المتظاهرين وأستهدفت زعامات المعارضة لتضمن الأفضلية على المتظاهرين الغاضبين،
فكان زعماء المعارضة والشباب رأس الحربة وكانت زغاريد النسوة تلهب الساحة حماسا، فضعفت نفسية الشرطة وزادت من بسالة المتظاهرين مماجعل الشرطة تطلب تعزيزات من شرطة مكافحة الشغب ووحدات التدخل السريع التابعة للحرس في مواجهة المتظاهرين، لقد كان إيمان المتظاهرين بقضيتهم أقوى بكثير من إيمان الشرطة بالدفاع عن التعديلات ورأس السلطة التنفيذية، الذي همش قطاعهم منذ وصوله للحكم.
لقد دفعهم ذلك الإنكسار للتدخل بشكل وحشي ضد المتظاهرين من دون أي إعتبار للقانون والمواثيق الدولية ولا حتى للقيم الإنسانية الفطرية، وأمام هذه الإعتداءات من المهم أن تستوعب المعارضة الرسالة وهي أن النظام بإعتماده السياسية الأمنية فقط في التعامل مع القوى السياسية يدين نفسه ويكشف عن إفلاسه، كما أن عليها السعي لأن تطلب من هيئات حقوق الإنسان الوطنية والدولية أن تقوم بدورها في فضح إنتهاكات حقوق الأنسان وأن ترسل مبعوثيها للتظاهرات، ليسجلوا بكاميراتهم القمع الوحشي للمناضلين والمناضلات العزل.
كما أن على المعارضة أن تستغل توقيع موريتانيا على المواثيق الدولية المناهضة للتعذيب والقمع -وهي المعرضة لبطش الآلة القمعية للنظام كل وقت -بتحريك الدعاوى القضائية ضد أفراد الأجهزة الأمنية،التي تبطش من دون أي خوف من المساءلة والعقاب،
وعندها لن يجرؤ أي عنصر أمن على قمع المتظاهرين، قبل حصوله على تسخرة تسمح له بإستخدام القمع ضد المتظاهرين، لتبرئة نفسه أمام المحاكم الوطنية أو الدولية.
أما مجموعة الثمان المنظمة للمسيرة فقد فاتت عليها الأمور التالية:
- أن النظام لن يقبل بتنظيم مسيرات وأنشطة ضد تعديلاته اللادستورية وبالتالي كان عليها أن تضع الخطة (ب) ولم لا الخطة (ج)، كما أن تجمهر المتظاهرين في مكان مكشوف للشرطة وعدم الإستفادة من المنطقة ذات الطابع الشعبي وماتتيحه من توسيع منطقة المناوشات يكشف عن غياب التكتيك يوم أمس لدى المنظمين.
إن مسيرة عرفات كشفت عن ضعف الأجهزة الأمنية تخطيطا ولياقة بدنية وعدم قدرتها على الصمود كثيرا في وجه المتظاهرين.
لقد كانت مسيرة عرفات لصالح المتظاهرين ولو كانت أكثر تنسيقا مما كانت عليه لكان نجاحا باهرا.
فهل ستستفيد المعارضة في خرجاتها القادمة من مسيرتي عرفات والسبخة وتثبت أنه بصمودها قادرة على أن تفرض نفسها على الأجهزة الأمنية لتدرك الأخيرة أن "الشعوب أبقى من الأنظمة".

الشيخ سيد أحمد حيده