إلى توأم الروح، الداعية العابد / الدكتور الشيخ أحمد البان

ثلاثاء, 09/01/2018 - 10:39
د/ الشيخ أحمد البان

مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة***غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
هكذا أنت دائما يا توأم الروح ويا حبيب القلب تأتي وتغادر دون أن تخبر أحدا، كتوم أنت إلى أقصى حد، خصلة أعرفها فيك منذ كنا صبية نلعب على تلك الربى وأطفالا نتسلق أشجار السدر الشائكة كي نقطف النبق، لكن ما كنت أظنك تطوي صدرك على سر بقدر الموت، سر رحيلك عن هذه الدنيا، قبل أربع سنين بالضبط شيء ما غير وجهتك، فيممت شطر الله والعبادة والتبتل، تركت كل شيء وراءك بعت سيارة الأفنسيس الجديدة، زهدت في دراعة "الأزبي" التي كنت لا تسامح في إصابتها بأدنى دنس، غابت قهقهتك الصاخبة لتحل محلها ابتسامة مغموسة في دموع الليل، الشيء الذي تمسكت به من ماضيك هو العطر الأنيق، فأنت الطيب ثوبا وروحا.
ما الذي غيرك؟ أنا اليوم –وقد غيبك الموت- موقن أنك كنت تسير إلى الله وفق رؤيا رأيتها، رؤيا واضحة كقسمات وجهك وصادقة كأوبتك إلى الله، هي رؤيا قطعا كانت تنهضك وتحفزك، لست أدري ما هي، لأنك لم تخبرني، ولكني موقن أن خطوك الحثيث إلى الله كان على هدى منها.
أتذكر قبل أقل من سنتين حين التقينا هناك ذات مقيل، بعد فراق سنتين، بدوت نحيفا صامتا متحفزا للصلاة، تظن كل صوت أذانا، فتنهض وتستنهضنا، لشدة ما تغيرت بنية جسمك سألتك هل أنت مريض، ولكنني عرفت فيما بعد أنك مريض بالشوق إلى ربك والخوف من سوء العاقبة، خشية الله ذلك المرض النبيل الذي نفرح نحن الغافلين مع العافية منه، وهي البلاء عينه.
ما رأيت في جيلنا أصدق توبة ولا أخلص أوبة منك، منذ أقبلتَ لم تدبر، كنت تسير إلى الله بخطو ثابت، هل في معارفك اليوم من لا يشهد لك بعفة اللسان وطهارة الإزار، ليس كلاما ألوكه بعد رحيلك حين أقول إنك كنت قواما لليل صواما للنهار مقبلا إلى ربك، كان أنسك بالقرآن وبالحديث عنه، حين نخادع أنفسنا بمراجعة ذكريات الغفلة دون أن نستشعر إثما، كنت أنت تستغفر من ذلك، وتكره الحديث عن فترة قضيتها دون ذلك الإقبال الواله على الله.
وأشهرك الأخيرة هذه، يا محمد الأمين، ما الذي جد عليك وكتمته عنا بشأن رحيلك، أغلقت دكانك العامر في السوق، لم تعد تأتيه إلا لأداء أمانة أو قضاء دين، وكأنك مسافر عن بلد غربة يصفي معاملاته وعلاقاته، تركت الأصحاب ولهم في قلبك مكانة، لم تكن مريضا، كنت في صحة وعافية، كل الناس استغربت فعلتك، ولكنك كنت عارفا –فيما يبدو- باقتراب الموعد، فكنت تزين روحك للقاء ربها، تماما كما يفعل بالعروس حين اقتراب زفافها، قبله بشهر أو بشهرين تحجب عن الناس وعن الشمس حتى تبدو في ليلة جلوتها أكثر ألقا وبهاء، هكذا فعلت أنت تفرغت للصلاة والصيام والذكر، تتهيأ للقاء ربك، ونعمت الهيئة دمعة قيام وشحوب صيام ورطوبة ذكر.
رحمك الله، يا ابن خالتي محمد الأمين بن إمام الصف، كنت في الحقيقة أمينا وكنت إماما للصف، وقرينا لملائكة الصف الأول وعماره من الناس، قال الطب الشرعي إنك مت عند الفجر، ترى هل مت وأنت ترفع كفيك داعيا أم سقطت وقامتك الفارعة منتصبة تتلو كتاب ربك، أم أن الله اختارك حين اضطجعت تسننا بعد رغيبة الفجر، لست أدري، كل الذي أدريه أنك لم تكن في تلك الساعة من الغافلين –كما عهدتك-، وأنهم قالوا إنهم وجدوك بعد ساعات من موتك متلففا ببجادك مشرق الوجه، وكأن الموت لم يرغمك على ركلة برجل ولا تمطٍ بصلب، كان موتك كنومك هادئا بلا شخير ساكنا بلا حركات.
يا أخي محمد الأمين، هل يمكن أن تكشف لي عن بعض أسرار سنواتك الأخيرة التي صرت فيها شخصا آخر لا علاقة له بالشخص الأول الذي نعرفه، هل يمكنك ذلك، وأنت الذي كنت تسر إلي بأشياء خاصة جدا، شيء واحد استغربته في لقائي الأخير بك، كنت كلما حدثتك عن مشاريع الحياة نظرت إلي بإشفاق، وأخذتني برفق إلى حديث الآخرة والفقه والتربية وإدارة الروح، لا أكتمك أني كنت أتضايق منك حينها، ولكن الآن عرفت بعض السر، كنت أنت مقبلا على الآخرة وكنت أنا مغرورا بالدنيا، وما زلت للأسف كذلك، فهل يمكنك الآن أن تبوح لي من وراء سجف الغيب ببعض تلك الأسرار؟
غصبك الموت شبابك، وهذا ما يؤسفنا عليك، وأي شباب غصبته بل غصبناه، شباب الطهر والعفاف والنقاء المحض، كان الموت كامنا يترصدك، ولكنه لم يستطع أن يباغتك، لقد أخذت الأهبة له، كما قال ابن ساعدة الإيادي:
لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والاصاغر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر.
ما زال قلبي المفجوع لا يصدق خبر موتك، رغم تواتر النقل وثبوت الفاجعة، ما زلت أعيد استماع الرسالة الصوتية المقتضبة التي نعاك فيها إلى مجموعة واتساب من أخلائك صديقنا وابن خالتنا معا محمد المصلح بن يباو ، رسالة لا تتجاوز 17 ثانية، كان اقتضابها يدل على أنه يريد التخلص من عبء القول الثقيل، خبر موتك ورحيلك إلى الآخرة، كان صوته الحزين مخبرا بالهم الذي تلبسه والفاجعة التي تمطر لها عيناه شلال دموع، لو سمعت أصواتهم بعد ذلك وهي تحشرجها الغصة الحزينة ويربكها الخبر الفاجع المفاجئ لبكيت لهم، وقد كنت غزير الدمعة سريع التأثر.
أما أنت يا خالتي العزيزة، يا أمه، بل يا أمنا معا، أعرف قدر مصابك وجليل رزئك، فقد فقدت ثلث كبدك بل أكثر، فقدت الأمين البار بك، بالله عليك صبرينا فقد عيل صبرنا، ويا أختنا فاطمة دعينا من سوانح ذكرياتك عن الفقيد، عن جميل خلقه معك وحسن صنيعه بك، أعرف لك ذلك، الم يكن لك أخا وأبا وزوجا وصاحبة، كان كل ذلك وأكثر، نعزيك بقولة الخنساء حين فقدت أخاها صخرا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا**وأذكره لكل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي**على إخوانهم لقتلت نفسي
وأنت يا أخانا الحسن، ماذا نقول لك؟ لا نقول لك إلا : صبرا صبرا.
مرة أخرى يا قطعة من فؤادي، أيها الصديق الأمين والأخ العزيز.
طوبى لك، ثم طوبى لك، تقدم على رب رحيم كريم، نسأل الله لك الجنة أنهارها وحورها ونعيمها الذي لا ينفد، ما علمناك إلا خائفا من النار راغبا في الجنة ساعيا لها، ورحمة ربك الواسعة وكرمه الكبير خير لك، ربك يعلم حاجة أمك إليك وحزن أختك الوحيدة عليك، ووحشة أخيك الوحيد وهو يرى مكانك شاغرا، لم يأخذك –لحسن ظننا به- كي يهينهم ولا ليعذبك، بل ليكرمك بجنته ورضوانه ويكرمهم بالصبر وحسن العاقبة.
يا أخي محمد الأمين، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا محمد الأمين لمحزونون.