الخطاب الموريتاني بين التأويل والتقبل / باباه ولد التراد

ثلاثاء, 06/03/2018 - 01:45
الكاتب باباه ولد التراد

قد تكون النصوص حقيقة افتراضية  أو كامنة باعتبار أن القارئ له إسهام مكافئ في الأهمية أثناء تفاعله مع النص بغية تأويله وخلق صوره المتخيلة ، فليس بمقدور أي نص مواصلة الحدوث والتبدي بذاته إلا إذا قام قارئ أو متلقي بقراءته وفق ما تعتقد نظرية " التلقي والتقبل " الألمانية التي تركز على القارئ .

ومع أن هذه الرؤية قد ثارت على المناهج التقليدية  التي انصب اهتمامها على المعنى باعتباره جزء من الحقيقة المطلقة ، إلا أنها استجابت لحاجة " أفق التوقعات  "، وحملت معها نموذجا استبداليا جديدا يتجاوز النماذج السابقة ، وركزت كذلك على توقع القارئ وفق معطيات تقوم على ثنائية القارئ والنص ، أوالتحقق والتأويل  ، معتمدة في ذلك على مفهوم " اندماج الآفاق  " .

ومع ذلك فإن الاهتمام بالقارئ قد ظهر قبل نظرية التلقي والتقبل ، فالشاعر أو الكاتب يفترض في الغالب قارئا ويكتب من أجله ، فتحت عنوان " لمن نكتب ؟ " ، يبرز بوضوح الانشغال المبكر لدى الفيلسوف الوجودي "جون بول سارتر" بمسألة القارئ ، إلا أن هذا الاهتمام التاريخي بالقارئ بقي في طور البدايات ولم يسفر عن تصور نسقي لهذه العملية ، لذلك نجد أحد الشعراء يقول :

 عليّ نحت المعاني من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقر.

غير أن بعض منظري وسائل الإعلام قد طوروا مفهوم المنفعة والبهجة ، الذي يركز على طريقة الاستخدام والتأثير في الوسائل الإعلامية لا على تأثيرها ، كما أوجدوا خطا موازيا بين نظرية المنفعة ونظرية التلقي والتقبل التي تركز على القارئ ، ومعنى ذلك أن هذه النظرية الأخيرة يمكن الاستفادة منها في مجالات أخرى مثل السياسة والإعلام .

وإذا تأكد هذا فإن النصوص المشحونة بالقضايا الوطنية - بما في ذلك مسألة المأموريات وغلاء الأسعار ، والأمن في البيوت إضافة إلى انتهاك المادة 6 من الدستور التي تنص على أن اللغة الرسمية هي العربية - قد تفترض أن قراءها هم المواطنون على اختلاف مشاربهم ، وصناع القرار باعتبارهم معنيون بتنفيذ تلك الأفكار والمقترحات ، الهادفة إلى بناء دولة ديموقراطية حديثة وقوية ، قادرة على أن توفر لشعبها الأمن والعدالة ، وتضمن للمواطنين حياة كريمة ، بعيدة عن الذل والتبعية للغة الأجنبي التي تحمل ثقافات رخيصة ولها باع طويل في محاربة ديننا الإسلامي الحنيف ، ولغته العربية الخالدة ، التي لا زال الشعب الموريتاني يناضل من أجل ترسيمها دون سواها ، حتى تصبح هي لغة الادارة والعمل ، في ظل دولة القانون ، التي تقيم التوازن بين ضرورات السلطة ، وضمان الحقوق والحريات العامة ، مع اشتراط تبريرات منطقية ، توفر المصداقية ، والشفافية في أفعال الدولة .

 ومن خلال هذه الرؤية فإن صناع القرار في موريتانيا كان عليهم أن يمنحوا الوجود للمنشورات التي تعج بها الساحة الثقافية والإعلامية والسياسية ، لأن النصوص لاتدب فيها الحياة إلاإذا كانت موضوعة للإدراك ، وتم تجسيدها في كل مرة عبر عمليات ملء الفراغات والبياضات وتحديد ما هو غير محدد ، ومن ثم فإن سيل المقالات التي تنحاز للضعيف ، ينبغي أن تجد آذانا صاغية ، كي لا يضطر بعض المواطنين إلى الاقتداء بما فعله بطل رواية (البؤساء ) لـ فكتور هوكو ، " جان فالجان " الذي سرق خبزا من أحد الافران من أجل إطعام أطفال أخته ، الذين عانوا من الجوع الفاحش ، وتبعا لذلك لبث في السجن 19 سنة .

وإذاكان البؤس سببه الأساسي هوالفساد والجشع ، فإن أصحاب هذه النصوص الوطنية قد نبهوا صناع القرار في بلادنا على خطورة اتباع  سياسة " مبدأ عدم تدخل الدولة " ، وخطورة ذلك الشعار الليبرالي الآخر القائل : "دعه يعمل دعه يمر" باعتبار أن الجشع ليس له حدود ، ويجب التصدي له من خلال تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف ، والاستفادة من التجارب الكونية التي يتبنى أصحابها العدالة الاجتماعية .

 

 

بتاريخ ٠١‏/٠٣‏/٢٠١٨ ١٨:٤٦، كتب "باباه التراد" <babahebah@gmail.com>:

مفردات خصومنا في يوم اللغة

إن اللغة في أي مجتمع هي الواجهة الحاملة والحاضنة للملامح الأساسية للهوية، ومن خلالها يتشكل معنى الانتصار والانكسار والمحبة والكراهية والألم والسرور، ومن منظورها تتحدد مفاهيم المباح والمحظور ، وانفتاح أبواب الفهم أو انغلاقه .
واعتمادا على اللغة تتكون رؤية شمولية للعالم تشمل الذات والآخر والواقع الطبيعي والاجتماعي ، كما أنه عن طريق اللغة يتم التواصل وتبادل المعلومات والأفكار والقيم والمبادئ والخبرات والمعتقدات والرموز، وتستخدم أساليب التفسير والتبرير وإنتاج وإعادة إنتاج المعاني والتصورات والمواقف والأحكام.. وإلى هذه المفاهيم الأولى ترتكز أية مفاهيم تالية يمكن للإنسان أن ينتفع بها من اللغات المكتسبة في مراحل لاحقة .
وعن طريق آليات التربية والإعداد الاجتماعي للأجيال الناشئة في فضاء ثقافي محدد ، يتم رفد الرصيد اللغوي بغية تشكيل نمط التفكير و الوعي و الوجدان والذاكرة الفردية والجماعية، فاللغة فكر ناطق، والتفكير لغة صامتة.
لذلك لا ينبغي الفصل بين الإنسان ولغته الأم مطلقا،لأن الكلمات لا تتيح قول كل شيء، ، لكنها تظل مشحونة بمجموع ما لا يمكـن قولـه، وهـو مجمـوع مقترن بها . وإذا كان بالفعل في اللغـة علامة اعتـراف اجتماعي بين أفراد الجماعة الواحدة ، فإنه يتعين علينا المضي أبعد من ذلك لفهم ما هو جوهري في هذه العلاقة القائمة بين الإنسـان ولغتـه ، فالقوالب اللغوية التي توضع فيها الأفكار، والصور الكلامية التي تصاغ فيها المشاعر والعواطف لا تنفصل مطلقا عن مضمونها الفكري والعاطفي .
وفي المقابل فإن الاستلاب اللغوي والفكري يحرم الأمة من هذه العلاقة الحميمة القائمة أصلا بين الإنسان ولغته .
وهذا ما سعت إلى تكريسه  بعض الشخصيات التي تعلمت في عهد الإستعمار وبداية الإستقلال ، عندما تم تجنيدها لحماية وجود الفرنسية في موريتانيا وإقصاء اللغة العربية وكان من بين هؤلاء ليبراليون وعنصريون ويساريون من أتباع الفكر الشيوعي اللينيني والماوي إضافة إلى القوى التي كانت مستفيدة من الاستعمار وتحن لعودته ، لأنها صنعت من التعليم الغربى أو المغرب ، لذلك فهي تزدري بالموروث الثقافي لحضارتها ، وتصم مجتمعها بالتخلف الابدي ،في حين أن هذه الزمرة تقصر عن بلوغ كنه الثقافة الغربية التى تنتحلها مطمئنة لما تقول دون أي بحث عما تقصد حقا ، مع أنها تدرك أن بعض الكتاب والثوار العروبيين والكونيين تجاوزوا المحلية جراء فكرهم ونضالهم وأمانة انتمائم الى الشعب .
غير أن مفردة الشعب هذه تعني غالبا التنوع رغم توحد معظم مكوناتها حول مصالح وأمان وغايات و طموحات يحدوها النزوع للحرية و الكرامة ، إلا أن تكييف الموروث الثقافي والأخلاقي لمختلف المكونات العرقية ، لايقتضي بالضرورة الاستلاب اللغوي والحضاري والخلود المطلق في الطرف السفلي لثقافة ذلك الاجنبي المحتل ، وبدلا من ذلك يلزم المكونات العرقية التركيز أولا على النقاط المشتركة وتحديد مواضع الاتفاق لأن ذلك يساعد على تقليل الفجوة ، ويوثق الصلة بين كافة الأطراف .
ومن هنا فإن المشتركات الكثيرة التي تربط العلاقات الحميمة بين مكونات شعبنا لايمكن تجاوزها ولا الاعراض عنها ، ومعلوم أن من أهم المشتركات الخالدة لهذه المكونات ، هي الدين الإسلامي الحنيف ، واللغة العربية ، والوحدة الوطنية  .
وإذا كنا قد استوعبنا لماذا استهدفت السياسة الاستعمارية بوضوح استئصال اللغة العربية من خلال عملية مزدوجة تتمثل في إقصائها بيداغوجيا والحط من شأنها ثقافيا، فإننا لم نفهم بعد لماذا حاربت بعض المكونات العرقية في موريتانيا اللغة العربية واعتبرت أن تدريسها يشكل خطرا عليها ، مع أنها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ومفتاح الأصلين العظيمين الكتاب والسنة ، كما أن العمل بهذه اللغة هو مجرد إقرار للمادة 6 من الدستور، التي تنص على أن اللغة الرسمية هي العربية ، واللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية .

وإذا كانت اللغة العربية لم تكن هي اللغة الأم لبعض مكونات شعبنا ، فإن اللغة الفرنسية الوافدة مما وراء البحار، لم تكن لغة محتل حاقد فحسب ، وإنما هي أكثر من ذلك لغة معادية للحضارة الإسلامية والدين الإسلامي الحنيف ولغته الخالدة.

وبما أن الأقليات العرقية غير الناطقة بالعربية ظلت تربطها وشائج قوية باللغة العربية ، مثل الدين والتاريخ والحضارة والعلاقات الاجتماعية بالمكون العربي في هذا البلد ، فإن الحجج التي يسوقها المتغربون من هذه الأقليات والقائلة : " بأن أبناءهم لا يعرفون اللغة العربية ، وأن التعريب تهميشا لهم " ، لا يمكن أن تكون مقبولة مطلقا ، لأن اللغة الفرنسية التي استبدلوها بالعربية لاتربطهم بها علاقة ، ومع ذلك فإن " كل مولد يولد على الفطرة .." ، فالطفل صفحة بيضاء ويستطيع أن يتعلم أي لغة بما في ذلك العربية التي سيحتاجها في صلاته على الأقل .

غيرأن المهتمين بهذا الشأن يعتقدون أن السبب الحقيقي وراء عزوف البعض عن تعلم اللغة العربية يرجع بالأساس إلى الإقصائية التي تنتهجها بعض الحركات المتعصبة من الأقليات العرقية في بلادنا والتي لاتقبل للمكون العربي أن يتمتع بحقوق الاغلبية ، حتى ولو كانت حقوق الاقليات مضمونة بصيانة تراثها وتدريس لغاتها ، ويستشهدون على هذا بأن أغلبية الموظفين من هذه الأقليات المحترمة يقضون أعمارهم الدراسية والوظيفية إلى جانب إخوانهم العرب ممتنعين عن تعلم أبجدية اللغة العربية والكتابة بها ، في حين أن إخوانهم العرب القادمين من المحظرة يحاولون تعلم الفرنسية ويبذلون في سبيل ذلك جهدا كبيرا .
لقد استهدفت السياسة الاستعمارية بوضوح استئصال اللغة العربية في سبيل عملية مزدوجة تتمثل في إقصائها بيداغوجيا والحط من شأنها ثقافيا، وقد كانت تلك النتيجة تبدو محققة غداة الاستقلال .
ورغم أن اللغة الفرنسية لم تعد هي اللغة الرسمية، فإنها ظلت مع ذلك سائدة حتى الآن في في كافة مراحل التعليم وفي القطاعات الإدارية والاقتصادية والمالية ومتستخدَمةُ في جميع وسائل الإعلام
ونظـرا للمواقع التي تحتلها هذه اللغة فقد تم الإعتراف بها لغة للترقية الاجتماعية بدونها يصعب على المرء أن يشق طريقه في المجتمع ، حتى أن بعض أنصار التعريب قد كونوا أبناءهم في مدارس فرنكوفونية اضطرارا .

 وكان من نتائج تغول اللغة الفرنسية وغياب الحس الوطني والقومي لدى صناع القرارفي بلادنا، ومارافق ذلك من استلاب النخب المتنفذة وحتى فئات وشرائح عريضة من المجتمع، أن وجهت السياسات التربوية والثقافية والاجتماعية إلى اعتماد اللغة الفرنسية، بدل اللغة العربية في مجالات التعليم والتكوين، وكأن هذه اللغة الأجنية هي التي يمكنها أن تكون لغة علم ومعرفة وتكنولوجيا وثقافة كونية !!
وهذا على خلاف مايراه علماء التربية من أن المعارف التي يتلقاها الطفل بلغته الأم تكون أسهل تحصيلا وأعمق أثرا من المعارف التي تلقاها بلغة مازال في طور تعلمها، كما أن لغته الأصلية، تسود يوميا في الحياة العائلية والاجتماعية. وتظل في الميدان الدراسي لغة للتواصل بين التلاميذ والمدرسين .
وفضلا عن ذلك فإن النصوص المودعة في كتب تدريس اللغة، أي لغة لن تكون محايدة فهي مشحونة بمعارف حضارة تلك اللغة، لذلك لا يخلو نص عربي مثلا من ذكر لحديث شريف، نصا أو روحا، أو حكم وفوائد جمة أخرى ، سيما أن اللغة العربية ذات ميزات عديدة، فهي أوسع اللغات وأصلحها ، ولها جذور متناسقة لا تجد لها مثيلا في اللغات الأخرى ،مع أن البيان الكامل لا يحصل إلا بها لقوله تعالى  ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ فدل ذلك على أن سائر اللغات دونها في البيان.

ومع ذلك لابد من النظر إلى أن اللغة العربية تُعد مفتاح الأصلين العظيمين؛ الكتاب والسنة فهي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى أسرارهما، وفهم دقائقهما، ولهذا السبب عني السلف بعلوم اللغة العربية، وحث على تعلمها، والنهل من عبابها