أقفال ولد ببوط / المحامي: محمد سيدي عبد الرحمن ابراهيم

أربعاء, 25/07/2018 - 12:24
 المحامي: محمد سيدي عبد الرحمن ابراهيم

وصلني، في عطلة هذا الأسبوع، عبر وسائط التواصل مقال كتبه الأستاذ/ محمد محمود ولد محمد صالح تأبينا لزميله الراحل فقيه القانون الدستوري أحمد سالم ولد ببوط، فطالعت فيه ملابسات تحضير وضع مبدأ التناوب السلمي على السلطة في موريتانيا الذي يبدو أن الراحل يربانه تكفل بهندسته القانونية.
واعتبارا لأهمية الموضوع، الذي ما كنت أدرك قبل مطالعته خلفية تبرير الأغلبية وسر دعوتها لسلسلة من التعديلات الدستورية في موريتانيا، ونظرا لارتباط الموضوع بشأن الساعة أفرد له هذه العجالة التي تستند في بعض تعليلاتها لأفكار وردت في مقال: (Hommage à Ahmed Salem OULD BOUBOUTT).
إثر انقلاب المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية على نظام معاوية ولد سيد أحمد الطائع في الخامس أغشت 2005، قرر الحكام الجدد تنظيم أيام تشاورية التأمت في انواكشوط، في شهر أكتوبر 2005، جمعت النخبة السياسية وحضرها عديد من الخبراء الوطنيين البارزين للإسهام بالمساعدة الفنية وكانت ورشة الإصلاح السياسي، التي عهد برئاستها للأستاذ المبرز ولد محمد صالح، من أهم المحاور مما يعكس أهمية ومصداقية شهادة الرجل حول المقاصد القانونية في تلك الحقبة الهامة.
كان الجميع مقتنعا بضرورة إنجاز تعديل دستوري يحقق تحولا جذريا لنمط الحكم بموريتانيا: يبعد المؤسسة العسكرية عن الحكم والسياسة ويضع حدا للانقلابات المتلاحقة وأدركت النخبة أن أمثل طريقة لذلك هي ضمان التناوب السلمي على السلطة.
ولإنجاز مشروع موريتانيا التناوب عهد بالهندسة الدستورية للأستاذ الراحل أحمد سالم ولد ببوط (يربانه علما، المتوفى في انواكشوط 10 يوليو 2018) والذي كان من أبرز خبراء القانون الدستوري في البلد خاصة بعد أن أضاف لمعارفه النظرية، المكتسبة من فترة دراسته في الجامعات السنغالية
والفرنسية، خبرة ميدانية تراكمت خلال سنوات عمله كمستشار قانوني يصعب على الإدارة الموريتانية الاستغناء عن مساعدته الفنية. ظاهريا لا تبدو المهمة صعبة ولكن يربانه لم يستسهلها وقرر أن ينجزها طبقا لقواعد الفن وأن يضيف لها ضمانة احتياطية تعقد مهمة من يهم بالسطو على السلطة في موريتانيا دون سند شرعي أو يستمر فيها بعد انتهاء أمد شرعيته.
فكر في وضع مغلاق لتحديد المأموريات Le verrou de la limitation des mandats يكفل عدم المساس بمقتضيات التناوب التي يتربص بها خطر محدق.

تقرر في البداية أن يكون نص المادة 28 من التعديل الدستوري على غرار نص متواتر في دساتير كثيرة: "يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة" ولكن هذه المادة اليتيمة معرضة لتعديل الرؤساء المتمكنين الطامعين في الاستمرار في السلطة في منطقة تتميز بغياب الأمن الدستوري لذلك قررمشرعنا أن يضع قفلا خارجيا لحمايتها تضمنته الفقرة الثالثة من المادة 99: "لا يجوز الشروع في أي إجراء يرمي إلى مراجعة الدستور، إذا كان يطعن في كيان الدولة أو ينال من حوزة أراضيها أو من الصيغة الجمهورية للمؤسسات أو من الطابع التعددي للديمقراطية الموريتانية أو من مبدإ التناوب الديمقراطي على السلطة والمبدإ الملازم له الذي يحدد مدة ولاية رئيس الجمهورية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وذلك طبقا لما تنص عليه المادتان 26 و28 المذكورتان سلفا.". عندها شعر ولد ببوط بتوفر ظروف تؤمن المادة 28 التي تضمن التناوب فتنفس الصعداء.

ولكن سرعان ما عاوده القلق بعد أن أدرك أن المتربصين قد يعدون على المادة 99 ويكرون لاحقا على المادة 28 فما تحققه الوثيقة الدستورية المقترحة، في هذا المستوى، هو عدم إمكانية أن تكون المادتان 28 و99 موضوع تعديل متزامن وأنه قبل الولوج للمادة 28 يتعين فك القفل 99 مما يفتح باب العبث بمبدأ التناوب.
أدرك ولد ببوط أن الخطر الأكبر على القفل يأتي من الحارس نفسه فتفتقت عبقريته عن اليمين الرئاسية التي اقترح تضمينها في المادة 29 من مشروع التعديل الدستوري وهي يمين، سجلها الفقه الدستوري كاختراع موريتاني، يجب أن يؤديها رئيس الجمهورية المنتخب قبل تأدية مهامه: "أقسم بالله العلي العظيم أن أؤدي وظائفي بإخلاص على الوجه الأكمل وأن أزاولها مع مراعاة أحكام الدستور وقوانين الجمهورية الإسلامية الموريتانية وعلى أن أسهر على مصلحة الشعب الموريتاني وان أحافظ على استقلال البلاد وسيادتها وعلى وحدة الوطن وحوزته الترابية. وأقسم بالله العلي العظيم أن لا أقوم أو أدعم بشكل مباشر أو غير مباشر أية مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمأمورية رئيس الجمهورية وشروط تجديدها الواردة في المادتين 26 و28 من هذا الدستور".. حينها شعر يربانه بالرضا لأن التناوب على السلطة في موريتانيا أصبح شبه مضمون فرئيس الجمهورية لن يرفض تأدية اليمين كي يستحق المنصب وحتى إن لم يتهيب الحنث، بعد ذلك، خشية لله، فلن يجرؤ على بذل ماء وجهه والكذب أمام المواطنين والأجانب.. وإن لم يستحي من كل ذلك فقد يتضاءل اعتباره وينحط قدره وربما أحدث تكرار محاولاته كسر الأقفال ضجيجا قد يؤدي لصحوة تسبق تدبيره وتمنعه من قضاء وطره إن لم يقد ذلك لمعاملته بنقيض قصده.
عرض مشروع التعديل الدستوري على استفتاء جرى يوم 25 يونيو 2006 وحظي بما يشبه الإجماع حيث صوتت بنعم نسبة 96,97 % من المقترعين وبلغت نسبة المشاركة 76,51 % وبناء على ذلك صدر القانون الدستوري رقم 2006-014 بتاريخ 12 يوليو 2006 المتضمن إعادة العمل بدستور 20 يوليو 1991 ونشر في عدد الجريدة الرسمية رقم 1122 بتاريخ 15 يوليو 2006 ومن ضمنه المواد 28، 29 و99 المذكورة المتضمنة لتحديد المأموريات ولقفلين أحدهما خارجي والآخر داخلي. حينها اطمأن أحمد سالم وأترابه إلى أن القضاء على التناوب السلمي لن يكون، بعد ما بذلوه من عناية، مهمة سهلة بموريتانيا.
وفي ذلك المناخ تولد الأمل لدى الموريتانيين وبدأ الحديث عن النموذج الديمقراطي العربي الفريد وتفضل أغلب الشركاء الأجانب بالتنازل عن ديونه قبل موريتانيا وقدم البعض تمويلات سخية وانتخب رئيس مدني وساد أمل إقامة دولة قانون ومؤسسات.. قبل أن يحدث انقلاب 6 أغشت 2008 الذي حطم الأمل وتراجع في ظله الذوق القانوني تراجعا بدأ بالقول إن الدستور ليس مقدسا ويمكن تمزيقه واستمر تردي الوعي المدني حتى وصل دركه، يوم 19 يوليو 2018، عندما تجاسر الناطق الرسمي للحكومة على القول علنا ومن منبر رسمي إن من يعتقد بأن رئيس الجمهورية سيحترم الدستور، بشأن المأموريات، واهم.
ومثلما خلص الأستاذ/ محمد محمود ولد محمد صالح في مقاله المذكور أسأل الله تعالى أن يرحم أحمد سالم ولد ببوط وأن يثقل، بحبك مواد التناوب على السلطة، ميزان حسناته وأن يلهم الموريتانيين السداد ويبعد عنهم الفوضى.