أدب الطلاق بين الدعاية وجبر الخاطر د/محمد احيد الشيخ سيدي محمد

جمعة, 07/12/2018 - 11:25
د/محمد احيد الشيخ سيدي محمد

من الطرائف والخصوصيات التي إخال الأدب الشعبي الموريتاني قد اختص بها ما يمكن ان نسميه ب " ادب الطلاق" ، اي الأدب الذي يكتب احتفاء بطلاق سيدة ما، والطريف أن بعض كتاب نصوص هذا الادب لا يعيشون تجربة الفرح بحدوث هذا الطلاق ، ولكنهم يختلقونها سعيا لرفع معنويات المطلقة من جهة وللفت انتباه الرجال إليها من جهة أخرى، وفي هذا الملمح يتجسد معنى الخصوصية ، فليس الطلاق منقصة تدفع ضحيتُها ثمنَها من الإهمال والوحدة بقية عمرها ، بل هو مناسبة لان يحتفي بها اهلها حين يتلقونها بالزغاريد، ثم يحتفي بها الصديقات والاخوات بمأدبة فاخرة ، لتتوج هذه الاحتفاءات باحتفاء الرجال برقيق الشعر غزلا عليها وتسفيها لفعلة مطلقها.
ولعل من اطرف نصوص أدب الطلاق قول أحدهم ساردا قصة تناهي خبر طلاق إحداهن إلى مسامعه، ومصورا ردة فعله العفوية والسريعة :

عجيب اللا تميت الين ^^ اسمعت امرة والل ثنتين

اكولو فالرد الوحدين ^^ مذكورة جليت اتخلات

كتلهم ذللي كلت زين ^^ والقلْ إقل أمن الثبات

كالولي ثابت كلت امنين ^^ اثبت لي ماش يالصيدات

كالولي لاتمشي فالحين ^^ كلت انتوماتي قشميات

اح أصلان لاهي نمشي ^^ أللا نعرف بل الوتات

ؤمزدوف ؤلاحاصرن شي ^^ وسامع عن جليت اتخلات

هنا تحول لنا هذه الطلعة جليت من مطلقة زهد فيها زوجها حتى قرر فراقها وطلاقها إلى مرغوبة محببة كان هناك من ينتظر طلاقها بفارغ الصبر وكامل التلهف، وربما يكون هذا المعنى اوضح وأجلى في قول محمد ولد أحمد يوره :
الطلاق اعيَ يتوسد :: متن الشعبَ و الشين أشد
وافذَ الطلاق إلّ يرتد :: عن لحريطانِ للرّعبوبْ
اعرفنَ عن يتخَلَّ حدْ :: ماهُ شين ءُ لاهُ مشعوب
لقد اضفى بن احمد يوره على هذه المطلقة اجمل الصفات التي تتمناها كل امرأة ، جاعلا طلاقها لا يتجاوز مسألة قضاء وقدر ، إذ ليس راجعا قطعا لصفة حسية ولا معنوية في الطليقة .
وربما يكون محمد عبد الله ولد سعيد ولد عبد الجليل وفق أكثر في التعبير عن حالة طلاق منت البار والهزة العاطفية التي سببتها له حتى صار يكتفي بالحمار وسيلة للنقل، فمن أسرعت به عاطفته - حسب ولد عبد الجليل - لن يقعد به حماره، يقول مخاطبا الأمير بياده :
لَحَّگْ لِلِّ وَاسَ فِالشَّرْ:: الْ لاَحِگْ لَخْلاَگْ اُلاَظَرْ
مِسْلِمْ عَنِّ نِبْغِ نَجْبَرْ :: مَرْكُوبْ اِمَرَّگْنِ لِلدَّارْ
اجْمَلْ مَعْلُومْ اِعُودْ اذْكَرْ:: نِبْغِيهْ اُخَالِگْ مِنْ لَخْبَارْ
اَلِّ مَذْكُورْ الْحَگْهُمْ شَرْگْ :: كِيفِتْ تِخْلِيِّتْ مِنْتْ الْبارْ
رَاعِ ذِيكْ اِيلَ عَادِتْ حَگْ :: كَافِينِ مِنْ مَرْكُوبْ احمارْ.
ويتاكد المعنى الذي ذهبنا إليه بخصوص تفريغ ظاهرة الطلاق من شحنتها السلبية واستبدالها بشحنة إيجابية عنوانها البذل المادي( اتعركيب ) عند البعض ، او (لحريش) عند البعض الآخر ، ثم البذل المعنوي متمثلا في الشعر بشقيه الفصيح والعامي، ولعل مما يؤكد على هذا المعنى ماروي من أن الشيخ المربي الشيخ محمدو بن حبيب الرحمن زار مرة امحمد ولد أحمد يوره وبين يديه ابنه محمد باب والقاضي اميي، وبدا الشيخ محمدو منزعجا غير مرتاح فساءله امحمد قائلا: ما أغضبك يا محمدو !! فقال إن ابنتي " حَسْـنَـه " طلقت ولم يعرگب لها أحد منكم! فقال امحمد مخاطبا محمد باب واميي وقد أزال مؤونة التحفظ إكراما لخاطر الشيخ : يجب أن يذهب احدكما ألى البئر ل"يعركب ثورا ، اما الثاني فعليه ان ينشد شعرا ، فوقف محمد باب على الفور منشدا :
أشياخْ التصووف :: ألا ذَ الشيخ ءُ توفْ
حگ ءُ بيهَ معروف :: ماهُ دَيْ اللسْنَ
وامنين إجينَ خوف :: هوَّ فيه إنْفَسنَ
وأمنادمْ جاهْ إشوف :: حَسْنَ وِيرَ حسْن.
ويكفي دليلا على عدم جدية هذا اللون من الأدب ، وكونه لا يتجاوز مستوى الدعاية وجبر الخاطر ، ان هذا الشيخ الجليل يطلبه لابنته دون حذر .
اما الشاعر الفنان عبد الله بن لمسيد فينحو في هذا اللون منحى عذبا سلسا يحول فيه الطلاق من حالة فردية تقع ضحيتها المطلقة إلى حالة جماعية ضحيتها جميع النساء على اختلاف وضعياتهن الاجتماعية ( متزوجات ، ذوات اخدان ، ومن كانت منهن خلوا ) ، كلهن ستسبب لهن حالة الطلاق هذه مشاكل يجملها في قوله :
تخليتْ لعلياتْ :: ألَّ گطْ اتوَساتْ
غيرْ امنينْ اتخلاتْ :: مريمْ مانَ مَتاوْ
مانلّ مَطروباتْ:: لعلياتْ اسّـوَاوْ
ذوكْ إلِّ مشدوداتْ :: خافو من يتخلاوْ
أوذوكْ إلّي مصحوباتْ :: منهمْ لصحابْ اوفاوْ
أوذوك المستحفياتْ :: أَّل باشْ استحفاوْ
وغير بعيد من هذا المعنى نجد قول الآخر :
مَذكُورَ نَصْرتْ غِيدْ الزّين :: وأزْينهمْ تبْسَـامْ اتْخـلاتْ
راعِ ذاك إِرفّـدْ وحْديـن :: -مَفاتْ احقّقْ- عنْ وَحْـداتْ
وانَگـظْ لَلْفـاظْ إلّ بَيْـنْ :: وحديْنْ إمْعَ وَحْداتْ إخْراتْ .
ولا يمكن سبر اغوار هذا اللون الأدبي في هذه العجالة الفيسية ، لكنني اردت فقط لفت انتباه الأدباء والمهتمين إليه .