المدني والعسكري في الدولة الوطنية.. أفكار للانتقال

خميس, 31/01/2019 - 14:50
محمد عبد الله ولد لحبيب: كاتب صحفي.

نشر هذا المقال قبل أكثر من سنة من الآن، وأعتقد أن إعادة نشره تضع بعض النقاشات الحالية في سياقها الطبيعي، بمحاولة إعطاء أبعاد استراتيجية لما يراه مستعجلون موقفا انتخابيا مجانيا.

تواجه الحالة الإسلامية في عموم البلدان العربية، ومنها موريتانيا، منذ انقضاء الموجة الأولى من الربيع العربي، وفورة الثورة المضادة، جملة من التحديات، فرضت مراجعات عميقة في أولويات الحركات الإسلامية، المنشغلة بالمجال السياسي.

وقد أرغمت الدماء التي سالت بغزارة في عدة بلدان عربية، والسجون التي غصت في مصر، وسوريا، بالأحرار من حملة الفكرة الإسلامية، وغيرهم من المؤمنين بالحريات، وبحق الأمة في السيادة على نفسها أرغمت هذه الحركات على إعادة تلمس ما تحت أقدامها، والبحث في أسئلة ظنت أنها تجاوزتها منذ عقود؛ مثل من نحن؟ وما ذا نريد؟ وكيف نصل إليه؟

نوقشت هذه الأسئلة سابقا، واقترحت إجابات لها، أثبتت الأيام أن بعضها لم يكن موفقا، وتجازوت الأحداث بعضها، وتبينت حاجة بعضها إلى التعديل والتحوير والتكييف.

وسأتناول هذا الموضوع من خلال تشخيص الحالة، أو على الأصح، بسط الفرضية التي أنطلق منها، وأطرح بعد ذلك بعض الأفكار الأولية أراها جديرة بالنقاش والتداول.

التغير أو التغيير

إن الأسئلة التأسيسية المشار إليها، لم يُعَدْ طرحها بشكل صريح، ولكن مضمونها كان خلال السنوات الأربع الماضية محل نقاش دائم في الدوائر المهتمة بهذه الحركات، وفي أروقة الحركات والأحزاب نفسها، ولا شك أن استكمال الإجابات سيضعنا أمام نموذج جديد في التفكير، والطرح. إنه سيعيد تعريف المشروع، في ظل ظروف استجدت بعد مرحلة التأسيس ومراحل المراجعات السابقة.

إن الربيع العربي ليس مجرد هزة في البنى الكبيرة على شاكلة الأنظمة السياسية، والدولة ونمط الحكم، وإنما هو زلزال سيطال البنى الصغيرة، كما تهز الزلازل العمارات الكبيرة والغرف المفردة، وحتى الأخبية المرمية في الصحراء. ومن لم يتغير من تلقاء نفسه فإن الربيع سيتجاوزه، ويشيد على أنقاضه بنيانا حزبيا وحركيا، صالحا لأن يقيم الدولة التي هدَّها.

إن النظر إلى البنى الحزبية والحركية على أنها بمنجاة من هزات الربيع وارتداداته، شبيه باستثناء بعض الأنظمة لنفسها، عندما هزت الموجة الأولى أنظمة مساوية لها في التكوين، وأدوات العمل، وامتداد العمر في الحكم.

وليس يعني هذا ضرورة أن مستويات التغيير الواجبة في الحركات والأحزاب الإسلامية تساوي تلك الواجبة في الدولة والنظام السياسي، وإنما يعني أن تغييرا كبيرا يجب أن يطال بنى الأحزاب ومناهجها، وأدوات خطابها، وأولوياتها، تناسبا مع التغيير الذي يعرفه المجتمع، والمعارف الإنسانية، وآليات الخطاب وصناعة التأثير.

كتلتان لا بد أن تلتقيا

يرى الكاتب القبطي المصري رفيق حبيب أن الكتلتين المركزيتين في مصر هما الدولة بأجهزتها البيروقراطية، وأدواتها الناعمة والخشنة، وجماعة الإخوان المسلمين، وهي كتلة في المجتمع مقابل كتلة الدولة. ويختلف المفهوم الذي يقدمه حبيب في أطروحته بشأن الكتلتين عن مفهوم الكتلة الصلبة الدارج في العلوم الاجتماعية والسياسية. وليس هنا مكان التحليل وتبيان الفروق وإن كان مناسبا الإشارة إلى أن مفهوم الكتلة الاجتماعية الذي تحدث عنه أعم من مفهوم الكتلة الحرجة الدارج.

ما يهمنا هنا هو أن النموذج التحليلي الذي ساقه حبيب عن مصر يشبه ما هو موجود في أغلب الدول العربية، ويشبه إلى حد بعيد الحالة الموريتانية؛ فإذا نظرنا إلى المشهد العام في موريتانيا فسنجد أن الدولة ممثلة في مؤسساتها العسكرية والأمنية، والمالية كتلة واحدة، لا تقابلها في المجتمع كتلة مقاربة من حيث القوة، وإنما تقابلها مجموعة كتل لديها بعض أسلحة الدولة، خاصة المصنفة ضمن "القوى الناعمة".

ومن أهم الكتل، وأوضحها معالمَ الكتلة الإسلامية؛ فالتيار الإسلامي، بالمعني الأوسع من العنوان الحزبي الذي يمثله حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) يشكل كتلة صلبة في المجتمع الموريتاني، تمتلك مجموعة من أدوات التأثير، ولديها رأس مال رمزي، أهمه المصداقية في المجتمع، وأًسُّه التصالح مع الهوية الإسلامية الراسخة للجمهور العام. وانعدام أي نوع من أنواع الثأر مع فئات المجتمع ومكوناته.

وما من شك أيضا أن الحديث عن هذه القوة في مقابل قوة الدولة، ليس له من المقارنة أي نصيب.

الاعتراف المتبادل أولا

إن العلاقة بين هاتين الكتلتين يجب أن تكون محل نظر دائم من العقلاء فيهما، وخارجهما، ذلك أن استمرار الكيان مربوط بعلاقة منضبطة بين كتله الرئيسة، وأهمها الكتلتان المركزيتان، في المجتمع والدولة.

انضباط العلاقة يعني بدرجة أولى خضوعها لمواضعات علمية وعقلانية مبدئية، ومصلحية، تأخذ في الاعتبار المبادئ الحاكمة للكيان الذي يتعايشان فيه، وأولها مبدأ استمرار الوجود. ثم مبدأ استمرار التقدم في مسار البناء المعنوي والمادي، بغض النظر عن البطء أو الاعوجاج، أو تعرج المسارات. ثم مبدأ التعايش.

ولا تعني العلاقة المنضبطة، ضرورةً، التحالف أو التقارب بالمعنى السياسي الانتخابي، بل هي القبول المتبادل، والاتفاق على عموميات المشروع الوطني، المشار إليها أعلاه بالمبادئ.

مطامح نخب المؤسسات الصلبة

لا مناص أمام الإسلاميين وغيرهم من القوى السياسية المدنية من القبول بنخب المؤسسات الصلبة، ومن أساسيات هذا القبول؛ الاعتراف بواقع الدولة الوطنية، ودور المؤسسات الصلبة في حفظ كيانها، وتفهم دوافع بعض أفراد هذه المؤسسات ونخبها في استمرار السيطرة على مفاصل القرار السياسي والتنموي. والاعتراف أيضا بأن هذه الدوافع ليست شرا كلها، وأنها مشروعة من حيث هي فطرة إنسانية، وتحتاج إلى تكييف مع أطر القانون والدستور، وقواعد بناء الدول والأنظمة السياسية الحديثة.

إن هذه المشروعية الفطرية تتضافر في نفوس أبناء هذه المؤسسات ونخبها مع تكوين على أنماط من التفكير مغاير تمام المغايرة لنمط التفكير المدني، المؤسسي، يعلي من شأن هذه المؤسسة، ويؤطر أفرادها على أن أهميتها أهمية مطلقة لا يمكن أن تخضع لقانون النسبية، ولا أن تكون محلا لمساومات مع "مدنيين" تشكك في أهليتها للحكم.

وهذا ما يسهل على الطامحين من قيادات هذه المؤسسات ونخبها تسويق ليِّ أعناق الدساتير، وإلغائها جملة، دون نكير من سائر أبناء المؤسسة ومنتسبيها نتيجة التربية غير الجمهورية، والثقافة التي هي أعمق من مناهج التربية والتعليم.

هذا الاعتراف أو التفهم (أو كلاهما) لا يقتضي أي نوع من التسليم لهذه المطامح، ولا السكوت عن فرض الانحراف على أدوار المؤسسات الصلبة في الدولة، بل فهماً وواقعية في التعاطي مع المشكل، ومرونة في آليات تغييره، وسعة أفق، ونفسا إستراتيجيا، في تقدير المدى الزمني المنتظر الوصول إلى نتائج ذات بال فيه.

ليس من السهل انتزاع السلطان من مؤسسات، ونخب استفردت به منذ عقود، وامتلكت من أدوات التأثير ما لا يملكه غيرها، واستمرار قوتها وتماسكها ضرورة لاستمرار الكيان نفسه.

إن الفكرة التي يجب ألا تغيب عن الأذهان هي أن استمرار أي بلد، واستقلاله، بحاجة إلى مؤسسات صلبة محترفة، وقوية، وذات نفوذ.

لا نغفل عن أن استمرار قوتها وتماسكها بحاجة إلى ابتعادها عن مواطن الصراع والخلاف، وانتقالها إلى حالة إجماعية "شبه مقدسة"، وإنما يجب التذكر دائما أن الصورة النموذجية، أو المقبولة لإزاحتها إلى هذا المربع تحتاج وعيا داخل نخبها الحاكمة، وعملا دؤوبا لتجريدها من المطامح، وهو أمر ليس بالسهل، ولا القريب متناولا.

طبعا، لا بد من التأكيد على رفض أي نوع من السعي نحو إضعاف المؤسسة بغية انتزاع ما بيدها، أو بيد نخبها، بحجة ضرورة تفكيك القائم لإحلال بناءٍ جديد محله. إن هذا غباء استراتيجي ووطني يحول هذه المؤسسات إلى أسد جريح ملوث بالأمراض، يشكل خطرا على الصحة العامة، علاوة على استِقْتَالِه على ما تحت يده، وسهولة التلاعب فيها من أي طامح، أو طامع.

إن تراكم الوعي داخل النخب المدنية، والعسكرية، وداخل نخب المؤسسات الصلبة هو الذي سيؤدي إلى نتيجة محمودة ولا مناص من انتظاره.

مطالب النخب الإسلامية المدنية

مقابل هذا الاعتراف والتفهم يجب أن تفهم، أو تُفْهَمَ، نخب هذه المؤسسة أن طموح الكتلة الاجتماعية المدنية (الإسلامية والوطنية) للوصول إلى ما بأيدي النخبة في المؤسسات الصلبة من سلطة وحكم، طموحٌ مشروع، أو واجب لإقامة نظام سياسي حديث، والوقوف في وجه الأزمات التي تتهدد البلدان.

إن وصول القوى المدنية إلى السلطة، حقيقة لا شكلا، هو الذي سيضمن تحول المؤسسات الصلبة إلى حالة إجماعية، فوق الخلافات السياسية، والنزاعات المذهبية. هذا ما تقوله التجربة التاريخية الحديثة، ومنطق الزمن.

ولا يشترط في القبول بهذ الطموح عدم السعي إلى عرقلة الوصول، أو تأخيره، فذلك جزء من الصراع الذي هو عامل تحريك للتاريخ، وجزء من تحقيق سنة التدافع المتحكمة في حياة الأمم.

 إنما يشترط فيه عدم السعي إلى الاستئصال أو محاولة الحرمان من الحقوق الطبيعية. لا يطمع الإسلاميونوالنخب المدنية إلى أن تدعوهم النخب الحاكمة، في المؤسسات الصلبة وتسلمهم قيادها. يكفيهم أن تدعهم يراكمون التجارب، ويحصدون ثمار كفاحهم من أجل العدالة والحرية، وتنافسهم بشرف، وهي مطمئنة إلى أنهم لا يقدرون على هزيمتها، وربما لا يطمحون لذلك عاجلا، وأن وصولهم إلى السلطة سيكون نتيجة طبيعية لمسار معقد من التراكمات، والنجاحات والإخفاقات، والتغيرات الاجتماعية.

الانتقال السلس

إن الانتقال السلس، الذي ينتج عن اعتراف، أو بتعبير الدكتور محمد المختار الشنقيطي "الإصلاح الوقائي"، هو ما جرب في جنوب إفريقيا التي كان قادة النظام السياسي البيض فيها يفاوضون الزعيم الأسود نيلسون منديلا في زنزانته، وتسلمت الأغلبية السوداء السلطة، ونالت حقوقها، دون أي إضرار بموقع النخبة البيضاء في الاقتصاد، ولا بمكانتها في المجتمع.

والمطلعون على تجربة جنوب إفريقيا يدركون أن الانتقال الكامل لمركز القوة اجتماعيا واقتصاديا إلى النخب السوداء يمر عبر مسار طويل؛ ففي كل عدة سنوات تظهر مجموعة جديدة من رجال الأعمال السود، وتصعد مجموعات من الطبقة الوسطى إلى أعلى السلم الاجتماعي بفعل التراكم الطبيعي في المجتمع، ولن ينتهي نصف قرن على انطلاق مسيرة التغيير حتى تحصل حالة من التوازن داخل المجتمع والدولة، تمحو آثار المظالم التي غطت وجه جنوب إفريقيا ردحا من الزمن.

إن الذي حدث في تركيا لا يختلف في مآلاته عما حدث في جنوب إفريقيا؛ فقد ظلت العلاقة بين دولة أتاتورك والتيار الإسلامي الوطني الذي مثل إحدى أهم الكتل علاقة متشنجة تطبعها محاولات الإلغاء من جانب العسكر والنخب التي أنتجتها دولة أتاتورك، ومحاولات التحجيم من طرف الإسلاميين، وأخذ كامل حقوقهم التي تعطيهم إياها صناديق الاقتراع، بدءاً من عدنان مندريس إلى أربكان، إلى أن جاءت مقاربة حزب العدالة والتنمية الذي قبل بشروط اللعبة، وترك للكتلة الصلبة في الدولة العميقة مجالاتها دون منازعة، مع استغلال ذكي للهامش المفتوح في الخدمات، والعلاقات الخارجية، والتنمية الاقتصادية، وهو ما منح العدالة والتنمية "شرعية إنجاز" استطاع بها منازلة ما يعتبره سدنة الدولة العميقة "شرعية تأسيس" و"حق رعاية"، وما زالت معركة تمدين الدولة التركية مستمرة، لم تستكمل رغم النجاحات التي تحققت حتى الآن.

الخلاصة أن معركة المدنيين الإسلاميين والعسكريين الأتراك لم تنته مع انتخاب حزب العدالة والتنمية في بداية العشرية الأولى من القرن الحالي، ولم تنته بعد، ولكن ميزان بوصلتها بدأ يتضح ميله لصالح القوى المدنية، وبدأت مسيرة التحول الجمهوري نحو الدولة المدنية في تركيا تأخذ مسارا أعمق، وربما أكثر تسارعا، وفي نفس الوقت أكثر حرجا، ودقة، وحساسية.

وهو نفس المسار الذي بدأته تونس بعد الثورة، وما زال في بداياته، وقد نجح التونسيون في تجنب الهزات العنيفة حتى الآن، رغم التعقيدات التي عرفتها التجربة منذ الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي. ولا أحد يضمن أن تظل تونس بعيدة عن تلك الهزات، وإن كان الزمن لصالح التجربة، مع غياب تاريخ للانقلابات العنيفة في تونس.

إنه هذا المسار هو الذي يسلكه المغرب أيضا مع فوارق كبيرة تتعلق بتاريخ المملكة، وسيادة العرش العلوي على نفوس المغاربة لقرون، وهو ما سيجعل الطريق أطول منه في أي بلد آخر، ولكنه في نفس الوقت أضمن، وآمن منه في أي بلد آخر على امتداد رقعة العالم العربي.

الصدام الخشن

لقد أدى الصدام إلى عكس النتائج المشار إليها في النموذجين؛ الجنوب إفريقي والتركي، فانسدت الحالة الجزائرية على مؤسسات صلبة حاكمة بنفسها، دون أفق للتغيير في طريقة الحكم، إلا بعد هزات عنيفة من جديد. علاوة على الدماء التي سالت، والخسائر الهائلة في الاقتصاد الجزائري، وفي مكانة الجزائر الإقليمية، وتأخير عجلة التنمية في بلد كان مرشحا لأن يكون واحدا من أغنى دول العالم وأكثرها رخاء، لما توافر له من الموارد الطبيعية، والموقع الاستراتيجي، والتاريخ الثري.

وها هو الصدام يقود إلى نفس النتيجة تقريبا في مصر دون أفق منظور للحل، ويكاد يكون الطريق الوحيد هو تفكيك المؤسسة العسكرية والأمنية والقضاء على قوتها الاستراتيجية، لإعادة بنائها على أسس سليمة، بعد أن أدت سنوات التغول، في غياب الاعتراف المتبادل مع النخب، وحد أدنى من مقومات التعايش، إلى تمدد سرطاني للمؤسسة العسكرية عبَّر عنه بذكاء الباحث اللبناني يزيد صايغ في بحثه العميق "فوق الدولة.. جمهورية الضباط". والانقلاب العسكري على نظام الرئيس المنتخب محمد مرسي، كان مجرد فيض لكأس التوترات بين الكتلتين لم تستطيعا كبح جماحه رغم محاولاتهما منذ سبعينيات القرن العشرين.

مخاطر الصدام الخشن لا تقتصر على تأسيس "جمهورية ضباط" تستوجب إعادةُ بناء النظام السياسي على أسس سليمة استئصالَها، بل الخطورة الأكبر في أنها قد تقضي على بيضة الكيان، وساعتئذ لن تكون هناك سلطة أو مكاسب للتنافس عليها.

وحتى لو لم تستطع النواة الصلبة للنظام استئصال المجموعة الإسلامية والمدنية، كما حدث في فلسطين التي احتمت فيها الكتلة الإسلامية بمظلتها العسكرية المتأتية من طبيعتها المقاومة، فإنها في النهاية أنتجت نظاما سياسيا مشوها برأسين تستوجب إعادة تأسيسه قطع أحدهما، أو حَنْي ظهره إلى درجة تهدد العنق بالكسر، ولا تضمن مآلاتها بشكل واضح.

يتجاهل التحليل عمدا طرح فكرة الظالم والمظلوم، على جوهريتها، وذلك لأن البحث عن الحلول في الأزمات لا يفيد فيه شيئا تحميلُ المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك. وما تحتاجه الأوطان أكبر من مجرد صناعة "مظلمة تاريخية" تصوغها الأغاني الحماسية مجدا من نَغَمٍ يَلوكُ المأساة، ويضيف مَبْكَاةً جديدة إلى مباكي الوطن ومواجعه الدامية.

وثمة دافع خاص بالإسلاميين في الظرف الحالي، وهو أن المرحلة الحالية من الاستهداف العالمي والإقليمي للتيار الإسلامي ستمتد إلى الأفق المنظور، ولا يمكن الاحتماء ببعض أطراف الصراع الإقليمي في وجه بعضهم، نظرا لاعتبارات كثيرة، منها هشاشة الأنظمة المحلية في وجه الضغوط، ومنها سهولة ضم الإسلاميين في أي قطر من الأقطار تحت اليافطة العامة، خاصة في ظل تاريخ من الشجاعة (أو عدم الحصافة) في التضامن مع القضايا، لا يلام عليه الإسلاميون، ولا ينبغي أن يلام خصومهم إذا استفادوا منه.

كما أن المحاور الإقليمية تتخفف عادة من الأطراف التي تحتاج حماية لصالح تقوية بعض الجبهات التي قد تفيد في الدفاع، أو الهجوم، وهو ما يجعل التيار الإسلامي أحيانا كثيرة مكشوف الظهر في الصراعات، ومن المهم في هذا السياق تأمل وضع حركة مثل حركة المقاومة الإسلامية حماس (وهي رافعة إستراتيجية مهمة لأي حلف تنضم إليه) في ظروف ما بعد أزمة الخليج.

إن هذا الظرف لا يحمي فيه إلا أن تكون الأحزاب والحركات الإسلامية جزءاً من الأمن القومي لبلدانها، وذلك بالانخراط بدقة وحصافة وحذر في المعادلة الداخلية، من بوابة الاعتراف المتبادل، والسعي لصياغة ميثاق وطني على أسس واقعية تعترف بميزان القوة، وتحاول امتلاك الحق في السعي إلى تغييره بشكل متدرج، بطيء، وعميق، وآمن.

هشاشة المرحلة الانتقالية

يمر هذا التحول عادة بمرحلة انتقالية طويلة، وذات خصائص معقدة، من أبرزها سمة الهشاشة المزدوجة، وخطر الانحراف.

إن مرحلة ما بعد تبادل الاعتراف وقبل الوصول إلى بر الأمان هشة بدرجة يصعب تصورها؛ فالمسارطيلة هذه المرحلة مهدد بالعودة إلى نقطة الصفر في أي وقت، خاصة عند حدوث أي صدام بين الكتلتين الرئيسيتين.

إن خطورة العودة هذه هي أنها قد تكون فرصة ضاعت، ونحتاج بعدها إلى إعادة بناء كل شيء من الصفر، أو الانتظار لفترات طويلة حتى تنضج ظروف تفاهم جديدة. والأرجح أنها لن تنضج مجددا إلا بعد هزات عنيفة، كما حدث في الجزائر التي تعطلت مسيرتها مبكرة، وما زالت تراوح في أزمة ما بعد الانتخابات التشريعية المنقلب عليها عام 1993.

وقد يحدث أيضا ألا يتوقف المسار، ولكنه ينحرف عند نقطة معينة، وذلك بالوصول إلى مرحلة التماهي بين الكتلتين، أو الحلف الدائم بينهما، وعندئذ تأخذ الأمور مسارا من أخطر المسارات، يشبه إلى حد كبير حالة جسم المريض الذي يأخذ جرعة من الدواء لا تقضي على الجرثومة، وإنما تعطيها مناعة ضد الاستئصال فينكمش عليها الجسم وتمتنع من الدواء، ويتضاعف خطر إهلاكها للجسم برمته، بعد أن كان في طريقه إلى العلاج والشفاء التام، وهذا شبيه بحالة السودان.

ومن خصائص المرحلة الانتقالية الخطرة تحكم تاريخ الارتياب وعدم الثقة بين الكتلتين؛ فكلاهما تنظر إلى الأخرى بوصفها نقيضا وجوديا، في حين أن المنزلة الحقيقية لكلتيهما من الأخرى هي منزلة المنافس الاستراتيجي، فليست في الحقيقة أي منهما خطرا على وجود الأخرى، ولكنها خطر على بعض مكاسبها، مما تقتضي سنة التدافع أن يكون دُولة بين الكتل الاجتماعية (بالمعنى الواسع).

ولا بد لكِلْتَيْ الكتلتين من بعث رسائل الطمأنة المتبادلة خاصة بعد الحوادث الجزئية التي قد تكدر صفو التعايش في المرحلة الانتقالية. كما أنه لا بد من تحصين الحد الأدنى من مقومات التعايش، ويكون ذلك بتحقيق الفعالية للنظام الانتخابي التمثيلي، وتسهيل الولوج إلى أجهزة الحكم غير السياسية، وإبعادها عن سوح الصراع.

كما يكون بامتناع الكتلة الاجتماعية عن الانخراط في أي جهد لتقويض النظام دفعة واحدة، مثل المحاولات الثورية، وخاصة ما له علاقة منها بدعم التغييرات غير الدستورية، مهما تكن المطاعن السياسية والدستورية في شرعية السلطات القائمة، كما يمكن تقديم ضمانة أخرى تتعلق بالحياد في صراع الأجنحة داخل المؤسسات الصلبة.

خاتمة

في ختام هذه المحاولة لا بد من التأكيد على أن ضمانات استمرار التجربة يجب أن تكون واضحة، وموثقة، وملموسة يمكن من خلالها خطاب الجمهور، وإقناعه بضرورة انتظار نضج الظروف في أفق معقول، كما يجب أن تتضمن تقليصا واضحا لمظاهر الأثرة التي تتمتع بها هذه النخب.

ويجب في نفس الوقت عدم الانجرار وراء محاولات قد تلجئ الطبقات الحاكمة إلى الشعور بالخطر الذي قد يلجئ إلى إغراق الكيان في بحور من الصراعات الإثنية والعرقية تخرجه من مسار التطور التاريخي، والاجتماعي، وتعيده إلى مرحلة ما قبل الدولة.