مرشح المعارضة.. بين المثالية والواقعية / أحمد أبو المعالي

أحد, 17/02/2019 - 12:14

في لحظات تشرئب فيها الأعناق لمعرفة المرشح الموحد للمعارضة يتنازع جمهورها مثالية تدعمها رافعة من الكبرياء الوطني وواقعية يغذيها طائف من التواضع السياسي
فأنصار المثالية المطلقة يرون أن المرشح لابد أن تكون "قدماه " قد اغبرت في النضال وأن يكون صدح ذات يوم في وجه الأنظمة ملء فيه "لا" - وأن يكون "طلاع الثنايا " متى يضع العمامة يعرفه المعارضون وأن يكون ألف مثل أيام "يوم حليمة" في المواجهة
ووجاهة هذه المثالية أنه ليس من المنطقي أن تضحي جموع كثيرة عقودا من الزمن وتصارع ما وسعها الجهد أنظمة متعاقبة فلم تستكن ولم تهن .. ثم في لحظات فارقة تسلم الأزمة لطائفة أو فرد من من كانت بالأمس تقارعهم ..فهي بذلك تخسر سنوات من النضال وتطعن في ظهر أزمنة من الاضطهاد والنفي والسجن لبعض أعضائها
وما يعكر على هذه المثالية أن الأطياف المعارضة رفضت الترشيح من داخلها لسبب قد يكون وجيها-وإن لم تصرح به- وهو أن كل طيف منها يشكل توجها مختلفا في السياسة والفهم والبرامج لا يشغب عليه ويلغيه تقاطعها في معارضة النظام فالشيطان يكمن في التفاصيل
فمن المستبعد أن يترشح زعيم في حزب يحمل إيديولوجية محددة ثم يقوم أنصار وأعضاء حزب يحمل أيديولوجية أخرى بالتضحية والنضال والبذل من أجل أن يتبوأ أكبر منصب في هرم الدولة وهم الذين يناضلون ويقارعون من أجل الوصول للحكم لتطبيق ما يرونه مناسبا للبناء والإصلاح.. وهي وإن كانت تبدو غير مقنعة للبعض إلا أنها لا تخلو من وجاهة
لن يبذل النشطاء والمناضلون الجهد الذي سيبذلونه لو كان المترشح من دائرتهم الخاصة ولصالح من يتقاطع معهم في دائرة أكبر ولكن له خصوصيته التي تميزه عنهم
وهذا ما يفهم تصريحا وتلميحا من تصريحات بعض قادة الأحزاب المشكلة للمنتدى ..لذلك كان لا مناص من اللجوء إلى مرشح لا يمثل وجهة أي من تلك الأحزاب المحددة وهو ما جعلهم يميلون نحو مرشح من خارج الدائرة كنوع من الواقعية التي لابد منها في طار العمل السياسي المبني على فن الممكن
بالنسبة لمن يتبنى هذا التوجه سيلغي هذا الطرح حساسية أن يكون طيف معارض بذل الغالي والنفيس ليصل طيف معارض آخر لأعلى منصب في الدولة وهي حساسية ليس من السهولة التخلي عنها وإن لم تطف على السطح إضافة إلى ما ذكره بعضهم من كون المرشح من خارج الدائرة قد يجذب أصواتا من الدائرة المقابلة وهو مكسب مهم في الانتخابات ..
لكن ما يعكر على هذ الواقعية أن بعض الأسماء المتداولة خدمت في أنظمة سابقة كانت هذه المعارضة تقارعها وعانت منها الأمرين وأي اسم تفيأ تلك الظلال وتقلد مناصب سامية وحساسة فيها غير مرغوب وإن حاول البعض التفريق بين الماضي والحاضر باعتبار أن غبار الماضي لم تسلم منه أي جهة في المعارضة فينبغي أن يكون المدار على من يخدم أو خدم في النظام القائم
غير أن هذه الرؤية وإن كانت ستجلب أصواتا من خارج الدائرة المعارضة وتساهم في تقليص الأصوات المؤيدة للنظام فإنها بالمقابل ستجعل البعض وخاصة من من يحملون حساسية مفرطة من الأنظمة يستنكفون عن التصويت بل وقد تجعل البعض يعتبر الموضوع صراعا بين قطبين من النظام بطبعتين متقاربتين وقد يسهل ذلك لمن كانوا يصوتون للمعارضة مناصرة لا اقتناعا يراجعون حساباتهم وقد يغيرون توجهاتهم.. وبذلك لن "تجلب" هذه الواقعية أكثر مما قد تضيع
ويمكن القول إنه لو وقع الاختيار على مرشح من خارج الدائرة فإن مباركة الأحزاب المعارضة لذلك وتعهدها بالتصويت له لن يكون أكثر من حبر على ورق ولن نشهد ذلك "الوطيس" الذي يفترض أن يسود في مثل هذه الانتخابات
لذلك فالطيف المعارض في وضع لا يحسد عليه.. والعجب العجاب ألا يكون هناك عبر تاريخ النضال من لم يخدم في الأنظمة السابقة ولم ينتسب لحزب محدد يكون طوق نجاة يجمع بين المثالية المطلوبة من الناحية الخلقية والواقعية المرغوبة من الناحية الموضوعية