عِيدُها... كونوا لهنَّ إخوان الصفا وخُلان الوفا!!

سبت, 09/03/2019 - 14:21
أبو إسحاق الدويري

روى  الإمام البخاري في "باب حسن العهد من الإيمان"، من صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، ولقد هلكت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين، لما كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليذبح الشاة ثم يهدي في خلتها منها»، وجاء في باب فضائل أمنا خديجة  رضي الله عنها من صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح الشاة، يقول: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة"، قال ابن بطال في شرح البخاري مبينا سبب تسمية الباب: "حسن العهد في هذا الحديث هو إهداء النبي عليه السلام اللحم لأجوار خديجة ومعارفها رعيًا منه لذمامها وحفظًا لعهدها كذلك قال أبو عبيد: العهد في هذا الحديث الحفاظ ورعاية الحرمة والحق، فجعل ذلك البخاري من الإيمان؛ لأنه فعل بر وجميع أفعال البر من الإيمان" (ج 9/ ص 216).

ذاك هدي نبينا صلى الله عليه وسلم المبعوث متمما لمكارم الأخلاق، وقد ذكر ابن سلام في أمثاله أن "الوفاء من الله بمكان"، ولما سئل أُنيْس عن الكرم قال: "الوفاء بالذمم والبذل في الأزم"، ولئن كان التوحيدي شكا من قلة الوفاء في زمانه حتى جعل من أدعيته في مفتتح كتابه الصداقة والصديق: "اللهم نفق سوق الوفاء فقد كسدت، وأصلح قلوب الناس فقد فسدت"، فإن عصرنا لم يخل من أوفياء رعوا ذمام هذا الخلق حق رعايته.

 حين بلغ الشاعر الإنسان السفير والوزير السعودي المرحوم غازي القصيبي عامه الخامس والستين كتب قصيدته الخالدة "حديقة الغروب" يستذكر فيها رحلته الحافلة مع الحياة والناس والأصدقاء والوطن، وقد خص "رفيقة دربه" بقطعة وفاء من قصيدته هذه ملأها حبا ووفاء وشموخا واعترافا حيث قال:

أيا رفيقةَ دربي!.. لو لديّ سوى *** عمري.. لقلتُ: فدى عينيكِ أعماري

أحببتني.. وشبابي في فتوّتهِ *** وما تغيّرتِ.. والأوجاعُ سُمّاري

منحتني من كنوز الحُبّ أَنفَسها *** وكنتُ لولا نداكِ الجائعَ العاري

ماذا أقولُ؟ وددتُ البحرَ قافيتي *** والغيم محبرتي.. والأفقَ أشعاري

إنْ ساءلوكِ فقولي: كان يعشقني *** بكلِّ ما فيهِ من عُنفٍ.. وإصرار

وكان يأوي إلى قلبي.. ويسكنه *** وكان يحمل في أضلاعهِ داري

وإنْ مضيتُ.. فقولي: لم يكن بَطَلاً ***لكنه لم يقبّل جبهةَ العارِ

أخي القارئ أَنشدْ هذا الوفاء الشعري بصوت مرتفع، وسيغنيك إنشاده بحسب حسن صوتك ووفائك عن كل تعليق؛ فالتعليق على مثل هذا يميت العواطف ويقتل المشاعر، وقد أبان المرحوم غازي سبب هذا الوفاء في كتابه الأشهر "حياة في الإدارة" حيث قال: "استطاعت زوجتي، طيلة حياتي الوظيفية، التأقلم مع كل متطلباتها، عندما كنت طالباً استطاعت تدبير أمورنا بالموارد القليلة المتاحة قرابة مائة وأربعين جنيها استرلينيا في الشهر..، عندما أصبحت أستاذا جامعيا انتقلتْ بيسر من حياة الطالب إلى حياة المدرس،  عندما انتقلت إلى عمل جديد في الدمام تقبلت الأوضاع الجديدة بلا شكوى، إلى عمل جديد وتقلبت الأوضاع كانت بلا شكوى. عندما أصبحت وزيراً وطالت ساعات العمل، وتعددت الرحلات، لم أرها أو أسمعها تتذمر قط، ...تقبلت زوجتي الواجبات الاجتماعية المرهقة المتوقعة من زوجة السفير، كما كانت تتولى شؤون المنزل كلها، وشؤون العاملين فيه ومعظم شؤون الأولاد" (ص 64-65)، الطريف أن هذا الزوج الإنسان الوفي لم يكن مستعدا للصراخ وتحويل بيته إلى لطيمة، يقول "أسمع قصصاً شبيهة بحكايات الرعب عن زوجات مشاغبات، لا يقنعهن شيء ولا تنتهي مطالبهن، لا يتحدثن إلا بالصراخ، ويحققن مع أزواجهن في كل دخول وخروج، ولا يعرفن شيئاً عن الأطفال، لا أدري ماذا كنت سأفعل لو تزوجت امرأة من هذا النوع، وإن كنت أرجّح أن الزواج كان سينتهي قبل انتهاء"شهر العسل" (ص 65).

حبُّ غازي لزوجته كان مشتهرا بين معارفه وأصدقائه ورؤسائه، فقد ذكر في كتابه الطريف "الوزير المرافق" أنه أثناء مرافقته للأمير فهد بن عبدالعزيز في زيارة لأمريكا، اقترح الشاعر القصيبي على الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر أن يزوجه بـ"فتاة أمريكية يهودية وأخرى مسيحية أمريكية، وبهذا سيحدث تفاهم يؤدي بمرور الأيام إلى إحلال الوئام بالمنطقة (قضية فلسطين)" ابتسم كارتر وقال إن لهذا الأمر جوانب قانونية يشير إلى منع القانون الأمريكي لتعدد الزوجات، فتدخل الأمير فهد بن عبدالعزيز قائلا: "لا تصدق يا فخامة الرئيس إنه لا يقول ولا يفعل، حتى لو سمحت له فإنه لن يجرأ على ذلك، إنه يحب زوجته ولن يتزوج غيرها" (الوزير المرافق ص 26).  

يرى العلامة الإنسان سلمان العودة -أبعد الله عنه كل شر- أن "الرثاء من أصدق معاني الوفاء"، و"قال الأصمعي: قلت لأعرابيّ: ما بال المراثي أشرف أشعاركم؟ قال: لأنا نقولها وقلوبنا محترقة"، ومن لطافة اليوتيوب أنه يقترح علي بعد قصيدة القصيبي "حديقة الغروب"، قصيدتين من أجمل ما قيل حديثا في رثاء الزوجات، الأولى: قصيدة "ناجيت قبركِ" لشاعر العرب الجواهري في رثاء زوجته أم فرات التي بثها وجده،  وحياها بقوله: 

حُييَّتِ "أُمَّ فُراتٍ" إنَّ والدة *** بمثلِ ما أنجبَتْ تُكنى بما تَلِد

تحيَّةً لم أجِدْ من بثِّ لاعِجِها *** بُدّاً وإنْ قامَ سدّاً بيننا اللَحد

بالرُوح رُدِّي عليها إنّها صِلةٌ *** بينَ المحِبينَ ماذا ينفعُ الجَسد

ثم يصف مواجهته للفجيعة: 

ألقيتُ رأسيَ في طيَّاتِه فَزِعاً *** نظير صُنْعِيَ إذ آسى وأُفتأد

أيّامَ إنْ ضاقَ صَدري أستريحُ إلى *** صَدرٍ هو الدهرُ ما وفى وما يَعِد

ولا ينسى أبو فرات سبب وفائه لأم أطفاله:

غَّطى جناحاكِ أطفالي فكُنتِ لهُمْ *** ثغراً إذا استيقَظوا ، عِيناً اذا رقَدوا

شّتى حقوقٍ لها ضاقَ الوفاءُ بها *** فهلْ يكونُ وَفاءً أنني كمِد

لم يَلْقَ في قلبِها غِلٌّ ولا دَنَسٌ *** لهُ محلاً ، ولا خُبْثٌ ولا حَسد.

ولم تكُنْ ضرةً غَيرَى لجِارَتِها *** تُلوى لخِيرٍ يُواتيها وتُضْطَهد. 

أما القصيدة الثانية فإنها رثاء نزار قباني "لأجملَ المَلِكَاتِ في تاريخ بابِلْ"، ولأطولَ النَخْلاتِ في أرض العراقْ" يقصد زوجته المغدورة في لبنان بلقيس الراوي، وهي من قصائده التي سارت بها الركبان "مفتعلة".

هذا وقد اشتهر شعراء قديما برثاء زوجاتهن منهم العفيف جرير، لكن في العصر الحديث تميز شعراء بتخصيصهم دواوين في الوفاء منهم عزيز أباظة رثى زوجته أمينة صدقي بديوان شعر، أسماه "أنّات حائرة"،  سمى ديوانه "من وحي المرأة" ورثى فيه زوجته (ماريا)، وديوان "حصاد الدمع" لمحمد رجب البيومي، و"دموع لا تجف" لطاهر أبو فاشا، وديواني لـ"ذكراكِ" لخليل السكاكيني ورابح لطفي جمعه، وديوان "جمد الدمع" للعلامة الأردني ركس بن زائد العزيزي. 

و"إخوان الصفاء وخلان الوفا" قوم تكلم عنهم التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة ويزعمون أنه "متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال"، وقد بدأنا هذا المقال بصحيح السنة لتعتصم بها فهي خير وأبقى.