موريتانيا: قرارات تنزف.. وشعب بلا أسوار!

سبت, 09/03/2019 - 15:04
محمد المصطفى الولي

كلما اقتربت نخب البلاد من تجاوز عقدة البقاء في مربع الولاء والدوران في حلقة العسكر المفرغة، خرج قطيع من جحر ضب الزاوية الأخرى يرى أن إمكانية التغيير الديمقراطي والتناوب السلمي لا يملأ جزء الكأس الفارغ من وجود أي أمل في حاكم مدني تحدد معالمه التوافقية ومقاسات كفاءته صناديق اقتراع وطنية صادقة، وتتجلى هذه الفرضية في أن النخب تواكلت على الأسباب المفقودة، وغفلت عن خزّان طاقة أرضها الولودة، وثروات بلدها المنهوبة، فبعد عشر سنوات عجاف من حكم عسكري رمت به الأقدار إلى سدة الوصاية على شعب صهرته المآسي والنكبات العسكرية منذ 1978، ها هو شعب موريتانيا البائس يودع عشرية من جحيم معاناة سودت أفقها الحالك دعوات أسراب من سياسي مبادرات أصحابها حول النفاق مقيمون، ينادون في كل صباح ومساء بتوريث الرئاسة أو التمادي في الحكم قبل مجيء حمى الخلافة، لا يحزنهم الفزع الأكبر ولا هم من الساعة مشفقون، بل هم بمفازة من واقع وجدت الحكومة التي يلهثون وراء أكابير ناهبيها أن حصيلته عاجزة عن أن تقدم إجابات جوهرية فيما يتعلق بقضية النهوض والرفاه والشفافية والرقي بالبلد إلى مصاف الدول النامية، وتفسير الكوابيس والعلل الحقيقية وراء المأزق الذي يعيشه بلد موريتانيا، بالإضافة إلى سلسلة حلقات مسلسل التجارب الفاشلة في كل الميادين، والفضائح المتلاحقة، وما كرسته من خيبات، أفقدت الثقة في حكومة لا تستطيع تأمين مواطنيها، رغم الاختبارات التي تم تطبيقها في مواجهة الظاهرة الأمنية التي وصلت تطوراتها إلى استخدام الرصاص في النزاعات البينية على مرأى ومسمع الجميع، وهي تطورات قد تقود السلم الاجتماعي الأهلي إلى قاطرة المسار الخاطئ لا قدر الله، لأن الأزمات الأمنية الداخلية تعرض في تجليات خروجها عن المألوف عكس حقيقتها، وإشكالياتُها تنبع من صميم مبدإ التخلّق والالتزام بأخلاق ونصوص القانون، وما يكون علة حينئذ يصير نتيجة، وتنعكس المعادلة في المنقلب السائد لدى دولة لا يتساوى أفراد شعبها أمام العدالة والقانون.

في ظرف سياسي ملتهب التجاذبات ومتطاير نزيفه الشرارة المصحوبة بلعنة الجغرافيا اللا متصالحة مع ضربات الهواء ومتغيرات الطقس الصحراوي والأتربة الزاحفة، في ظل كل هذه العوامل التي تهدد شعبنا وبلادنا بالانقراض واللفظ خارج الخرائط العالمية، تطل حكومة ولد عبد العزيز بقرار لم يكن بدعا في تصرفاتها البلهوانية، يقضي بمضاعفة رسوم الخدمات الطبية في جميع المستوصفات والمراكز الصحية داخل البلاد، في الوقت الذي تقف فيه الدولة عاجزة عن توفير منظومة صحية متكاملة تشكل اكتفاء ذاتيا لمواطنين دفعهم تردي الخدمات الصحية وتزوير الأدوية في بلادهم إلى التسكع في الخارج طلبا لجرعة دواء في بلدان لا تحاول التخلص من شعوبها.

قرار الحكومة المشؤوم واجهته القلوب النابضة بالوفاء والمواطنة من شعبنا في كافة أرجاء الوطن، حيث رأت فيه محاولة من النظام الحالي للتخلص من شعب لا أسوار له أقعدته الآلام والمحن على شرفات الفقر وظروف معيشية حادة تزداد صعوبتها بتقليص الأجور والتمكين لشبح البطالة والارتفاع الصاروخي للأسعار بسبب الفساد المالي والإداري والسياسي، لحكومة تصدر قرارتها الجائرة ناسية أن لا شيء يجعل سكان البلد أقوياء مثل الألم.

بالرغم من أن تطبيق قرار الهلاك المذكور لم يمض عليه إلا يومان أو ثلاثة، فقد بدأت انعكاساته السلبية الكارثية تتمدد في صفوف الشعب الموريتاني المسحوق كنوع من تفاقم المشكل، إذ دخلت مستشفياتنا في شبه حداد أو إعلان حالة طوارئ كأن بالبلد وباء يعد سريع العدوى والاجتياح، حيث نجد مرضى الطبقة الساحقة من المجتمع "الفقراء" يفضلون الرجوع والقعود في مساكنهم بأمراضهم المزمنة ودموعهم المكفكفة في لحاف التسول وابتساماتهم "القانعة" الحزينة لدرجة يصعب رسمها، فلا هي ضحكة ولا هي شروع في ابتسامة فرح، إنهم ضحايا قرارات حكومة حسدت لهم الحياة في قفص الجوع والعطش والأرق والمرض والاكتئاب، تلك مجرد نماذج من حكايات دامية المشاعر الإنسانية طفحت قصصها المؤلمة على السطح مع باكورة أيام تعميم تفعيل قرار سيخلف قتلى ومجازر بشرية إن لم يتدارك الوضع من قبل الغيورين على مصلحة الوطن والمواطن، وإن لم تخرج الدولة صونا لما تبقى من ماء الوجه عن صمتها المطبق حيال كل ما يعود بالضرر على مواطنين رمتهم الفاقة والمستشفيات على قارعة الطريق تدوسهم المارة بأعين الرهبة والعجز والاستغراب، والحنان والدعاء لمن ليس غافلا عما يعمل الظالمون.

رأيت فقيرا يبكي فقلت ما الخبر *** قال الأسهم تلاشت وليس لها أثر

وطلبت من الصراف سلفة فاعتذر *** وكل شيء زاد سعره إلا البشر

الأغنام والجمال والدجاج والبقر *** والألبان والأجبان والفواكه والخضر

وبن آدم لا يزال ذليلا ومحتقر *** وازداد الفقر بين العوائل والأسر..

ليبقى وجود المواطن على قيد الحياة أضخم إنجازات هذا النظام الكائن وأخطرها، والذي برهن على أن هاجس التحصيل هو ما دفعه إلى المتاجرة بالتعليم والاقتصاد وكل مقدرات البلد التي أضحت سلعة في يد المتاجرين بمستقبل البلد، في جو مالي مقلق تتحدث فيه بعض وسائل الإعلام الوطنية والدولية والعربية عن فضيحة نهب 2 مليار دولار أمريكي من خزائن الدولة الموريتانية تم إيداعها ضمن عمليات غسيل الأموال بطريقة سرية مشبوهة في أحد بنوك دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة التي أصبحت القبلة الآمنة لمهربي الأموال وماحقي ثروات البلدان في المنطقة.

حفظ الله موريتانيا ولطف بشعبها المسكين.