فرصة يونيو الضائعة.. من يتحمل جُبْنَها؟

أحد, 10/03/2019 - 22:36
محمد عبد الله ولد لحبيب: كاتب صحفي

لا أحد يحسد قادة الائتلاف الانتخابي لأحزاب المعارضة على الوضعية التي وجدوا أنفسهم فيها بعد أشهر من التداول بشأن المرشح الموحد، أو الرئيسي. وإذا كان لسياسي أن يحمد كونه غير موجود في قيادة تشكيلته السياسية فسيتمنى ذلك المنتمون لأحزاب الائتلاف الحالي، في هذه الظرفية الحرجة.

بين الأمل وسوء الظن

ليس من المبالغة القول إن أنظار كل المواطنين المهتمين (معارضين، وبعض الموالين) متجهة إلى المجموعة التي تقود المعارضة اليوم، وتنظر إلى قرارها بشأن المرشح المحتمل لرئاسيات يونيو بشيء من الأمل الممزوج بالحسرة، المغموس في الامتعاض، وخليط من الثقة، ومقدمات انعدامها.

هناك أمل في بقاء عمل معارض جاد ومتماسك وذي خطاب متزن يتحرر تدريجيا من ردات الفعل ليتحول إلى مشروع قابل للتسويق، وغير قليل من الحسرة على مواصلة نهج تأجيل التحضير للاستحقاقات الكبرى، حتى لكأن خبر الانتخابات الرئاسية في العام 2019 كان خبرا مفاجئا للقوى السياسية وقياداتها، والمفترض أنها تعرف أن هناك استحقاقا انتخابيا في هذا العام، يجب أن تحضر له موقفا ناضجا، بغض النظر عن مضمونه، وطبيعته.!

لكأن قياداتنا كانت غافية حتى أيقظها منبه الداعي إلى التجمهرات الانتخابية الممهدة لانتخاب رئيس جديد، أو "إعادة انتخاب رئيس قديم" لمن ظل يصدق أن الدستور سيتغير، متغافلا عن الزلازل التي تعصف بمشاريع التمديد في كل العواصم المحيطة، وغرف صناعة القرار في الداخل والخارج.

إن حسن الظن بالقيادات الحالية يدفعنا إلى القول بأنها راهنت على "حماقة" يرتكبها خصمها الرئيس محمد ولد عبد العزيز، بمحاولة البقاء في السلطة بصيغة من الصيغ، وتكون المعركة على أرضية مختلفة، ولكنها راهنت على السراب، وكانت تستطيع أخذ الدروس من خيباتها السابقة في اختبار قدراتها على قراءة نوايا الرئيس عزيز، أو نواة النظام الصلبة.

وهذا الرهان هو الذي يفسر، جزئيا على الأقل، تشبث بعض القيادات بأطروحة المرشح القادم من الأغلبية القادر على شق شعبية النظام، والقادر على انتزاع مغاضبين من الكتلة الناخبة للموالاة؛ إذ إن النظام لو أقدم على تغيير الدستور، أو محاولة استدامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز بأي صيغة فسيكون شقه سهلا.

لكن الآية انعكست والنظام الآن يجدد نفسه بآليات ديمقراطية، ترفع رصيده الداخلي والخارجي، وتمنحه ألق المنتصر الديمقراطي القادر على تقديم بدائل جديدة في كل استحقاق! وهو ما يعني ضرورة أن فرص الانشقاق منه ليست قائمة ولا لائحة في الأمد المنظور، ولا حديث مسموعا عن التململ أو المغاضبة.

إن هذا النوع من حسن الظن بقيادات المعارضة يقودنا إلى سوء ظن بوعيها، وقيادة تخطئ التقدير، أو تقدر وتتأخر في وضع الخطط التنفيذية، أجدر بالثقة من قيادة مخرومة الوعي، إلى درجة لا تبصر معها معطيات واقع قائم تتراكم شواهده على مدى 13 سنة. أعني طبيعة النواة الصلبة لنظام 3 أغسطس وخططها، وآليات صناعة القرار فيها. فلا خير في حسن ظن يقود إلى سوء ظن.

المرشح المستحيل

جاءت المعارضة إلى المرحلة الحرجة، أو جيء بها إليها وليست في جعبتها طلقة واحدة صالحة للاستخدام؛ فكانت كلما فحصت "خيارا" وجدت أنه غير فعال، والحقيقة أن "الخيارات" هي التي كانت تقول إن المعارضة غير قابلة للتسويق.

في موريتانيا "مشاريع رؤساء" قرؤوا اللحظة بتمعن، ونظروا إلى معطيات الواقع، ورفضوا عروض المعارضة بترشيحهم غير مترددين، ولسان حالهم: "ابحثوا عمن ينقذكم غيري".

لم يظهر مرشح جدي يدعو إلى نفسه، ويمد اليد للمعارضة، لأن المرشحين الجديين ينتظرون فرصا جدية، وليسوا هواة تسجيل مواقف، وليست لديهم عقود مع ناخبين ينتظرون منهم إجابات عن سؤال أين مشروعكم؟ وإنما هم قناصو فرص إذا التمعت بروقها أقدموا، وإن غابت البروق لم يفتعلوها بالقدح بأظافرهم على حوائط الإسمنت المتهالكة!

لو كان في الأفق مرشح جدي لما اختلفت قوى المعارضة إلى هذه الدرجة، ولما ارتبك أداؤها تأجيلا للحسم، وتشكيلا للجان، ولَتَسابقت تشكيلاتها إلى حجز المقاعد إلى جانبه؛ فلا أحد يبحث عن البدر بين رجليه في الليلة الظلماء!.

ما بقي إلا لَوْكُ تعبيرات وحدة المعارضة، وصناعة التغيير، والانتصاب للواجب ونداء الوطن. وتلك لعمري بضاعة مزجاة في الأداء السياسي، ونهضة الأوطان. إن تسجيل المواقف يكون ببيان، وبوقفة احتجاج، وبمؤتمر صحفي، وباعتصام في مبنى حكومي.

أما حملة رئاسية تنفق فيها الأموال، وتنهك الكوادر، وتشغل أوقات المواطنين! تصرف المقدرات البشرية والمالية، وتبح الحناجر طيلة أشهر، لتسجيل موقف! هذه والله من بدع معارضة موريتانيا 2019، ومن عواقب غفلة قيادتها. حملة رئاسية كاملة لتسجيل موقف! أهذا جد نحتشد خلفه بالله عليكم!؟

وحدة المفترقين

احتاج "التلاسن الهادئ" بين المجتمعين، في تصريحي نائبي رئيسي الصواب وتواصل إلى تحكيم الرئيس محمد ولد مولود. قضى الرئيس مولود بين الخصمين على قاعدة أن كليهما محق، وبسط سجادة لطرف ثالث لم يمثل في الخصومة (التكتل، إيناد، اللقاء).

كشفت الخصومة والحكم عن حجم هشاشة "القرار التوافقي" للمعارضة، الذي يصاغ بطريقة لا يعترض عليها أحد ليكون كل واحد حرا في النهاية! إنها "وحدة المفترقين".

الأكثر احتراما للذوات المصونة أن يفترق الجمع بقرار صريح واحد يحترم عقول المتلقين بأن المرشح الموحد أو الرئيسي أصبح مستحيلا، ويتخفف الكل من عبء الكل.

اجعلوا لي جبنها

لما تقابل الجمعان يوم بدر سعى حكيم بن حزام رضي الله عنه إلى عتبة ابن ربيعة، ورغب إليه في أن يرجع بقريش عن مورد الهلكة، فقبل عتبة تحمل جبنها، ولكن أبا جهل أفسد الأمر، ووقعت الوقعة. وقبل عتبة كان الأخنس بن شريق قد قال لبني زهرة: "اجعلوا لي جبنها وارجعوا".

بعد 13 قرنا جاء البدوي وقال في نظمه البديع:

لو طاوعوا عتبة أو حكيما *** أو ابن وهب ما رأوا أليما...

وتحتاج المعارضة اليوم إلى من يتحمل "جبنها" ويقول إن فرصة 2019 قد فاتت وله عليَّ أن يأتي جيل من المعارضين يقول إنه كان حكيما في العام 2019. أنا سأكتبها وسيأتي من يصدقني.

لسنا في صدد بدر، ولكن العبرة في أن اللحظة الاستراتيجية الفارقة تحتاج خيالا سياسيا، وشجاعة غير تقليدية. إن قرار الهزيمة قبل وقوعها يحتاج شجاعة أخرى تجمع البصر الاستراتيجي بالإشفاق على المكتسب، بواقعية الرؤية.

إن مكانة ورمزية الرئيس أحمد ولد داداه هي المؤهلة لتحمل موقف مثل هذا؛ ففي مسيرته المعارضة لم ينحنِ الرئيس الرمز للمعارضة الموريتانية، حتى يمكن اتهامه بالخوف من مواجهة الهزيمة.

لقد نازل الأنظمة العسكرية بضمير وطني نقي، وعزيمة لا تعرف الكلل، وهو الآن خارج السباق بالمعنى الانتخابي، فهو وحده القادر على قولها: "هذه ليست معركة المعارضة"، وسيصدق القادة المترددون بأنها ليست معركة للمعارضة، لأنه لا ميزة في شخصية الزعيم التاريخي تضاهي ميزة الصدق.

ليست فرصة للمعارضة، وحين تترك لكوادرها الحرية، وتدعو ناخبيها لتزكية من يرون من بين المتنافسين، فسترفع عن نفسها الحرج المضاعف؛ حرج الهزيمة الانتخابية المدوية، وحرج انهزام الخطاب بضعف الخيارات، وحرج التسويق لغير المقنع من المرشحين، وحرج التسكع على موائد ممول سخي أو بخيل، محسن أو مسيء، وسيجني الوطن ثمار ذلك بإتيان نظام قوي قادر على تغيير الوضع مستفيدا من التفويض الشعبي، وشرعية الإجماع.

قلها سيادة الزعيم وتوكل: لا ينبغي خوض معركة لتسجيل موقف.