الزكاة ورسالتها الإصلاحية

أحد, 19/05/2019 - 00:22
د. محمدٌ ولد محمد غلام

يمكن للكاتب أن يكتب عن الزكاة؛ باعتبارها ركنا من أركان الإسلام ودعيمة من دعائمه، وهو مجال جدير بالكتابة؛ تثقيفا وتعليما وتبليغا وتذكيرا...

ويمكن أن يكتب عنها؛ باعتبارها شكرا لله تعالى على نعمة المال ونعمة الصحة والأمن للتمتّع به في المباحات، وعلى نعمة إتاحة فرصة التزوّد به للدار الآخرة وإنفاقه ابتغاء وجه الله عز وجل، أولا وأخيرا. وهو مجال جدير بالتناول؛ تعاونا على البرّ والتقوى وتواصيا على الحق والصبر...

بيدَ أن الكتابة عن الزكاة من مثل هذه الزوايا مطروقة، والتعرّض لها من هذه الأوجه معهود، على أهمية التذكير والتكرار في مثل هذه المسلّمات الشرعية والفرائض المرعية...

وعلى العكس من تناول الزكاة بالدّراسة والكتابة من الزوايا أعلاه، نلحظ أن المتاح من البحوث والمقالات المتعلقة برسالة الزكاة الإصلاحية ومقاصدها الرّسالية يتسم بالضّمور والندرة. ومن هنا يأتي هذا المقال؛ محاولة للتذكير بهذا الجانب وطرقا لهذا الباب، وقدما قيل: "من طرق بابا فكأنما فتحه"

(1)

رسالة الزكاة الإصلاحية، للمزكي/ مخرج الزكاة

تحمل فريضة الزكاة - للغني المزكِّي - مقاصد مجيدة ورسائل إصلاحية عديدة؛ من بينها على سبيل المثال لا الحصر:

في الجانب الإيماني والروحي:

- تحمل الزّكاة للمزكي رسالة إصلاحية إيمانية وروحية؛ بإسهامها في استلال سخيمة البخل من قلبه والشّح من نفسه؛ تأهيلا لنيله الفلاح وحجزا لمقعده في نادي المفلحين: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ففي إخراج الزكاة ودوريته دربة لمخرجها على البذل وتعويد له على فعل الخير وتكوينه العملي على أنه "ما نقص مال من صدقة" خاصة وهو يرى المال الذي تخرج منه الزكاة وهو ينمو ويبارك وينشرح صدر صاحبه ويشع وجهه نورا ونفسه سعادة وتوفيقا...

- تحمل له رسالة إصلاحية دينية وروحية أخرى؛ تتمثل في إتاحة فرصة أجور الإنفاق المضاعفة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ بما تحمله هذه الرسالة معها من بشارة بالنجاح في الابتلاء بنعمة المال، والفوز بجائزة التزود به للدار الآخرة، وشكر نعمته على العبد.

- تحمل الزّكاة للمزكي كذلك رسالة إصلاحية إيمانية وروحية؛ تتمثل في دفعه إلى علوّ الهمة ورفعة الاهتمام؛ بالإحساس بالمسؤولية عن ضعَفة أمته ومشاريعها الكبرى وتوازناتها الاقتصادية وتكافلها الاجتماعي...

في الجانب الاقتصادي والاستثماري:

- تحمل الزكاة في الجانب الاقتصادي والاستثماري - للمزكي - رسالة إصلاح تشجّع على الاستثمار وتبعث على الإسهام في الدورة الاقتصادية لوطنه وأمته؛ ذلك أن الزكاة تفرض على المدّخرين سلبيا (حتى لا أقول: المكتنزين) الملتزمين، أن يستثمروا أموالهم وأن يضعوها ضمن الدورة الاقتصادية باستثمارها بأنفسهم أو بالتعاون مع غيرهم؛ مشاركة أو مضاربة أو متاجرة... وذلك تحت طائلة نقصها المستنزِف بالزكاة في حالة الادخار السلبي؛ وهو ما ألمح إليه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة" فمالك المليون اليوم، وهو يدخره - ادخارا سلبيا – سيخرج منه في السنة المقبلة خمسة وعشرين ألفا (2.5%) في الزكاة، وفي السنة الموالية لن يكون مالكا لمليون وإنما لتسعمائة وخمسة وسبعين ألفا، وهكذا دواليك عبر السنين! فالرسالة الاستثمارية التي تحمل الزكاة لمثل هؤلاء، هي أن يدخلوا أموالهم الدورة الاقتصادية باستثمارها الاستثمار المباح مستفيدين ومفيدين، حتى يتعاظم العائد ويرتفع الوعاء الزكوي نفعا للفقير وتعظيما لأجر المزكي.

- كما تحمل الزكاة - للغني مخرج الزكاة - في هذا الجانب كذلك رسالة إصلاح أهم؛ تأمينا لأمواله وحماية لحقوقه وعرضه؛ وذلك بدفع الفقير إلى الانزياح من شخص يحسد الغني ويحنق عليه ويحصي عليه أنفاسه وتمنى زوال النعمة عنه، إلى شخص يحمي أموال الغني ويحرص على نموها وزيادتها وتعظيم عائدها؛ لإحساسه أنه أصبح شريكا فيها يتعاظم حقه من هذه الثروة بتعاظم عائدها (تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم).

(2)

رسالة الزكاة الإصلاحية، لمستفيدين/ مصارف الزكاة

تحمل فريضة الزكاة – للمستفيد/ مصرف الزكاة هو الآخر- رسائل إصلاحية تعينه في شأن دينه وتساعده على أمر دنياه:

في الجانب الإيماني والروحي:

تحمل الزّكاة للمستفيد الفقير والمسكين رسالة إصلاحية إيمانية وروحية؛ بإسهامها

في تحصينه من أمراضٍ من أخطر أمراض القلوب هو عرضة لها، وعلاجه من أدواء من أشدّ بواطن الإثم قد يتعرض لها دون أن يشعر.

أجل! إن في الزكاة علاجا لما قد تتعرض له الطبقات المحرومة اقتصاديا من أمراض القلوب؛ كالحسد والحقد والغلّ والكيد... وما يترتب على هذه الأوبئة من حالقات المعاصي ومهلكات الذنوب؛ كالغيبة والتجسس والسرقة والاحتيال وعدم الوفاء بالالتزامات تجاه الأغنياء. وبهذا تكون رسالة الزكاة الإصلاحية لهذه الشريحة؛ بإبرازهم شركاء في هذه الأموال ينتظرون دورتها المالية السنوية ويعلقون الآمال العراض على تعاظم عائداتها وأرباحها لارتباط حظوظهم بها؛ زيادة ونقصا. محبين لملّاكها الأغنياء ما يحبون لأنفسهم من الغنى والنجاح والتوفيق.

في الجانب الاقتصادي التمويلي:

 ذلك، فضلا عن رسالتها الإصلاحية للمستفيد الفقير والمسكين، اقتصاديا وتمويليا؛ باعتبارها موردا سنويا (أو دوريا) ثابتا، وتمويلا مجانيا إلزاميا، يسهم في حل مشاكلهم المالية ويغطي ديونهم المتراكمة ويوفر فرص العمل وأوجه التكامل الاقتصادي بين أفراد الأمة... إضافة إلى تشجيعهم على أن تكون أيديهم أيادي عليا؛ تعطي بدل أن تأخذ وتسهم في الحلول الاقتصادية والاجتماعية بدل أن تكون جزءً من المشكل.

(3)

رسالة الزكاة الإصلاحية، للمجتمع

  إضافة إلى أن رسائل الزكاة الإصلاحية لكلٍّ من الغني مخرج الزكاة والمستفيد الفقير أو المسكين، كانت رسائل إصلاح للمجتمع باعتبارهما طرفا الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، فإن للزكاة رسائل إصلاحية أعم ومقاصد مصلحية أشمل:

- في جانب تعزيز الحريات وتكريس كرامة الإنسان: نجد ثلاثة أسهم من المصارف الثمانية للزكاة موجهة لتحرير الإنسان المسلم (في الرقاب، الغارمين، وفي سبيل الله)

- يأتي سهم "وفي الرقاب" ليكرّس ما يعبّر عنه الفقهاء بقولهم "تشوف الشارع للحرية" واقعا عمليا؛ بتخصيص الشارع غلافا ماليا دوريا للتخلص من الرق بجميع أنواعه والقضاء على مخلّفات مظالمه وتداعيات ظلماته؛ حتى يكون الناس عبادا لله تعالى متساوين في الحقوق والواجبات في المجتمع المسلم المتآخي، أكرمُهم عند الله تعالى أتقاهم.  

- على غرار سهم "وفي الرقاب" يأتي السهم الموالي "والغارمين" ليحلّ إشكال المديونيات المرهقة والمستحقات المجحفة، ليخصص الشارع الحكيم، هذا العائد الدوري للإسهام في تحرير الغارمين (= المدينين) من رقّ الدَّين المؤرّق؛ تحريرا لنفسياتهم من الهمّ والغمّ ولعقولهم من الضغوط المتزايدة وأيديهم من قيود التصرف والاستثمار والعطاء.

- ثمّ يأتي السهم الموالي "وفي سبيل الله" المخصص للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وأقلامهم وصمودهم على الحق وقيامهم على حدود الله، ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

فضلا عن تغطية هذا السهم لرسالة حماية الأمن وتعزيزه والدفاع عن الحوزة الترابية للوطن والأمة، وهي أمور لصيقة برسالة الحرية والكرامة الأوسع.

في الجانب الاقتصادي والاجتماعي:

- تأتي رسالة الزكاة الإصلاحية واضحة جلية بالإسهام في الحدّ من الفقر وفي العمل على رفاهية المجتمع و جسر الهوة بين أغنيائه وفقرائه، جسرا يحسّ الطرفان فيه بشراكتهما في الواقع المالي الراهن وترابطهما في المصير الاقتصادي المشترك؛ بتخصيص "صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" درءً لمفسدة ومخاطر المجتمع المستقطَب بين غني يزداد غنى وفقير يزداد فقرا.

- الرسالة الإصلاحية الثانية للزكاة اقتصاديا واجتماعيا؛ كانت بالإسهام في خفض المديونية الاجتماعية بتخصيص سهم لهذا الغرض هو سهم "والغارمين" كما أشرنا إليه آنفا، وهذه الرسالة الإصلاحية مزدوجة المنفعة وثنائية المصلحة تجاه الدائن والمدين في نفس الوقت:

 - إصلاحية تجاه المدين بتحريره من ربقة الدّين وإطلاق يده في التصرّف الحرّ؛ استثمارا وتمولا وعطاءً

 - وإصلاحية للدّائن الذي كانت أمواله وحقوقه عرضة للضياع، ومحلّا للتعطيل عن التوظيف والاستثمار على الأقل.

- أما الرسالة الثالثة للزكاة اقتصاديا واجتماعيا؛ فكانت رسالة الحدّ من البطالة والعمل على دعم التشغيل وتوفير فرص العمل، وفي هذا الاتجاه نجد السهم الثالث "والعاملين عليها" الذي خصص هذه الفرص الدورية للعمل، مع توفير الغلاف المالي اللازم لذلك، فضلا عن مساهمة عامة مصارف الزكاة في التشغيل وإنعاش السوق؛ وذلك بضخّ هذه التمويلات المجانية لصالح الشرائح التي لم تشبع رغباتها من ضرورياتها وحاجياتها بعد.

- أما الرسالة الإصلاحية الرابعة - اقتصاديا واجتماعيا – للزكاة، فكانت بما يمكن لنا أن نعتبره تشجيعا للسياحة الإيجابية؛ اندماجا بين فئات المجتمع وتبادلا للعلوم والخبرات بين أبناء الأقاليم المختلفة وضربا في الأرض وانتشارا في مناكبها؛ تحصيلا للعلم النافع، واستكشافا للفرص وربطا لأواصر المحبة والصداقة بين أفراد المجتمع من مختلف الأقاليم والجهات، بما يوفره سهم "وابن السبيل" المخصص لتغطية المخاوف التي قد تحول بين "السائح الإيجابي" وبين مسيرته الإصلاحية؛ تعلّما وتعليما واستكشافا ووصلا لما أمر الله به أن يوصل؛ من أواصر المحبة والتعارف والألفة بين المجتمع المسلم. حيث يوفر هذا السهم ضمانا لهذا السائح الإيجابي بتوفير بلاغه لمسقط رأسه ومكان أهله وماله، على أحسن حال وعلى كل حال.

- أما الرسالة الإصلاحية الخامسة للزكاة فكانت دعوية استيعابية؛ حيث خصصت سهم "والمؤلفة قلوبهم" للمسلمين حديثي العهد، الذين يقصد الشارع إلى تحبيب الإيمان إليهم وبشارتهم بحسن مصيرهم الدنيوي قبل الأخروي.

ولنا أن نستنبط مقصدا آخر لهذا السهم، هو استيعاب هذه الشريحة التي فارقت ديانة محيطها الاجتماعي الذي كان يحتويها ويتعاطف معها ويتكافل، فكان من حقها علينا أن تجد عوضا عن ذلك ما تغطي به هذه الفجوة الاقتصادية والاجتماعية في هذا المجتمع الذي لمّا تندمج فيه بشكل عملي وكلي.

ذلك، ولست بمستبعد أن يلحق بها العلماء من كان في مثل هذه الحال من حديثي الالتزام من المسلمين المنتمين إلى أوساط غير ملتزمة، تتبرأ منهم مع الالتزام وتُعرض عن تقديم العون لهم والإنفاق عليهم حتى ينفضوا عن عالم الدعوة والالتزام والإصلاح، والأمثلة على ذلك شاهدة مشهودة!

- أما الرسالة الإصلاحية السادسة للزكاة فكانت بالإشارة والتنبيه، وهي أن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن يؤتي أكله وتحصد ثماره إلا إذا كان مبنيا على إحصاءات دقيقة وتصنيفات علمية؛ وهو ما يشير إليه ربط هذه المصارف/ الأسهم بصفات مختلفة (فقراء، مساكين، غارمين) مما يترتب عليه ضرورة وجود إحصاءات وتصنيفات لهذه الطبقات ولمقدار المديونية الاجتماعية، فضلا عن الأوضاع الاجتماعية المختلفة.

تلك إشارات وجيزة وتنبيهات مختصرة عن رسالة الزكاة الإصلاحية، ويبقى الحاكم الأشمل لذلك هو إيماننا أن الشارع الحكيم لا يأمر إلا بما فيه مصلحة دينية أو دنيوية أو هما معا، وأن امتثال أمر الشارع والاستجابة له في دعوته لنا لما يحيينا يجمع خير الدنيا وفوز الآخرة. والله أعلى وأعلم.