رمضان فرصة حتى لأصحاب الأعذار

أحد, 26/05/2019 - 00:09
د.محمد ولد محمد غلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
يشكل رمضان فرصة إيمانية سانحة وسوقا روحية قائمة.. فيها نتقرب إلى ربنا البر الكريم، نتطفل على موائده الغر، ونتعرض لنفحات فضله، استغفارا وتوبة من تقصيرنا في جنبه عز وجل وشكرا له تعالى على نعمه التي لا تعد وآلائه التي لا تحصى.. تزكية لأعمالنا القليلة وترشيدا لأعمارنا القصيرة.. يتبوأ الصائمون المشهد بصيامهم وحق لهم، فالصيام هو عمدة العبادة وعنوان الشعيرة في هذا الشهر المبارك..

بيد أن رحمة الله الواسعة وشريعته السمحة، فتحت سوق التقرب إلى الله تعالى، والمسارعة إليه في هذا الموسم العظيم، حتى لأهل الأعذار الذين عذرهم الشارع ورفع عنهم الحرج من المرضى والمسافرين.

وبما أنني لم أقف - حسب اطلاعي القاصر - على مؤلف مستقل يسلط الضوء على طرق استفادة هذه الشريحة من المؤمنين من هذه الدورة الربانية وأوجه استيعابها في هذه المدرسة الإيمانية.. فإنني أتقدم ببعض الملامح النظرية والخطوات العملية عسى أن تشكل تنبيها للعلماء لسد هذه الفجوة العلمية وملء هذا الفراغ التربوي من جهة، وإسعافا لهذه الشريحة من جهة ثانية.

إن على شريحة أصحاب الأعذار المفطرين في نهار رمضان أن يوازنوا بين ثنائية إحساسهم بالنقص الملهب لمشاعر التحدي في سباقهم إلى الله تعالى مع إخوانهم الصائمين من جانب، وبين اعتدادهم بأنفسهم وثقتهم برحمة ربهم وعدله من جانب آخر.

حتى يفرضوا حضورهم في السباق الرمضاني إلى مرضاة ربهم وجنة عرضها السماوات والأرض، وذلك من خلال اتباع خطوات عملية نستعرضها مثالا لا حصرا:
 أولا: بالتحري عن مصداقية العذر وصدقيته، دون إفراط بالتشدد والتنطع، أو تفريط بالتمييع والتساهل.

بأن يكون السفر مباحا وإلى مسافة قصر - مثلا - إذا كان العذر سفرا. وأن يكون المرض بإخبار طبيب عارف عدل أو تجربة ذاتية دقيقة، إذا كان العذر مرضا. بعيدا عن تساهل المعذرين ووسوسة الجاهلين أو المهووسين.

ثانيا: باستحضار النية الصحيحة للفطر، بأن ينوي  أن فطره كان امتثالا لأمر ربه كما كان صيام أخيه الصائم امتثالا لأمر ربه كذلك.

ثالثا: بالانتباه إلى نية الصبر على مصيبة المرض المؤدي للفطر المقعد عن السباق مع الصائمين في حلبة عبادة تختص - من بين عمل ابن آدم - أنها لله جل وعلا وهو يجزي بها. والاسترجاع لهذه المصيبة، لنيل الدرجة المترتبة على ذلك (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)

رابعا: بالبعد عن هتك حرمة الشهر أو التقليل من شأن تعظيمه أمام أعين العامة، مع الابتعاد عن التعلق بأن يحمد بما لم يفعل، في موازنة تتحقق بالبعد عن ادعائه الصوم وهو مفطر، والامتناع عن تناول المفطرات في الأماكن العامة وأمام من يخشى أن يتأثر بذلك من العامة.

خامسا: باستحضار التحدي واستبطان الإحساس بنقطة الضعف في السباق إلى الله تعالى في هذا الشهر العظيم، بفقد قوة الدفع الأساسية (الصيام) سبيلا إلى مضاعفة الجهد في غيرها من أبواب الخير، بغية تعويض النقص وسد فجوة الميزة التنافسية التي هي لصالح المنافس الصائم، وذلك بالأخذ من كل باب من أبواب الخير التي يتيحها رمضان بسهم، وذلك على النحو التالي:
1. باب الصيام: أجل! نريد للمفطر المعذور أن ينافس مسابقه الصائم إلى مرضاة الله عز وجل في باب الصيام أولا، وذلك:
- بإفطار الصائم، من العيال الذي يعول أو من الأقارب والمعارف المترددين على البيت أو من عمار المسجد المجاور... وبنية ذلك في تحضير وجبة الإفطار وتجهيزها إذا كان المعذور هي ربة المنزل.
- ثم بنية صيام عدة أيام العذر من أيام أخر، إذا كان العذر مما يرجى زواله.
- أو بتقديم ما ندبه الشرع إلى تقديمه من الإطعام إن كان هرما أو عطشا أو من أصحاب الأمراض المزمنة غير مرجوة الشفاء.

2. باب القرآن العظيم: تلاوة وحفظا وتدبرا وعملا وحبا وتعلقا... وهو في هذه مع الصائم ينطلق من ارضية واحدة إذا لم نحسب له قوة الفطر والقدرة على طول النفس في التعاطي مع مصحفه - أو تلاوته من حفظه- نظرا لفطره!

3. باب القيام: وعليه أن يحرص على أن يكون حظه من القيام أكبر ونصيبه من مناجاة ربه في الصلاة أوفر، إحساسا بنقطة الضعف وجسرا لهوة المنافسة بينه مع أخيه الصائم.

4. باب الإنفاق وصلة الرحم: على المعذور أن يحسن استغلال هذه الفرصة التي يستوي فيها مع منافسه الصائم، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان 'أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان' عطفا على ضعفة الأمة ومساكينها وبذلا للفضل في أوجه الخير ومظان مرضاة ربه، مع احتساب ما ينفقه على عياله وزواره وأقاربه وزملائه...

5. باب ذكر الله والالتجاء إليه: فعلى المعذور المحس بالضعف و'الدونية' في المسابقة إلى رضوان ربه، وهو المعاق عن مجاراة إخوته الصائمين في سيرهم، أن يظل لسانه رطبا بذكر ربه، وأن يجأر بالدعاء ملتجئا إلى ربه الكريم، راجيا عفوه وفضله وتوفيقه ورضوانه...

6. باب عمارة المساجد والمرابطة فيها: حضورا للجمع والجماعات وانتظارا للصلاة بعد الصلاة وتكثيرا لسواد المسلمين وتعليقا لقلبه بالمساجد التي هي أحب البقاع إلى ربه عز وجل. فضلا عن إسهامه في خدمة عمار بيوت الله وتنظيفها وخدمتها ورفعها وذكر اسم الله فيها...

7. باب الاعتكاف: نعم من باب الاعتكاف، على مذهب من لا يشترط له الصيام. بل على مذهب من لا يشترط له وقتا محددا. فينوي الاعتكاف بكل إقامة له في المسجد طالت أم قصرت، متحليا بآداب المعتكف من الانقطاع عن الدنيا والخلوة بخبيئة من العبادات المقربة لربه، إضافة إلى خدمته للمعتكفين وتكفله بالقيام على بعضهم إذا كان من أهل الجد والغنى. 

بمثل هذه الخطوات العملية والنيات الصادقة ينافس المفطر المعذور - عذرا شرعيا - أخاه الصائم، ويسابقه في حلبة السعي لمرضاة ربه. وما كان عطاء ربك محظورا.