ورحل فيلسوف القرآن ونجم العلماء..

جمعة, 31/05/2019 - 00:56
عبد المالك ان ولد حنى

الإمام كما عرفته:

قلَّ وجود العلماء – الآن - وقلَّ احترام الناس لهم، وإن كنا نقرأ دوما، 'ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه".

كانت السمة العامة التي رسخت في أذهاننا ونحن صغار بمحظرة العون للتعاليم الإسلامية، بشاشة وجه شيخها، وتطوافه بين مسجد الشرفاء - الذي يؤم المصلين فيه، ويخطب على منبره بتمكن، ويملأ الأسماع بأقوال إمام دار الهجرة، وآثار الحافظ ابن عبد البر، وشواهد العربية، وزهد الجنيد، وأصالة ابن القيم، والحماسة للحمية الإسلامية - ومكتبته بمنارة المحظرة، وحياؤه الجم عندما نرمقه، ويمر قبالة غرفنا، فيرسل نظراته القوية الهادئة، يتفحص حالنا.

كان ذلك ما بين (1990 – 1995)، ولم أكن أدرى يومها أن هذا الإمام العلامة، أحد النماذج النادرة، والمعادن البراقة، والقدوات الصالحة في ميدان الدعوة والعلم وخدمة المجتمع.

يكره الإمام محمد الأمين ولد الحسن بفطرته الطيبة الشقاق، ويمج بوقاره المشهود النفاق، وكان يرى أنسه في الانقطاع إلى الله تعالى وتعليم الناس الخير، ونشر الفضيلة، فحمل دماغ فيلسوف القرآن، وفهم الفقيه العابد.

ولم يعرف الرياء وحظوظ النفس إلى فؤاده طريقا، ولقد أوذي فصبر، ونوزع فلم يبال، وكان همه بلوغ هدفه، وكان يمقت الغلو والتطرف، وعرف بالصدع بالحق، ولم تهز قناعاته يوما كلام عابر، ولا تلويح متوعد، وراهن على فطرة المجتمع، وتعلقه بالتدين الخالص.

نهج المدير وتربيته:

تعلمنا من الفقيه الإمام أن العمل المقبول في الإسلام ما كان لله وحده، وابتغي به وجهه، وشاء الله أن تثمر جهوده وجهاده، خطا أصيلا في خيمة العلم والدعوة، لم يخالطه ظهور أو شهرة.

يكمن فضل الرجل في أنه لم ينس مهمته الإيمانية، كعلامة رباني، وآثر الاتصال بالجميع أبا رحيما، وداعية حاثا، وإماما مشيرا ناصحا.

فرض نفسه، وصنعت عزيمته الشامخة، من محظرته منارة يقصدها الطلاب من جميع جهات الوطن، وتحتضن المغتربين من جنسيات عربية وإفريقية، غير آبه بالعوائق أو المساومات.

عتب علي شيخي - رحمة الله عليه - عندما نجحت في مسابقة المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، وأخفيت الموضوع عنه - حياء وتهربا - لأنه يهتم أساسا باستظهار النصوص في المحظرة، والتقيد بمنهجيتها، حتى تفرز عالما موسوعيا، ثم عشقه الخالص لصفة العالم الشنقيطي، التي تنسحب عليه بجدارة، دون يبوسة ولا دروشة، ثم لاحقا، وبعد مرحلة الدراسات العليا بالجزائر، عندما أزوره وأحدثه، أو أهديه كتابا، أفهم منه أنه إلى أمهات الكتب وأصول المراجع، أكثر ميولا وإعجابا منه إلى الدراسات الحديثة، والمفكرين المعاصرين.

وكان يخاطبني عندما ألتقيه، ويرى تهذيب وتخفيف لحيتى: ليس هذا من السنة، ويضيف: - على وجه الزجر والإنكار - أهذا سلوك مقبول.. حتى لا أتخيل أن (عمرا شب عن الطوق).

وفي الفترة الأخيرة كنت أطلب منه الدعاء بعد صلاة الجماعة - عندما أمر هناك - ويسألني باهتمام وتلهف: أين أنت، وفيم تعمل.. ويستدرك: عليك أن ترابط على ثغر يضيف للدعوة، أو يخدم الإسلام.

ومتى تسلل الشرخ بين العاملين للإسلام، وقف الشيخ برحابته المعهودة، وحرصه غير المتهم، يجمع ويؤلف.

ومتى تعمقت الأزمة، وسدت الأبواب، طرق الشيخ الإمام صلة مودته، عاتبا ومنبها، فيرمم الجفوة بذخيرة الوقار وصدق التوجه.

عطاء الفقيه وأثره:

آثر الرجل العطاء العلمي والتطبيق العملي، فلم يشتغل بالأوراد فقط - على أهميتها - رغم عبادته وزهده، ولم يعتكف عن الناس، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينصح للجميع، وترك الإمام أثره وبصمته على التراث الشنقيطي، وأحسسنا قيمة ذلك في فقده، ومثل عندنا في موريتانيا مدرسة كاملة في الاعتزاز بالمحظرة، ونصوصها، وخدمة أهلها، والتمسك بالوسطية، والحرص عليها.

لا يكاد يذكر الشيخ، إلا وتبادر إلى الأذهان، مسجد الشرفاء - جامع القرآن - وألقه، والعون وطلبتها، والمحظرة وإنتاجها.

اشتهرت العديد من المحاظر في نواكشوط – تاريخيا - واحتضن مناخها المواتي والعلمي بامتياز، النشء والشباب، كمحظرة بداه، ومحظرة بدر، بلكصر، ومحظرة الفاروق بالميناء، لكن محظرة العون كانت الأكثر خصبة، والأحكم إدارة وتنظيما، فنمت فيها القابليات، واتسعت بروية وحفاوة للجميع.

وقد حرص الشيخ على اكتتاب أساتذة مبرزين لكل فن، فكنا ندرس الفقه على: محمد فال ولد احبيب، والعربية بنحوها وصرفها ودواوينها، على: أحمد الحسن، والقاضي أحمدو، وعبد الله ولد اشفاغ، والتاه ولد يحظيه، والأصول ومصطلح الحديث والبلاغة والبيان والتفسير، على: المدير الإمام نفسه، والقرآن وعلومه على: يحفظو، والمان - أبو عمر الفتح - وللمحظرة ركنان، أحدهما يضم المميزين الراشدين، ويشمل الآخر - المعروف بالاعتصام - غير المكلفين من القاصرين، وصافحت رمزين للمحظرة: عمر سعيد، وحسن علي، يوم الجمعة بعد العصر، وقد عبس وجههما من شدة التأثر واليتم، ومنذ ثلاثين سنة وأنا لا أعرف إلى أي جنسية إفريقية ينتميان، إنما الزمالة، والأخوة الإيمانية.

وآوت بيوتات العون، الصوفية، والسلفية، وجماعة الدعوة والتبليغ، واستفاد المتأثرون بحركة جماعة الإخوان المسلمين الأم، من منبر مسجد الشرفاء "هيمنة" وتوعية، وتوجيها.

وبهذه السيرة والمسيرة الحافلة، بما جمعت من عناوين وتيارات، امتاز شيخنا بشمول النظرة، وعمق الإيمان، وصنف بالمقدام، وقوي الشخصية، وكان الحلقة الأهم في جميع المقاربات التربوية، والارهاصات الفكرية.

كان الإمام منشغلا مهموما في كل مناسبة بآلام مجتمعه المعاصرة، وتؤرقه بحق، ويستعرضها بتؤدة في خطبة الجمعة، ويحصن بأسلوبه وممارسته منها طلاب العلم والعامة، تربية وبذلا للخير.

امتزجت مشاعر النبل بقلب العلامة الإمام: محمد الأمين ولد الحسن، فكان يصول ويجول، معلما وسائحا، وأحسبه من بين قلائل - هنا في نواكشوط - أذكر منهم، الإمام العالم: بداه ولد البوصيرى، والشيخ المدقق: محمد المصطفى ولد محمد البشير (صدافه) - والإحاطة متعذرة بالطبع - كان من حظي من طلبة العلم والدارسين بإجازة فيلسوف القرآن وخادم علومه، في قراءة الإمام نافع، الشاملة لروايتي ورش وقالون، أو في القراءات السبع، أو العشر، فكأنما أهدي حمر النعم، وحرز مجدا، وتزود بأجمل تاج، وحفل بانهمار البركات.

أخبرنى الثقات من محيط المحظرة أن الشيخ الإمام، صلى معهم التراويح، من بداية الشهر، في مسجده، حتى ليلة السبت الأولى منه، وأتذكر أنه كان يؤمنا فيها أحيانا، بأداء القارئ الفصيح، وحرص العابد القوام المداوم، ليودع دنيانا الفانية، في رمضان أيضا، وفي يوم الجمعة، وعلى أبواب العشر الأواخر من شهر الصيام والقيام.

أسأل الله أن ينعم روحه الزكية في الفردوس الأعلى، وأن يتقبله في عباده الصالحين.