حصاد سياسة الفوضى... واللاوعي!

أحد, 02/06/2019 - 13:22
بقلم: محمد يحي الخلاط

إن المراقب للساحة السياسية الوطنية اليوم لا يمكنه الخروج بأي قناعة أنّ ما يدور من ظواهر وتحركات فيه للوطن والمواطن المرهق أيُّ حسبان. أكتب هذه السطور وأنا المواطن المهاجر منذ عقد من الزمن أتعاطى المنافي من أجل توفير عيش لائق لأسرتي ومعي الكثير من الإخوة والزملاء ممّن باعوا ربيع أعمارهم في المنافي بحثا عن وطن بديل يعوّضهم حقوقا ضنّ بها وطن ضاقت به أحلام ساسته ورجاله ونخَبه.

لندع هنا تاريخ ما قبل العشرية الأخيرة وأيامه الحبلى بالفشل والدوران في الحلقات المفرغة ولنستدعِ حصاد العشرية وأدوار النخَب والقادة على المستوى الوطنيّ والمحلّيّ في إعادة بلورة مشروع وطنيّ وعقد اجتماعيّ جديّ تُنشد فيه دولة القانون والمؤسسات والفرص المتساوية أمام الجميع بغض النظر عن الجهة والعرق واللون والقبيلة.

إن العشرية الأخيرة كانت حبلى بفرص لو تمّ استغلالها أحسن استغلال لكانت كفيلة بتخليص الوطن من الكثير من أتعابه المتراكمة عبر العقود وكان بإمكان الساسة وضعه على سكّة الإصلاح والنماء اقتداء بالجارة الشقيقة السنغال رغم اعترافنا بالفوارق في "الهيكلة" والموارد التي قد نتفوق عليهم بها .في العقد الأخير لم يتّعظ الساسة ولا النخَب ولم يستخلصوا الدروس من أخطاء الحُقب السابقة لا بل أعادوا إنتاجها وإخراجها بسناريوهات أكثر مقتا وجهوية وتخندقات شرائحية وعنصرية وقبلية حيث اتسعت الهوة بين شرائح المجتمع وطبقاته وسحقت الطبقة الوسطى وحولت إلى قطعان لكل بارون في الدولة منها نصيب يتاجر به ويرفع به أسهمه في برص النظام.

لا يخفى أحد أن العشرية الأخيرة كانت حبلى بفوضى التسيير والنهب للمقدرات وتحويل قنوات الرَّيْع العام إلى جيوب طبقات الأثرياء الجدد التي اهتم النظام ببنائهم أكثر من اهتمامه بالبنى التحتية شبه المعدومة وظل القضاء لعبة بيد السلطات بدليل أن لصوص المال العام المدانين ما يزالوا يتصدرون المشهد، أما النتيجة فهي اقتصاد هشّ يستهلك أكثر مما ينتج ومديونية تناهز الناتج القومي الخام وسوقا حرة لا تستهوي أكثر المستثمرين الأجانب مغامرة وقطاع خاص ضعيف أكثرُ استثماراته في المحلات والدكاكين والشقق المفروشة وتم اهمال قطاعات الإنتاج الحيوية كالصناعة والزراعة وتم بيع البحر للأساطيل الأجنبية .

للأمانة استطاع النظام تشييد بعض البنى التحتية والتي شاب صفقاتها الكثير من علامات الاستفهام هذا فضلا عن أنّ أغلبها مُوِّل بقروض أجنبية ستظل أعباؤها على الأجيال على مدى عقود زمنية .

أما على المستويات المحلية فلا شيء جد سوى الإمعان في النفاق والانبطاح للمركز فلا أفكار ولا اهتمام بالنهوض بالمدن ولا سعيَ لحل مشاكلها التي لا تحصى ولا تعد والتي لا يخفى على أحد أنها مدن لا تصلح لسكن الحيوانات أحرى البشر بمعايير عصرنا الحديث وكل ما يربط بها هو أنها مهد الآباء والأجداد ووطن كان مرتعا للصِّبى والطفولة .

إن أكثر ما تعانيه مدننا الداخلية وشعبنا في الأرياف هم نخُب مردوا على النفاق والتملق وبيع الضمير من أجل مصالح ذاتية بالكاد يحصلون عليها بسبب الزحام علي كعكة عند مركز يحتقرهم ويتهكم عليهم في السر والعلن .

كنت متفائلا بهذا الموسم وما قد ينتج عنه من مخرجات وتراكم للتجربة الوطنية وإذ بنا نعود للمربع الأول ألا وهو إعادة الزحام حول مرشح المركز والفرار من قلاع النضال التاريخية والانبطاح والنفاق الظاهر والباطن دون ثمن يقبضه الوطن إنجازا والمواطن تحولا في حياته اليومية .

إن ظاهرة المبادرات والتجمعات والتشقلبات التي تشهدها الساحة اليوم ليست سوى نمط عبثيّ من لدن نخب أرستقراطية وبرجوازية قد تجهل أو لا تجهل أن كل شيء في حساباتها سوى الوطن والمواطن الضعيف الذي يعاني العطش والجوع والأمراض وانعدام الحياة اللائقة..

على الحاكم المستقبليّ لهذه البلاد بأمر الله أن يعيَ أن انتشال البلد من وضعيته الحالية صعب لكنه بات حتميا وأول خطوة في هذا الاتجاه هو ركل المتزلفين والمتملقين وتفكيك سلطتهم المافيوية ومحاولة بناء مشروع وعقد اجتماعي جديدين يقطعان الصلة بممارسات الماضي والانطلاق بمشروع نهضوي جاد وذي أبعاد متعددة .

لقد كان بول كاكام جنرالا وأحد أمراء الحرب في روندا لكنه حين استتب له الأمر حكّم العقل واختار بناء وطن وأمة خرجت لتوّها من الدمار والخراب والجراح المثخنة، حتى استطاع بفضل الإرادة والعزيمة الجادة وصارت بلاده مضرب مثل في الحكم الرشيد والنماء في القارة الإفريقية.

لقد سئمنا كشباب مهاجرين العبثَ بحاضر البلد ومستقبله ولم تعد الوعود الانتخابية من أيّ حزب أيا كانت خلفيته تقنع أيّ ساذج وما دمنا لا نرى التغيير الجاد والملموس على أرض الواقع فالموقف الأخلاقي والشرعي يمليان الرفض وعدم السير في أيّ مشروع لا ينفع الناس ويمكث في الأرض .

وفي الختام نقول كما قال الشاعر :

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها *** ولكن أحلام الرجال تضيق.