بدون أنترنت!

ثلاثاء, 02/07/2019 - 13:25
خالد الفاظل: كاتب ومدون

أصدقائي صديقاتي الوطن بخير وآمن.

ما زلنا على قيد السعادة ونتنفس والحمد لله بعد حجب الانترنت لدواعي أشيع بأنها للحد من الانفلات الأمني والعاطفي. الدولة قوية والحمد لله؛ وأجزم بأن الذئب الواقف خارج الوطن وداخله بات يعي ذلك جيدا. لكن الأبرياء الذين لا ذنب لهم في الحكاية؛ لم يعد بمقدورهم تحمل المزيد من هذا الحصار الرقمي الشبيه بحصار القلاع في زمن الامبراطوريات القديمة..

أيها المغتربون داخل الوطن وخارجه:
لا جديد هنا. ما زلنا بلاد المليون شاعر رغم غياب الورد والحدائق الخضراء ودور النشر. الديمقراطية تعاني من حرية التطبيل والشتائم على حد سواء؛ وضيوف الإعلام الرسمي ما زالوا يشكرونه على أتاحة الفرصة. الشعب مؤمن بعملية السلام ولا يرغب في اختلاط الفوضى مع غلاء المعيشة؛ وما زال يربي الأمل على طريقة درويش في قصائده المقدسية التي لم يقرأها بتمعن وكما يبدو صهر ترامب كوشنير عندما تحدث في المنامة. الشعب هنا بألف أمل وما زال يتسلق جبل الوعي ببطء يستنزف صبر النخبة فيستسلم بعضها ويشرب الشاي بالياسمين بينما يميل بعضها للنضال المتشائم أو التحريضي؛ ليظل الرهان على توسع دائرة الوعي والمواطنة هو الأمل.

الأنترنت ليست متاحة للكل. البرجوازيون لم تنقطع عنهم تماما؛ بعضهم يستطيع كراء الأقمار الصناعية؛ وبعضهم الآخر يستطيع التحليق للتعبير عن محبة الوطن في بلاد تتيح الجيل الخامس. أما الفقراء فبعد قطع الجيل الثالث عن هواتفهم المحمومة؛ عادوا للعبة الثعبان والرسائل النصية وابتلاع الأخبار المعادة في الإعلام المحلي.

العاصمة آمنة ومملة للغاية؛ صدرها لم يتوقف تماما عن الخفقان؛ وذراعيها ما زالتا مفتوحتين لكل من يريد عناقا حارا لتناقضات الوطن الجمة ومن أقلها إثارة للاستغراب حجب الأنترنت بعد انتخابات شفافة!

لا قديم يستحق التدبر؛ الانتخابات قالت اللجنة المستقلة بأنها جرت في ظروف شاعرية بينما المعارضة الخاسرة قالت بضرورة العودة لتقنية الفار وإعادة فرز الخسارة بطريقة أخرى أكثر إنسانية. رئيسنا الذي سيسلم شيئا ما أوائل أغسطس؛ ذهب مع مستفيضة من الموظفين لمدينة السويس على حساب الشعب لتشجيع المرابطين وعاد بشعار رابعة من الأهداف في مرمانا. أعتقد أن ذهابه لم يذكرني بذهاب رئيسة كرواتيا لحضور مباريات بلادها في كأس العالم على حسابها الشخصي كما قيل حينئذ؛ وبمكياج خفيف لم يفسده هطول المطر ولا حتى قبلات ماكرون. منتخبنا تعادل مع الأخت أنغولا وبإمكانه الفوز على الشقيقة تونس. أشعر حقا أننا قادرون على مباغتة نسور قرطاج ونسيان رباعية حبيبتنا مالي. 

الوطن آمن؛ والشعب ما زال يصفع بيده خدود الحضارة بكل قسوة؛ لا يحترم الطابور وخصوصية أفراده. السماء صافية ونائية؛ والحكومة تزقزق؛ وأمواج المحيط ما زالت تتوثب بحماس جهة أصابع العاصمة المبتورة وسرعان ما تعود أدراجها لترتطم بالسفن الأجنبية العملاقة التي ما فتئت تتحرش بأسماكنا. العاصمة ما زالت بنفس الرائحة التي تعرفونها. بائعو النعناع والفواكه ما زالوا يجلسون تحت خيال جسر مدريد ينتظرون الزبناء يستبقون محطة المترو في انتظار وصول قطار تعهداتي؛ الذي تعهد به الرئيس الفائز بنسبة 52.01% وللعهد عنده معنى كما قال ذات مساء.

أما باعة المشوي بناصية شارع مسعود فتضرروا من قطع الانترنت كمثقفي موسوعة ويكيبديا ومناضلي الأندرويد وفتيان مسنجر الذين لم ينجحوا في خفض نسبة العنوسة وتقليم أظافر البطالة.

استئصال الأنترنت ليس بذلك السوء الذي كنت أتخيل بل إنه أسوء من ذلك بكثير. لقد لامست الكثير من عيوبي التي تستر عليها الأنترنت؛ وعلى رأسها ثقافتي القادمة من الشبكة العنكبوتية؛ وجدت بأنها مجرد سراب يحسبه المتصل ماء. في ليلة ماضية وجدتني أفتش عن معلومة صغيرة تتعلق بتبرير عروبة بلادنا التي لن يصدقها عرب الأمصار حتى نصبح دولة ثرية وجالبة للعمالة. لقد قمت باستنزاف ذاكرتي للحصول على تلك المعلومة المتعلقة بتاريخ انضمامنا للجامعة العربية دون جدوى؛ فقلت في نفسي وأنا أفرقع أصابعي في فراغ البيان الختامي:
وفي الليلة الظلماء يفتقد الشيخ گوگل.

إن 70% من علاقاتنا الانسانية أصبحت مطاطية ومجرد بيانات رقمية تقوى وتضعف حسب جودة الشبكة. الناس في الشوارع رأيتهم حيارى؛ نظراتهم جهة السماء كأنهم يتوسلون الأقمار الصناعية أن تمطر بيانات؛ كأنهم غرباء وصلوا لمدينة لا يعرفون وجهة شوارعها ولغة أهلها.
أما مشاهير التواصل الاجتماعي الذين صدعوا رؤوسكم بالعنتريات؛ فإن أمجادهم التي شيدوها فكانت كالقصور المصنوعة من الرمال عندما تداهمها الأمواج. اكتشفوا بمرارة بأن بائع "الآيس كريم" الذي يقضي سحابه يومه متجولا في شوارع الحي ليعيش؛ أكثر شهرة وجدوائية في واقع الأمر منهم ومنا. كان قطع الأنترنت فرصة لا تعوض حتى نكتشف فيها أن بياناتنا التي تصورناها جبلا ضخما من الأفكار العملاقة؛ تمخضت في غياب الأنترنت وولدت فأرا نحيفا اختبأ في أول ثقب صادفه في جدران الواقع. وهو ما يشي بأن العالم الافتراضي يخلق كائنا موازيا لكل واحد منا؛ كائن يتضخم حجمه مع استهلاكنا للبيانات ليتحول لوحش ضخم يفترس وجودنا في العالم الحقيقي. علينا ربط الاتصال بين الكائن الافتراضي والواقعي حتى لا تتأكسد أعمارنا في الوهم. ففي العالم الآخر لا توجد جنة افتراضية مخصصة للكائنات التي عاشت حياتها في العالم الرقمي فقط.

بالمناسبة اشتقنا كثيرا لزبناء انترنت الهاتف المحمول وأظنهم يشكلون 95% من سكان موريتانيا الافتراضية.