مسؤوليات قطع خدمة الانترنت

سبت, 06/07/2019 - 22:02
محمد سيدي عبد الرحمن إبراهيم ـ محام

سألني أحد الأصدقاء الصحفيين عن قطع خدمة الإنترنت الذي شهدته موريتانيا طيلة عدة أيام وما يترتب عليه من مسؤوليات وما يحق للمشتركين المتضررين منه قبل شركات الاتصال وحقوق المواطنين حياله.. وللجواب يتعين التمييز بين مسؤولية الشركات (1) ومسؤولية الدولة (2) والملاذ في مثل هذه الحالات (3).

1. مسؤولية الشركات الموردة لخدمة الإنترنت

من حيث المبدأ ترتبط شركات الاتصال مع المشتركين بعقود توفير خدمات يجب عليها بمقتضاها توريد الخدمة موضوع التعاقد وفق الشروط المتفق عليها صراحة أو ضمنا: فأنا مثلا، وغيري كثير، أدخلت رصيدا يفترض، باعتباره قبولا يقترن مع إيجاب الشركة الموردة للخدمة أن يشكل عقدا يتعين أن أحصل بناء عليه على حجم معلومات معين صالح لفترة معلومة ليس من المبرر تعطيل الخدمة خلالها.

إلا أن ما حدث أن الخدمة انقطعت فجأة أياما وليالي وعند عودتها تبين أن لا أثر للرصيد الذي يرجح أن الحواسيب غابت عليه مما يجيز مساءلة الشركات التي لا شك أنها ستتحجج بأن تدخل السلطات وأوامرها هو السبب في قطع الخدمة وهو دفع مؤسس فتدخل الدولة قوة قاهرة تبرر إعفاء الشركات من المسؤولية أو بعضها مع أنه لا يبرر البتة مصادرة رصيد المتعاملين. ونظرا لضآلة الرصيد الذي فقده كل مشترك وعدم جدوائية تحريك دعوى على أساسه فإن من واجب منظمات المجتمع المدني وحماية المستهلك أن تتحرك لأن عدم المساءلة يترتب عليه فرض أمر واقع مخالف للقانون ومجانف لقواعد العدل والإنصاف.. وتعتبر الخطوة الأولى الواردة هي اللجوء للمصالح الرقابية المختصة في الدولة فللدولة مسؤولية لا يستهان بها.

2. مسؤولية الدولة

تقع على الدولة مسؤولية السهر على توفر خدمة الانترنت باعتبارها أحد التزاماتها الدستورية ويجب على سلطة التنظيم باعتبارها "شرطة الإنترنت" أن تسهر على دوام توفر الخدمة وعدم غض الطرف عن غبن المشتركين في معاملاتها.

ففيما يتعلق بالتزامات الدولة ينص دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية في ديباجته على ما يلي: (يعلن الشعب الموريتاني اتكالا منه على الله العلي القدير، ..السهر على حرية تقدمه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

كما يعلن تمسكه بمبادئ الديمقراطية الوارد تحديدها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان..

يعلن الشعـب الموريتاني على وجه الخصوص الضمان الأكيد للحقوق والمبادئ التالية: ..الحريات والحقوق الأساسية للإنسان، حق الملكية.. الحقوق الاقتصادية والاجتماعية..،).

وتنص المادة 10 من الدستور ما يلي:

(تضمن الدولة لكافة المواطنين الحريات العمومية والفردية وعلى وجه الخصوص: حرية الرأي وحرية التفكير، حرية التعبير، حرية الاجتماع، وحرية التجارة والصناعة، حرية الإبداع الفكري والفني والعلمي.

لا تقيد الحرية إلا بالقانون).

وتنص المادة: 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

(لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفى التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود).

وبناء على ما سبق يجب على مصالح الدولة التمهيد لخدمة المعلومات وتيسير تدفقها ولا يجوز لها أن تقطع خدمة الانترنت إلا مع وجود خطر محدق يجب تبريره وإقناع الرأي العام به ولمصداقية الدولة يتعين عليها أن تتحمل تبعاته المالية وتعوض المتضررين سواء كانوا مواطنين أو مستثمرين أجانب.

3. الملاذ الأخير

عندما تتعذر تسوية نزاع ما وديا يتعين على الطرف الأحرص رفعه للسلطة القضائية المختصة "المستقلة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية" - الفقرة الأولى من المادة: 89 من الدستور.

وعلاوة على الدعاوى ضد الشركات يمكن رفع الدعوى ضد الدولة التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية ويجوز للمحاكم أن تدينها وجدير بالذكر أن السلطة القضائية منفصلة عن سلطات الدولة الأخرى إذ ينص الدستور في مادته: 90 على ما يلي: "لا يخضع القاضي إلا للقانون، وهو محمي في إطار مهمته من كل أشكال الضغط التي تمس نزاهة حكمه".