شَرْعِيةُ الدَّلِيل../ القاضي أحمد ولد عبد الله

اثنين, 23/09/2019 - 21:23
القاضي أحمد ولد عبد الله

من المقومات الأساسية للمحاكمة القانونية، أو المنصفة، ما يسمى: "شرعية الدليل"، وهو كذلك من مقومات مبدأ "الشرعية الإجرائية"، المقابل والمكمل لمبدأ الشرعية الجنائية..
وتعني شرعية الدليل، أن يكون كل دليل يستخدم لكشف الحقيقة ثمرة إجراءات مشروعة، مأذون فيها قانونا، ومقام بها من طرف جهات مخولة بذلك، فيخرج من ذلك الدليل الناتج عن الإكراه، والإختراق، أو التسريب، أو التسجيل، أو التصوير، غير المصرح به قانونا لجهات مختصة..
فالاعتراف تحت أي وجه من وجوه الإكراه البدني والنفسي، والتسجيلات الصوتية، والصور، والفيديوهات، والكتابة، إذا تم التوصل إليها بإجراءات غير مشروعة، أو من طرف جهات غير مخولة لا تصلح للإثبات، حتى ولو ثبت فنيا أنها سليمة، ومطابقة للواقع..
إن حماية الأشخاص ضد الأدلة غير المشروعة، أمام المحاكم ضمانة قانونية في غاية الأهمية، ويجب أن تتعزز دائما خاصة في ظل الطفرة التي يعرفها اصطناع الأدلة بالطرق غير الشرعية من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي..
إن أخطر استخدام للأدلة غير الشرعية هو ما يتم ضد الأشخاص أمام "محكمة الرأي العام" التي تفترض في حق الأشخاص الإدانة بدل البراءة، ولا تريد للعكس أن يثبت..
والطامة الكبرى أن قطاعات واسعة من المجتمع، بمن فيها مكونات أساسية من مكونات الرأي العام، تشمل حتى مهنيي قانون، ودعاة حقوق، ومناضلي عدالة، وإعلاميين، يتمسكون بالأدلة المستخلصة بطرق غير شرعية، من طرف أطراف خصوصية لا صفة تخولها ذلك قانونا، (الاختراق ـ التسجيلات الصوتية ـ الكتابة الالكترونية ـ الفيديوهات)، ويستخدمونها بشراسة، ويحكمون ذهنيا وواقعيا بما يمكن أن يسمى "إدانة الرأي العام" لمن يُسْتَظْهَرُ ضدهم بمثل تلك "الأدلة" غير المشروعة..
ولعل "إدانة الرأي العام" لأشخاص على أساس أدلة غير شرعية، هو من أخطر أنواع الإدانات، وأكثرها إيذاء للإنسان في هذه البلاد، خاصة وأن "إدانة الرأي العام" في حكم الشيء المقضي به، ولا مراجعة فيها، ولا إعادة للاعتبار منها، فهي مؤبدة..
تدخل قانون الجريمة السبرانية، لحماية الأشخاص ضد اصطناع الأدلة، وقد كفاني زميلي الأستاذ Avocat Mohamd Elmamy Moulayeely مؤونة توضيح المقتضيات المتعلقة بذلك، في منشور له مترع بيانا، وهذا مجرد هامش عليه..