الحركة الإسلامية ومنعطف قيس سعيد

اثنين, 07/10/2019 - 19:51
مختار نافع: كاتب وباحث موريتاني

يستحق الصعود السياسي المفاجئ للأستاذ الجامعي التونسي قيس بن سعيد إلى موقع الصدارة في نتائج الشوط الأول من الرئاسيات الأخيرة في تونس وقفات تأمل عديدة للوقوف على كنهه واستخلاص العبر السياسية والاجتماعية منه.

فهو حدث يمكن النظر إليه من عدة زوايا، ويمكن تحليله انطلاقًا من أكثر من مقاربة، منها على سبيل المثال: المقاربة التي تنظر إلى هذا الحدث على أنه مثال جديد على ظاهرة التمرد الشعبي على المنظومات التقليدية وانتخاب الشخصيات الذين يظهرون بمظهر المضاهي لهذه المنظومات، تلك الظاهرة التي استوت فيها الدول الغربية العريقة في الديمقراطية، ودول الموجة الثانية من الديمقراطية في آمريكا اللاتينية وآسيا، ولعلها وصلت إلى دول الموجة الثالثة في شمال وجنوب إفريقيا.

غير أن ثمت زاوية أخرى أرى أنه ينبغي النظر إلى الحدث من خلالها وهي اعتبار ما جرى رد فعل شعبي لحظي قائم على تزكية شخصية عصامية ذات توجهات إسلامية مستقلة بنفس ثوري، وذلك بهدف إرسال رسالة تنبيه عالية الصوت لحركة إسلامية تصر -رغم زوال الدواعي- على الاستمرار في إستراتيجية الاندماج المتكيف في المنظومة السياسية المحلية والعالمية، بأدواتها ومثلها التي تحكم الأداء السياسي للحركات الإسلامية منذ ثلاثة عقود.

وتقول هذه الرسالة الشعبية إن حصيلة ثلاثة عقود من سعي هذه الحركات للاندماج في عالم ما بعد الحرب الباردة أصبحت بحاجة إلى مراجعة جذرية، شعارها: “انتهى عصر سقوط جدار برلين، وبدأ عصر سقوط زين العابدين”.

 

من ثلاثية الاضطرار إلى ثلاثية الاختيار

 

شهدت هذه العقود الثلاثة الأخيرة، في بداية كل منها حدثًا كبيرًا فرض على الحركات الإسلامية التعامل معه بمنطق خاص، (سقوط الاتحاد السوفييتي، 11 سبتمبر 2001، الثورات العربية).

وقد رسخ هذا المنهج لدى الحركات الإسلامية أسلوبًا وعقلية سياسيين يبدو من الواضح أنهما لا يلائمان التغيرات الجيوستراتيجية والحضارية التي تعيشها المنطقة والعالم منذ الربيع العربي وتضاعف الأزمات السياسية والاقتصادية التي تشغل أهم دول الغرب.

ويمكن إيجاز الرسالة التي أرسلها الشعب التونسي لحركة النهضة التونسية، ومنها إلى كافة الحركات الإسلامية أنه آن الأوان لاستبدال توجهاتها السياسية الثلاثة الكبرى (سنذكرها بعد قليل) التي نفعت في وقتها ولكنها أصبحت اليوم معيقة عن مسايرة روح التحولات الكبرى والمتسارعة التي تصب في مجملها في مصلحة نهوض الأمة وامتلاكها زمام نفسها، ومن هذه التحولات:

انكفاء الغرب على نفسه ومشاغله الداخلية (أحدث مثال هو انشغال بريطانيا في معالجة المخاوف من التأثيرات الاقتصادية والسياسية لخروجها من الاتحاد الأوروبي).

انكسار أنظمة الاستبداد (أصبحت ما بين مشغول بحماية نفسه أو بحماية غيره).

إصرار الشعوب العربية على الثورة والتغيير (ثار الجزائيون والسودانيون في وقت ظن رعاة وأتباع الثورة المضادة أن الثورة قبرت في سوريا واليمن).

وهذه التوجهات التي على الحركات الإسلامية أن تتخلى عنها وفق هذه الرسالة هي:

التكيف الزائد الشعبوية المنقادة الموازنات الناقصة وسنقف فيما يلي مع كل منها بتفصيل يوضح كيف بدأت ولماذا ينبغي أن تستبدل بتوجه معاكس.

 

تكييف التكيف

 

تميزت مسيرة الإسلاميين طوال العقود الثلاثة الماضية بتغليب منطق التكيف نتيجة عدة أسباب؛ منها ما هو خيارات وتوجهات فكرية ومنها ما هو ضرورات وتحديات سياسية.

فمنذ استقرت التوجهات الكبرى للحركات الإسلامية ذات الجذور الإخوانية على محورية المشاركة السياسية في مشروعها الإصلاحي، وهي تقوم بمراجعة خطابها وأدائها ليصبا في هذا التوجه الكبير، وزاد من إلحاح هذا الهدف ضرورة التمايز عن الجماعات الجهادية التي كانت تسعى في نفس الفترة إلى ترسيخ توجه مناقض يقوم على محورية العمل المسلح.

وبهذا التوجه الواعي فكريًا والمضطر واقعيًا انطلق مسار من التكيف مع متطلبات الانسجام مع المنظومة السياسية القائمة التي تسعى الحركات الإسلامية السياسية إلى الاندماج فيها.

وعرف هذا التكيف محطات ثلاث خلال العقود الثلاثة الماضية كان له في كل محطة منها، بلا شك، فوائد على المدى القريب والمتوسط ولكنه جذر على المدى البعيد مبالغة في الواقعية تقول المعطيات الحالية إن أوان تجاوزها قد حان.

وهذه المحطات هي:

محطة التكيف مع ديمقراطية الهامش المحدود: التي سادت خلال التسعينات، والتي تركز فيها اهتمام الخطاب السياسي -بل جوانب من الخطاب الفكري- فيما يثبت الإمكانية النظرية لاندماج الاسلاميين في الدولة المعاصرة الديمقراطية، وانصب الأداء السياسي في اتجاه ما ينقل هذا الإمكان النظري إلى واقع عملي.

التكيف مع موجة الحرب على الإرهاب: حملت أحداث 11 من سبتمبر 2001، إلى لإسلاميين واقعًا جديدًا ما كان لهم بد من التكيف الشديد معه، فبعد أن كان تكيف الإسلاميين يسير بدرجة كبيرة من التحكم الذاتي، وكان حضور الجوانب الفكرية فيه أقوى؛ أصبح الحال معاكسًا بعد هذا الحادث الذي هز العالم بأسره، فصار الطابع السياسي للتكيف أظهر من الطابع الفكري، وتركز الاهتمام العملي على دفع شبهة العلاقة بالإرهاب وانخفضت سقوف الطموحات وتوفرت للأنظمة الاستبدادية فرصة نادرة لتقليص الهامش المسموح للحركات الإسلامية بالتواجد فيه.

التكيف مع هزيمة الموجة الأولى من الثورات العربية: لابد قبل الحديث عن تكيف الإسلاميين مع ما بعد هزيمة الموجة الأولى من الثورات العربية من الاعتراف أن الحركات الإسلامية أثبتت خلال عنفوان هذه الثورات أن قدرتها على التكيف مرنة للغاية وهي في جوهرها ذات طابع إيجابي؛ فقد استطاعت هذه الحركات أن تنتقل من كمون الفُرار بتهمة الإرهاب إلى وثبة الكُرار للالتحاق بالشعوب الثائرة.

غير أن فترة ما بعد الربيع العربي أعادت الإسلاميين إلى حالة التكيف من جديد، ومثلت النهضة ذروة هذا التكيف.

وكانت ذروة الذروة لجوء هذه الحركة إلى مقاربة خفض الصوت الإعلامي تجاه تلاعب منظومة العلمانية المتوحشة في تونس بثوابت الشرع، فظهرت أمام الشعب التونسي والشعوب العربية وكأنها تقبل تغيير ثوابت الشرع رغم أنها لم تفعل ذلك، ولكن اتباعها لسياسات الليونة أعطى الفرصة للشائعات الممنهجة لتضر بصورتها بقوة.

 

قيادة المنقادين

 

من التوجهات التي طبعت الإسلاميين منذ التسعينات -بل منذ السبعينات- التركيز الشديد على الالتحام بالشعب والعمل من صفوفه، واستلهام البرامج والتوجهات من ما يمليه واقعه، ولعل التركيز عليها عائد إلى ضرورة الخروج من النفق الذي كادت أفكار الأستاذ سيد قطب حول العزلة الشعورية أن تدخل الإسلاميين إليه.

وقد حضر الإسلاميون بالفعل في صفوف الشعب خلال مسيرة الثلاثة العقود الماضية، وكانوا يأخذون توجهات الشعوب بقوة ويحضرونها في برامجهم، والتحموا بهم التحامًا كبيرًا. لكن هذا الالتحام، على فوائده في الفترة التي كان طموح الشعب فيها منصبا على القائد المتواضع، قصر بالإسلاميين عن تلبية الحاجة الفطرية لدى الشعوب إلى قائد جريء حين ارتفع طموح الشعوب بعد الثورات إلى رجال يخوضون بهم غمار منافسة الأمم.

وتتضح هذه الفكرة إذا نظرنا إلى النمط السياسي الذي يمثله مرشح النهضة، وهو شعبوية الالتحام بالشعب والتطبيع مع واقعه بدل شعبوية التقدم على الشعب وقيادته إلى طموحاته، التي مثلها أحسن تمثيل المرشح المتصدر في الشوط الأول من الانتخابات الرئاسية بتونس قيس سعيِّد.

 

تحيين الموازنات 

 

قامت ركيزة التقدير الاستراتيجي في السياسة والاجتهاد العقلي في الفقه والفكر عند الحركات الإسلامية على منطق الموازنة، وتمثل ذلك في الأداء السياسي الذي يعنينا هنا أكثر على أخذ مختلف القوى المؤثرة في الحقل السياسي محليًا وإقليميًا في الاعتبار، وهو أمر في غاية الأهمية السياسية.

لكن هذا المبدأ طبق في فترة كانت هذه القوى منحصرة في: الغرب والأنظمة المحلية والقوى ذات التوجهات الحداثية مع غياب شبه تام لدور الشعوب في التأثير. كما أنه طبق في فترة كان التوجه الغالب على التيارات الدينية غير الحركية هو التوجه السلفي بشقيه المسلح والمعتزل للشأن العام (على الأقل بشكله المعاصر).

أما الآن فقد طرأ متغيران يبدو أن الحركات الإسلامية بحاجة لتقديرهما حق قدرهما:

أولهما:

الدور الكبير للشعوب الذي وصل ذروته في فترة مد الربيع العربي، وواصل حضوره القوي في الدول التي تأثرت إيجابيًا من نتائجه مثل تونس والمغرب وموريتانيا، بل ظهر في موجة ثانية من الثورات في السودان والجزائر، وحافظ في بقية دول الربيع العربي على طموحه وشموخه في الميدان الافتراضي رغم قوة الجراح في ميدان الواقع.

أما المتغير الثاني:

فهو انعكاس المشهد السلفي من حالة التعويل القوي على العمل المسلح عمليًا أو نظريًا، إلى حالة التعويل القوي على العمل المدني عمليًا ونظريًا. والمثال على هذا النقص في اعتبار هذين المتغيرين، هو: استمرار كثير من الحركات السياسية الإسلامية في التوجس من التنسيق مع التيارات السلفية، وضعف قدرة الحركات التي شاركت في العملية السياسية من موقع الحكم في استغلال قوة الشعب في نزاعها مع دواليب الدولة العميقة.

 

لم يفت الأوان!

 

أخيرًا فإن هذه المقاربة لكي تكتمل وتقدم وجهة نظر كاتبها كما هي؛ فلا بد من إبداء ملاحظتين:

الأولى أن هذه المقالة لا تحاكم أداء هذه الحركات الإسلامية في الماضي، لسبب جوهري هو أنه: كما لا ينبغي إدارة الحاضر بعقلية الماضي؛ فكذلك لا يمكن الحكم على الماضي بمعطيات تكشفت في الحاضر ولم تكن معروفة في الماضي.

الثانية أن قدرة الحركات الإسلامية على الاعتبار بهذه الدروس لا تزال ممكنة، بل محتملة، وذلك أولًا: لوجود آراء واتجاهات قوية داخل هذه الحركات تطرح هذه الأطروحات، ثم ثانيًا: لوجود تجارب عملية -بدرجات مختلفة- لبعض هذه الحركات في رفع سقوف التكيف، واتباع الشعبوية القائدة، والاعتداد بقوة الشعب وتياراته الدينية، أعني تحديدًا تجربة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء المغربي السابق عبد الإله بن كيران. 

 

نقلا عن: almawqi.com