تَأْبِينُ الآبَاء.. / القاضي أحمد ولد عبد الله ولد المصطفي

أحد, 13/10/2019 - 08:29
وكيل الجمهورية أحمد ولد عبد الله

نَادِرٌ جدا في الشعر العربي تأبين الأبناء للآباء، بخلاف تأبين الإخوة المشتهر رثاؤهم قديما وحديثا، وكذا الأبناء، والأزواج والزوجات..
في ديوانٍ شعري كبير مختار، كَـ حماسة أبي تمام مثلا، نجد فقط أربعة نصوص قصيرة في رثاء الآباء، ثلاثة منها نسائية..
لا أعرف على وجه التحديد سببا لندرة تأبين الآباء شعرا، لكني أعلم أنه لم ينشأ قطعا عن ضعف التعلق بهم، فتعلق الإنسان بأبيه كبير جدا، ويشهد لذلك ما في القرءان الكريم، ومنه: <<بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ..>>..
ربما استعاض الأبناء عن تأبين الآباء شعرا، بالكلام عنهم نثرا، ومن أروع وأقصر الكلام نثرا تأبينا للآباء في لحظات الموت ـ وحق له ذلك ـ قول فاطمة الزهراء رضي الله عنها، عند دفن الحبيب صلى الله عليه وسلم: "يا أنس: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب!؟"..
ألَّفَ كثير من أئمة الإسلام كتبا بمآثر آبائهم، وترجم أئمة آخرون لآبائهم في مؤلفاتهم، ومن هؤلاء مثالا، لا حصرا: التاج السبكي ترجم لوالده تقي الدين السبكي ـ محمد بن عياض، ألف كتابا في التعريف بوالده القاضي عياض..
وفِي هذه البلاد، ألَّفَ الشيخ سيد محمد الخليفة بن الشيخ سيد المختار الكنتي رحمهم الله كتاب: "الطرائف والتلائد من كرامات الشيخين الوالدة والوالد"، وَكَتَبَ الشيخ العالم الأديب إبراهيم ولد باب ولد الشيخ سيدي رحمهم الله نُقلة في مآثر والدِيِه، وترجم الشيخ المؤرخ القاضي هارون ولد باب ولد الشيخ سيدي لوالدِيِه في كتابه: الأخبار..
قد يكون من الأبناء من وجد مدح الآباء أحياء أسهل من رثائهم أمواتا، واستنطاق بعض ذلك يوحي بأن عدم رثاء الأبناء للآباء، قد ينشأ عن عجزٍ مرده شدة التعلق: "القرب يحجب"..
من أجمل وأشمل ما رأيت في مدح الآباء أحياء، قصيدة الشيخ سيد محمد (سِيدْنَ) ولد الشيخ سيدي، رحمهما الله:
يا سَيِّدِي إنِّي فَدَاكَ اللهُ بِي == جَارُ الْحِمَى مَا عَنْهُ لِي مِنْ مَذْهَبِ
ومنها:
نَعَمْ كَفَانِي لِامْتِلَاءِ جُرُبِي == عِلْمِي بِكُمْ وَرُؤْيتي وقُرُبي
في جَنبِ ذَلِكَ هبًا عِندِي هَبِ == مِلْءَ الْبَرَى مِن فِضَّةٍ وَذَهَبِ
أُمِّي فِدَاكُمْ بَعْدَ أنْ يُبْدَأ بِي == وَبِأبِي لَوْ أنَّ غَيْرَكُمْ أبِي../ إلى آخرها..
وهذه القصيدة بطولها (105 بيتا)، وحسنها، وما طفحت به من معاني مدح رائع، وما كشفت عنه من شدة تعلق سِيدْنَ بوالده ـ وَ منْصَابْلُ ـ هي أيضا تحفة في تعلم مفردات اللغة العربية..
الشيخ العلامة محمد الحسن الددو، حفظه الله، جمع بين مدح والده حيا، وتأبينه ميتا رحمه الله، فقد سمعت له أبياتا جميلة في أبَوَيْه، وشاهدت له حديثا مسجلا لخص فيه بأسلوب بديع مختصر مآثر والده، كشف جوانب رائعة من علاقته العجيبة مع العبادة والقرءان والصلة، توجتها خاتمة حسنة..
رحم الله والدي، وَ والِدِيِكم..