ملاحظات حول ما تتعرض له الثروة السمكية في موريتانيا / حمود الفاظل

اثنين, 09/12/2019 - 01:15
الخبير حمود ولد الفاظل

مساهمة في النقاش الحاصل الآن على وسائل التوصل الاجتماعي حول ما تتعرض له الثروة السمكية الموريتانية، ومن أجل مشاركة المعلومات الصّحيحة المؤسسة على معطيات علمية، أقدم مجموعة من الملاحظات العامة لتصحيح بعض الأخطاء المتداولة والمبالغات غير المؤسسة في الاتجاهين، لعلها تفيد المهتمين.

1. ماذا يمكن أن نصطاد سنويا من الأنواع البحرية الموريتانية؟

حسب المعهد الموريتاني لبحوث المحيطات والصيد IMROP، وهو الجهة العلمية المسؤولة عن تقدير المخزونات السمكية، فإن ما يمكن صيده سنويا دون الإضرار بتجدد المخزون السمكي هو مليون وخمسمائة ألف طن سنويا، دون احتساب حوالي 300 ألف طن من المحار غير المستغل حاليا.
تشكل أسماك السطح الصغيرة (السردين، السردينلا، الماكريل، الشاخور..الخ ) أغلبية هذا المخزون، أي حوالي مليون وثلاثمائة ألف طن، فيما تشكل الأنواع القاعية بما فيها الرخويات (الأخطبوط، الحبار...) حوالي 150 ألف طن. يعني هذا بتبسيط أن الصيد في حدود هذه الكميات غير مضر بالثروة السمكية وتجاوزها مضر بتجدد المخزون، مع الإشارة إلى أن الأنوع البحرية تختلف من حيث تقييم المخزون؛ فمثلا يعتبر مخزون السّردين sardina pilchardus مخزونا غير مستغل بشكل كامل، أي أن الكميات المصطادة حاليا دون قدرة المخزون، أما السردينلا sardinella فتعتبر مخزونا يعاني فرط الاستغلال، وهذه الأنواع الثلاثة هي التي تستهدفها السفن التي تزود مصانع دقيق السمك.

2. الأسماك السطحية مخزونات مهاجرة إذا لم نصطدها ستذهب لمياه الدول الأخرى ويتم صيدها هناك لذلك ينبغي صيد كل ما أمكن صيده منها؟

هذه من المعلومات الشائعة والمتداولة بكثرة، وهي رغم صحّتها المبدئية (مخزون أسماك السطح مخزون مشترك) إلا أن النتائج المبنية عليها غير سليمة، فهده الأنواع تشكل مخزونا مشتركا وتحرّكها بين مياه الدول يأتي في إطار دورة حياتها والبحث عن الظروف المناخية المناسبة لتكاثرها ونموها، فحين يتم في أي دولة صيد جائر يتجاوز قدرة المخزون فسيتأثر كامل المخزون، لذلك يتم عادة تقييم المخزون المشترك بين الدول وصياغة التوصيات العلمية بناء على ذلك.
(للمزيد من المعلومات عن تقييم المخزونات السمكية يمكن الاطلاع على مقالي المنشور 2010 على الرابط التالي: https://rimnow.net/w/?q=node/1817)

3. الأنواع التي يتم صيدها لتزويد مصانع دقيق السمك (ياي بوي) غير مهمة؟

هذا صحيح نسبيا، فهي مقارنة مع الأنواع الأخرى كالكوربين مثلا ليست بنفس الأهمية ، لكن حتى ولو افترضنا ذلك، فهي جزء من الشبكة الغذائية للأنواع البحرية وأي إضرار بها سيؤثر على الأنواع البحرية الأخرى بما فيها تلك النبيلة، يضاف لذلك أن "أهمية الأسماك" شيء نسبي جدا، فكل الأنواع البحرية تقريبا صالحة للاستهلاك البشري وغنية بالبروتينات، وقد شاهدنا في السنوات الأخيرة في موريتانيا أنواعا لم تكن معروفة للاستهلاك البشري دخلت القائمة نتيجة ندرة بعض الأنواع الأخرى أو غلاء ثمنها، لذلك يمكن توجيه أسماك السردين والسردينلا وأنواع أخرى من أسماك السطح الصغيرة للاستهلاك البشري بدل توجيهها فقط لمصانع دقيق السمك وذلك لانتاج 1 كلغ من طحين السمك من كل 4.5 كلغ من الأسماك (في سنة 2018 بلغ عدد مصانع دقيق السمك النشطة 24 مصنعا)
(لمزيد من المعلومات عن مصانع دقيق وزيت السمك في موريتانيا يمكن الاطلاع على مقالي المنشور 2017 على الرابط التالي: https://rimnow.net/w/?q=node/6485)

4. بعض الأساطيل الأجنبية لا تحترم فترة الراحة البيولوجية؟
غير صحيح؛ الراحة البيولوجية تشمل الجميع بما في ذلك الأسطول الصيني، وهي في الأساس تستهدف مخزون الرأس قدميات، خصوصا الأخطبوط.

5. يتحدث البعض عن أن بعض الأساطيل الأجنبية تقوم بشفط الأسماك من البحر مباشرة عن طريق آلة شفط هل هذا ممكن؟

هذا غير صحيح ومستحيل أيضا، كلما ما يتم هو أن بعض السفن تقوم باستخدام آلة شفط حين يتم رفع شبكة الصيد إلى متن السفينة، فبدلا من تفريغها مباشرة يتم استخدام "رسبيراتير " لنقل الأسماك إلى مخازن السمك، ولا يمكن نهائيا شفط الأسماك مباشرة من قاع البحر.

أخيرا، فإن أهم ما ميّز العشرية الأخيرة بخصوص استغلال الثروة السمكية هو دخول الأسطولين الصيني والتركي، ولا خلاف أن تأثيرات هذين الأسطولين بدأت تلاحظ على المخزون السّمكي، وهم في ذلك غير متساويين؛
الصينيون جاؤوا باتفاقية غامضة وعلى مدى زمني طويل، 25 سنة!
(رابط مقالي عن الاتفاقية الصينية المنشور 2011 https://rimnow.net/w/?q=node/830) والمعروف أن أطول مدة للاتفاقيات المبرمة في هذا المجال لا تتجاوز 4 إلى 5 سنوات، وذلك ليتسنى مراجعتها وتقييمها في ضوء المعطيات الجديدة كما الحال في اتفاقيات موريتانيا والاتحاد الأوربي، بالإضافة إلى أن هوندونغ تعمل بشكل مستقل تماما، حيث تأخذ السّمكة من البحر حتى التصدير، فلديها سفنها، وميناؤها، ومصانع معالجة الأسماك الخاصة بها. أما الأتراك فليست اتفاقية بين دولتين وتأثيرهم إنما هو في حجم الكميات الكبيرة التي يتمّ صيدها (يمكن في ساعات أن تأتي الشباك الدوارة المستخدمة من طرف الأتراك والتي تصل ألف متر بأكثر من 300 طن)، وقد تم صيد كميات هائلة ، خصوصا في السنوات الأولى، حيث تم صيد أسراب كبيرة من سمكة الكوربين؛ يمكن الاطلاع من خلال هذا الرابط على أول فيديو منشور على الفيسبوك قبل ثلاث سنوات من طرف حساب تركي عن مذابح الكوربين: https://www.facebook.com/vedat.dogan.5076/videos/1220843564614462/?t=14

وسمكة الكوربين ليس مرخصا في صيدها لهذه السفن، فرخصهم تشمل فقط أسماك السطح الصغيرة لتزويد مصانع دقيق السمك، لكن للأسف تم التغاضي عن ذلك، إن الكميات الكبيرة التي تتجاوز طاقة المخزون والتي يتم صيدها تؤثر على المخزون بشكل كبير وعلى الأنواع الأخرى بطبيعة الحال.

6. ماذا تقترح؟
مما يمكن اقتراحه في هذا المجال، وفي ضوء المعلومات المتاحة، هو مراجعة الاتفاقية مع الصين بشكل يضمن تصحيح الاختلالات، والاطلاع على طبيعة وحجم نشاط هوندونغ، وذلك لتحسين الاستفادة الموريتانية من الاتفاقية وضمان الشفافية في ذلك، أما السفن التركية فيمكن هنا تفعيل نظام الحصص، أي الكميات المسموح بصيدها في حدود قدرة المخزون، وذلك من خلال تفعيل نظام الرقابة والأخذ بالتوصيات العلمية في هذا المجال.