سفراء القلم (وادي الحطب أنموذجا) الكاتب محمد ناجي

اثنين, 06/01/2020 - 14:25
الكاتب محمد ناجي طالب جامعي

يقول الشيخ محمد سالم ولد عدود -رحمه الله- في احدى محاضراته: (إننا أهلَ هذه البلاد من أقل الناس عددا وأضعفهم عُددا، ولم نشتهر بالصناعات ولا بالقوة وإنما اشتهرنا بالعلم، ولقد بيض مشايخنا وجوهنا ورفعوا اسمنا في كل بقعة من العالم، أينما حللت وجدت من يحدثك أنه درس على الشيخ الشنقيطي فلان… .)
وذكر الوزير السابق محمدن ولد باباه، في الحلقة الثانية من برنامج الصفحة الأخيرة أنه في بداية الدولة الموريتانية زار الأردن بجواز موريتاني، ومنع بداية من الدخول لأن موريتانيا لا زالت غير معروفة.
ولكنهم بعد التحقيق اكتشفوا أنه من أرض الشيخ محمد الامين ابن مايابى الشنقيطي فسمحوا له بالدخول.
هكذا دأب الشناقطة من لدن ولد رازگه، وأحمد بن الأمين، وأبناء مايابا، وآبّ ولد اخطور…… الخ، كانوا سفراء فوق العادة قبل قيام الدولة الحديثة، يحملون شنقيط بين جونحهم أين ما حلوا وارتحلوا، يُسطّرون بأحبارهم تاريخ هذه البلاد الناصع، ويُخلدون بأحرفهم الزكية مجدها المؤثّل، ويرفعون صيتها عاليا.
وما زالوا إلى اليوم يُسخّرون يراعاتهم المدرار ويستنزفون أقلامهم في سبيل التعريف بتاريخ هذه البلاد، ومن آخر ما تفتقت عنه الذاكرة الموريتانية واحتفت به المكاتب يحكي تاريخ هذه البلاد بأسلوب رائق وسرد آسر ولغة عالية، رواية وادي الحطب لكاتبها الدكتور الشيخ أحمد البان، والتي عرفها الناشر بقوله: (وادي الحطب رواية تضرب عنيقا في تاريخ القبائل الموريتانية زمن الاستعمار، لا لتؤرّخ زمنا ولّى واتقضى، بل لتعيد الحياة إلى الإنسان ما بعد العولمة، علّه يثوب إلى إنسايته من جديد)

يستنشق القارئ لرواية وادي الحطب عبق الأصالة الموريتانية وجمال الحياة البدوية، ويستكشف عوائد الأوائل وطبيعة العيش وسعة الثقافة وقوة الحفظ… رغم الظروف القاسية والصحراء القاحلة والترحال الدائم.
ولو توقفنا مع محطات يسيرة من الرواية -نستشف منها التاريخ ونستقصي أخبار الماضي- لاتضح لنا جليا ما كان عليه اهل هذه البلاد من فتوة وغزارة علم وسماحة خلق.
نجد الكاتب يصف حالة الدرس والتدريس وما يقوم به الطلاب في سبيل حفظ متونهم حفظا متقنا، حتى إذا قدم الواحد منهم على الشيخ: (جعل اللوح المكتوب فيه قُبالة شيخه بينما كان الوجه الممسوح قبالته هو، ثم بدأ يسرد "القفّ" من ذاكرته باسترسال فصيح، وكأنه يقرأ سورة الفاتحة حتى جاء على آخره.) وإذا كانت هذه حالة الطلبة في الحفظ والإتقان فما بالك بشيخهم، الذي وصفه بوصف في غاية الدقة في الحفظ والموسوعية والاستحضار: ( ..ثم استأنف يشرح القفّ، بطريقته المتدفقة التي لا تترك شاردة ولا واردة إلا جاء عليها، فقد حباه الله بذاكرة لا يفلت منها شيء. كان يحفظ أغلب شروح المختصر بإتقان مدهش، كما كان يستعيد شروح مشايخه بحروفها وبتنغيماتها الصوتيةخفضاً ورفعاً، كما لو أنها مسجلة في شريط عالي الدقة.) [ص 49-50]
ليس الحفظ وحده السمة التي يمتاز بها طلبة المحاظر، وإنما الفهم الثاقب كذلك والنقاشات المفيدة في الأصول والفروع أوقات العُطل، لا يضيعون وقتا: (… كانت أصواتهم ترتفع وهم يتجادلون، لا شيء يُثير عادة هذا المشهد، تلك عادتهم في ليالي الإجارة الأسبوعية، لكنهم الليلة يناقشون قضية جديدة، قول الإمام الصاوي إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصلٌ من أصول الكفر، جدل أثاره استدلال أحد الطلبة بالحديث في ندبية إتباع رمضان بستّة من شوّال، معترضا على قول خليل "كستة من شوال" .
بدأ النقاش حادا، كان الطالب يقول إن الحديث صحيح صريح، وكان الآخرون يعترضون على استدلاله محتجين بمقولة الصاوي، أنكر أحد الطلبة الجدد نسبة الكلام إلى الصاوي. ذهب احد الطلبة إلى عريشه وفتح مخلاة كتبه، وجاء بنسخة من مهترئة من تفسير الجلالين بحاشية الصاوي…… ..... بدأ صاحب الكتاب يقرأ: {… ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآبة، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضالٌّ مُضِلٌّ، وربما أداه ذلك إلى الكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من اصول الكفر}. أخبرهم بتّار أن لمرابط علّق يوما أمام جمع من الرجال على كلام الصاوي بأنه غير مُسلّم شرعا) [ص122]

وغير بعيد من هذا يصف لنا شروط الفتوة في ذلك الزمن وركائزها، وما يتسم به "المستفتي"، على لسان الخبير شيخ المحظرة حين سألته العجز، ما هي شروط الفتوة؟ أجابها: (حفظ كتاب الله تعالى وحفظ مختصر خليل بن إسحاق المالكي ومعرفة الموسيقى والخبرة بنظم الگيفان، والمهارة في ركوب الخيل والإبل وسلخ الشياه وفتل الحبال،… ..) [ص101]
وعن المقاومة الثقافية -وهي أقسى ما واجهته فرنسا- يحدثنا عن عدم استسلام المجتمع ثقافيا، وتمسكه بقيمه وثقافته الدينية، وتمترسه بالمحظرة وشيوخها، يأبى الواحد -مهما كلفه الثمن- أن يُسلم ابنه لمدارس المستعمر ويرى ذلك مثلبة في عرضه ونقصا في دينه وتفريطا في مستقبل ابنه، مستعد لافتدائه بأي ثمن: (لما طلب النصارى من شيخ القبيلة أن يعطيهم ثلاثة أطفال من أبنائه وأبناء الأعيان، ليرسلوا اثنين منهم إلى مدرسة تنبدغه، بينما يرسلون أذكاهم إلى مدرسة أبناء الشيوخ المترجمين في سينلوي بالسينغال، كان طلبا ثقيلا. لذلك ما إن سمع الناس الخبر حتى أخفوا أبناءهم في الكهوف والغابات البعيدة، فقد كان تسليم الإبن لمدارس النصارى -كما يسمونها- خيانة للدين وثلمة عار في المجتمع لا تغسلها السنين..) [ص79]
وليس هذا بمستبعذ من مجتمع على مستوى عال من الثقافة الدينة والقارءة، يحمل كل رجل فيه مكتبة خاصة لا تُفارقه، يُطالعها كلما سنحت له الفرصة، لا تشغله الشواغل عن المطالعة ولو كان نزيله "شيخ العامة": (دخل خيمة خطّاري حليفه وصديقه، كان مستلقيا على قفاه يقرأ نسخة قديمة من كتاب المدخل لابن الحاج، فسحه له المجال فجلس، بدأ خطّاري يقرأ: { ومن الذخيرة قال الطرطوشي رحمه الله تعالى إن أخذ الفأل بالمصحف وضرب الرمل ونحوهما حرام، وهو من باب الاستقسام بالأزلام، مع أن الفأل حسن بالسنة…إلخ}، قال امهادي وهو يمرر يده على لحيته التي غزاها الشيب كثرا: ابن الحاج عااالم…… ) [ص214]

وتبقى رواية وادي الحطب من أحسن ما جدت به أقلام الموريتانيين أسلوبا ولغة وسبكا، سطّر كاتبها اسمه بين سفراء القلم الذي مثلوا البلاد بأقلامهم أحسن تمثيل، تستحق من القرّاء التمعّن والتدبر وإعادة القراءة مرّات ومرّات.