وقفات علي ضفاف الوحي / د.المفكر محمد سعيدبا

اثنين, 23/03/2020 - 19:05
د محمد سعيد با

تشخيص

«إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»، سورة يونس، الآية: ٢٤
علي ضوء هذه الآية التي بلغت منتهي الإعجاز في إزالة المساحيق التي نتفنن في صبغ وجه هذه الفانية بها لنخدع أنفسنا بأنها منتهي المطاف فنتشبث بأذيالها ثم تنفلت منا في لحظة صادمة تخر فيها كل الأحلام الخادعة فنجد أنفسنا منبوذين بالعراء، نسرد جملة من الملاحظات مسترشدين بما نعيشه من حالة دوار لا ندري إلام يفضي بنا في قابل الأيام.
يعني الكتاب العزيز عناية فائقة بتبصرة الإنسان ورسم معالم الهداية له كي يسير في دروب هذه الحياة مستقيم القامة ثابة الخطي، رغم ما يحيط به من خلائق دقيقة النظم شديدة الحبك تتراوح بين ضخامة المجرات وبين ضآلة الذرات، كما تطرح سورة الملك هذه الإشكالية موظفًا صيغة التساؤل في هذا المساق: «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»!
انطلاقًا من هذه الوظيفة المحورية لرسالات السماء في كل حلقاتها المترادفة، والتي تكاملت واستدارت ببعثة المصطفي (صلي الله عليه وسلم)، يشخص القرآن الكريم حالات الإنسان في كل أطواره ويضع علامات حمراء في مواطن الزلل التي يزين له عناده المركب ارتيادها ولو كان في تهلكة له ليستفيق ويراجع حساباته الخاطئة فيقوّم ما اعوجّ من نهجه.
يتجلي لنا هذا البعد في الوحي الأعلي حين نجتاز منطقة المطبات الكبري التي تنقشع فيها غشاوة الوهم التي ننسجها بأيدينا ظانين أنها ستحمينا ولو تساقطت علينا كواكب الكون فيركبنا الغرور ونتوه في وديان الطغيان:
«كلاّ إن الإنسان ليطغي أن رآه استغني»، حين ننسي أو نتناسي بأن لحظة الأوبة إلي الله آتية لا مفرّ!
كنا نقرأ ونتعجب في معجم الأحداث التي ظلت تعصف بالبشر عبر تاريخهم الحافل والمتسم بشدة التحولات التي غيرت مجري الحياة في أكثر من معطف وسرد كتاب الله العزيز مقاطع حادة منها في هود وأخواتها والحاقة والفجر...
رغم أسواط العذاب التي انصبت علي أولئك الأقوام ظل العناد الذي يسم هذا المخلوق يعود به إلي حافة الهاوية حتي إذا كاد أن تنقلب به السفينة في عرض المحيطات الهائجة وأوشكت الأمواج أن تبتلعه جأر في ذل وانكسار إلي القوي المقتدر الذي يدير الأكوان بيد القدرة:
«هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ»، سورة يونس، الآية: ٢٢
في عصرنا ذهب الحُلم بعيدًا حتي انمحت في تصورنا الحدود الفاصلات بين الواقع والمتوقع فتشابهت علينا الحقيقة والخيال ورددنا بلا وعي مصطلحا في غاية الخطورة لما يحمله من صنوف التبجح: "كسرنا" ومرادفاته: حاجز الصوت، أمتنا المسافات، فتتنا الذرة..
وحين ران لون مميت من هذا الغرور المركب في ديار قوم أوغلوا قبلنا قرونا في هذا الدرب المحفوف بالمخاطر جاءهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون:
«وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ»، سورة الأعراف، الآية: ١٣٦.
نعم!
"الصنع والبناء"، عنوانان مشعان لما ابتناه الإنسان من صروح الحضارة حين انقدح عقله وأفرز تركيبات وطلاسم ومعادلات فتق بها ما ظل رتقا منذ أن وطئت قدم الإنسان ظهر هذا الكوكب الذي مُهد له، فتهنا عن سواء السبيل وجادلنا بالباطل لندحض به الحق الكوني وزعمنا بأنه ما سبقنا أحد في الوصول إلي هذه القُنّة السامقة.
حين سدرنا في هذه التيهاء جاءتنا تلك الصفعة الموجعة التي ظلت تنهال علي البشر كلما اجتالتهم الأبالسة ودفعوا بهم نحو تلك المنزلقات التي لا تثبت فيها قدم بشرية ولو ساندتها أدق الابتكارات في ميدان "نانو تكنولوجيا".
استيقظنا علي جلبة تجتاح الأرض من أقصاها إلي أقصاها وترامت إلينا أصداؤها ثم طفقت تقترب بسرعة الضوء التي دندنا حولها وكأننا من أوجدها ناسين أن قصاري جهدنا لا يعدو الاهتداء إلي قانون ظل ساريا منذ أن برأ الله كونه الطائع لأمره فأخذنا العجب ونحتنا مصطلحا ووضعنا فيه شحنة من الغرور "كشفنا"!!
رجّنا جندي من جنود الله تناهي في الضآلة حتي لا تبصر إلا بأدق المجهرات، رجا عنيفا، ولأننا أخذنا علي حين غرة فقد دُخنا وانطمست المعالم التي كنا نظنها ثابتة راسخة كالجبال الراسيات

*فيروس*!!

نعم، فيروس صغير غزانا غزوة ساحقة ماحقة اجتاح البلدان وكسر الأبواب الموصدة وحطم الحدود المغلّقة بل نسف الجدر العاليات التي تحصن خلفها البعض زاعمين أنها مانعة لهم من الله القوي العزيز.
أصبح الفزع العنوان الجامع للمجتمع البشري الذي كان منذ أسابيع قليلة مضت يصنف طوائف قددا:
ثمة مترفون، ويسميهم القرآن أيضا "الملأ"، الذين كانوا يحتلون قمة الهرم ويصنفون في خانة مستقلة وكأن لا نسب أو صهرا يربطهم ببقية خلق الله..
وفي مقابلهم مستضعفون، لا قيمة ولا وزن لهم تقطن الأوبئة والأمراض الفتاكة ديارهم يظلون يركضون في مؤخرة القافلة البشرية وقد هدهم الإعياء...
انفجر البركان علي نحو ما تجليه سورة الأعراف:
«وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ»!
تراكض الناس في كل اتجاه وتمايلت السفينة توشك أن تغرق بمن فيها، وفي هذه اللحظات الضاغطة اكتشفنا هشاشة البنيان الذي شيده الإنسان وتهافت ما ابتكره عقله من أدوات وصنعته يده من آلات البانية منها والمدمرة.
لكن لم يسعفه شيء من ذلك حين جد الجد وانكشفت الحقائق الكبري.
تقطعت السبل وجثت أسرع الطائرات في حظائرها وانهار أجود الأنظمة الصحية التي كنا نهرع إليها كلما داهمتنا علل وأصبحنا، يا للمفارقة، نعول علي حبات دواء من الفصائل التي عفا عليها الزمن نبتغي حلال سحريا ناجعا يخرجنا من ورطتنا الأممية.
ألا ما أدق كتاب الله في وصف حالتنا التي تناهت في البؤس:
«وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ»!
حارت البشرية وقد ساخت أقدام روادها في رمال المهلكة ولا مجير!
حوصر الإنسان وكلت حيله وأعلي صوته مستغيثا ولا مجيب!
وفي هذه الساعات القلقة من مسيرتنا فوق هذه الأرض ينادينا رب العالمين لنئوب إلي الضفة الآمنة:
«أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ»، سورة النمل، الآية: ٦٢
اللهم ردنا إليك مردا جميلا!
اللهم اكشف عنا الوباء والبلاء!
اللهم إننا ضعفاء فارحمنا وعاجزون فتولنا ولا تأخذنا بما فعل السفهاء منا!
«ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين»!
       ودمتم في سابغ كلاءة الرحمن!