نقاش فقهي حول أسباب منع الجمعة وضرورة إقامتها / عبد الله ولد محمد

خميس, 16/04/2020 - 19:35

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله
 والصلاة والسلام على رسول الله وءاله المطهرين وصحابته اجمعين 
 اما بعد فهذه أحرف يرجو مرسلها أن يمن الله عليه بالإخلاص في النية والصدق في القول وفيها سؤالان لأهل الذكر والعلم  وعسى أن يدعمها عُمارمساجد وصائمون قائمون مهتمون برمضان , وطلاب علم  يبحثون عن حكم الله , ويصل السؤالان - إن شاء الله - إلى بعض ساداتنا العلماء وإخوتنا الحكماء الأطباء وإلى مشايخ واعيان وطننا الحبيب والى مسؤولين كبار  في جمهوريتنا الإسلامية , وأتمنى أن يكون منهم السيد وزير الشؤون الدينية العالم الورع وما شهدنا الا بما علمنا . 
السؤال أو الطلب 1 و كمقدمة اذكر قبله أن وباء " قارون" المتفشي في العالم هذه الأيام أصاب في غفلة , وكان على دول قوية كالزلزال المدمّر شغل وقتل الناس وعطّل المصالح والمصانع القوية ورد جُل الناس جبرا إلى أوطانهم  وبيوتهم فكان من نعم الله علينا أن جعل وطننا واسعا آمنا  وانه يقوده رئيس دلَّت أعماله على توفيقه ووطنيته وحسن سياسته , ومعه وزراء أكفاء أمناء يقِظون كلٌّ يتحرك مع أعوانه في قطاعه .
 فهداهم الله لخطة رشيدة متكاملة فيها أحكام الوقاية وتدبير العلاج وسد أبواب الوباء ودعم الفقراء وحصل التكامل بين  توجيه العلماء والإعلاميين ونشاط  الأطباء وتأطير الإدارة وقوات الأمن وتعاون التجار وكل المواطنين ...وظهر من الثمرات في الواقع وفي الأرقام  ما أغنى  عن كل تعليق : عدد الإصابات حتى اليوم في موريتانيا 7 شفي  2  و 3 أظهرت فحوصهم الأولية شفاء من المرض و1 في تحسن بينما توفيت سيدة رحمها الله تعالي .
أما في الخارج فالإصابات في أمريكا وصلت مئات الألوف مات  منهم ألوف ويزداد من يقتلهم هذ الفيروس كل ساعة في جل الولايات المتحدة  ...  وأصاب الوباء آلافا من الإخوة والجيران في دول شقيقة عافى الله كل المسلمين  وعاملهم بلطفه وفضله .
ومما يذكر ويشكر أن الحكومة استعملت كل ما يلزم من الصرامة والمرونة في محلهما . ووفقت بين مصالح الدين والدنيا فحظرت  التجول وأغلقت المدارس ولم تغلق المساجد وأذنت لبعض التجار والنا قلين  وغيرهم في برنامج واضح  يسد باب المفاسد ويراعي  المصالح . وكل ذلك مبني على التنظيم والتنسيق  والأخذ برأي أهل الاختصاص .
 وليس أمام المواطن المنصف إلا قبول كل ذلك بطيب نفس  و اتباعه والفرح به .
 السؤال  الذي نطرحه اليوم حرصا على مسايرة الإجراءات لأوضاع الناس وأحوالهم هو هل يمكن الآن بعدما حصل من ضبط وتحسن أن يفتح المجال لصلاة الجمعة بضوابط وشروط تضمن تجنب أسباب تسرب الوباء , بان يستمر التعليق في انواكشوط مثلا لحجمه ولأنه ظهرت فيه حالات ويقاس عليه ما لا يمكن ضبطه من المدن ... ومع  الإذن يفرض القناع او اللثام وغسل الأيدي بالصابون عند الدخول  والخروج وفرض مسافات بين المصلين وترك المصافحات والتنازل عن مندوبات وسنن فرارا من كل ما يظن انه يودي ولو من بعيد إلى العدوى . ...والبحث عن  ذلك تبعا لرأي الحكام والعلماء والأطباء يتفق مع  ما رأينا من سياسة الدولة  فإنها أخذت بالأسباب واهتمت أيضا بمعاني الدين  فصدر الأمر بالإكثار مما يدفع الله به البلاء كالتوبة وتلاوة القرءان والصدقة والاستغفار 
إن الجمع بين مصالح الدارين هو السنة ( ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ...)جمع يدعو إليه القرءان والسن وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة .
 وفي صحيح البخاري حديث يُعلم التعامل مع هذا الوباء بالتوكل واليقين أولا وبالأخذ بالأسباب والاحتياط ثانيا , فأول الحديث لا عدوى ولا طيرة وآخره فُر من المجذوم فرارك من الأسد و حديث لا عدوى و لا طيرة  رواه الإمام مسلم في صحيحه  مع حديث لا يورد ممرض على مصح , وهذا الجمع المسؤول عنه بين  المصالح طبقته الدولة  في توزيع المواد الغذائية ففتحت دكاكين وفرضت احتياطات بتدخل رجال الأمن في بعض الحالاتً وصلاة الجمعة جزء من العلاج إذا سلمت مما يرافقها أحيانا من تواصل وزحام
فمن أعظم أسباب البلاء كثرة الذنوب (وما أصابكم  من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفوا عن كثير ) , وصلاة الجمعة من مكفرات الذنوب فمصليها يغفر له ما بينها وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام كما في صحيح مسلم .
وهنا نسال عن إمكانية إقامتها في الجوامع أو في بعضها ولو بإشراف رجال أمن , كما شوهد في توزيع الإسعاف أو في رقابة الامتحانات والانتخابات في ظروف أخرى. 
وهذا السؤال أو هذا الطلب لا يراد به خرق نظام ولا تجاهل رخصة يتعرض صاحبه لدعاء رسول الله صلى الله عليه  وسلم كما في سنن أبي داوود قتلوه قتلهم الله  . ... واستغفر الله واعرض الأمر الثاني  - وقد يترتب عليه سؤال بل أسئلة - فقد بدأت وسائل الإعلام تتحدث عن تأخير صيام رمضان هذا العام وقالوا إن جفاف  الحنجرة يعرض لضرر الفيروس ...ونعرف أن كثيرا من ذلك شائعات يتداولها عوامّ  و لنا ثقة بحكومتنا وهي تعرف ضرر الشائعات وفيها من يعلم علاقة حكم الحاكم بالعبادات  ونظن أنهم حتى إذا ثبت بعض ما يقال فلن يتعجلوا في اتخاذ موقف فهم أدرى بأنه من الحكمة  أن يترك الأمر أياما او أسابيع للعلماء والأطباء  يخوضون  فيه . 
وهناك رأي تسرب هذه الأيام  فهم منه أن حفظ النفس مقدم على حفظ الدين , وأود أن نقف عنده لعل العلماء يحررون لنا الصواب فيه . 
فمن المعلوم أن هذا  الدين الشامل الكامل فيه ما يصلح  وينفع ويكمل كل إنسان في مستويات متفاوتة  فاهتم مثلا بصلاح قلبه وبصحة جسمه وبنظافة ثوبه , وللشريعة مقاصد ضرورية و حاجية وتحسينية كما وضَّح أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات وغيره .
 والضروريات كما نظم شيخ الشيوخ سيدي عبد الله في مراقي السعود:
 دين ونفس ثم عقل نسب "" مال إلى ضرورة تنتسب
  وقد كثر احتجاج علمائنا به زمن هذا الوباء ليعلموا الناس وجوب حفظ النفس شرعا , لكن البعض فهم تقديم حفظ النفس وذكر أدلة كقول الشيخ خليل أو وجب لإنقاذ أعمي , وليس فيه تقديم النفس على الدين وإنما هو تقديم واجب فائت يسمح به وقت الصلاة كما في شروح المختصر والكفاف عند قوله وان تخف أذى شديدا فاقطع...ومعلوم أن تارك الصلاة يقتل عند الجمهور .
 ومما ذكر المحتج قول الله إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان وهذا ليس فيه تقديم للنفس على الدين وليس فيه تعرض للكفر , وإنما فيه اعتبار النية واختلاف إهل العلم في التلفظ بسوء لا يعتقده قائله , وفيه أن بعض الكلام الممنوع والسوء من القول يرخص فيه عند الإكراه  بالتورية أو بقدر الضرورة , ومن  تأمل قول الشيخ خليل فإنما يجوز للقتل كالمرأة لا تجد ما يسد رمقها إلا لمن يزني بها والصبر أجمل ... يعلم ان الموضوع هو اللفظ لا الكفر والتمثيل بالجوع والزنا وسدُّ الرمق يدل على خطورة المستوى .
وفي صحيح البخاري باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر , روى فيه حديث الذي يحفر له في الأرض و يجاء بالمنشار ويجعل نصفين فما يصده ذلك عن دينه , وخوفنا من هذا الفيروس الحقير ومن المرض لا يجوز أن يطغى على الخوف من الله وعلى الحرص على نعمة الإيمان وما يستطاع من العمل الصالح , وان كثرت الرخص فعندنا سلف أولو  عزم  ويقين  فقد روى البزار والطبراني بسند حسنه الحافظ المنذري  ابن عباس رضي الله عنهما عرض عليه أن يترك الصلاة أياما ليعالج بصره  قال لا  إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ترك الصلاة لقي الله وهو عليه غضبان .
 ومعلوم أن ابن عباس لن يترك صلاة واحدة  وان قدح العين لا يتطلب  ترك صلاة وإنما يتطلب الجلوس أو الاستلقاء , قال الشيخ خليل في الموضوع وصحح عذره . 
وهذا الوباء تضرر منه الكفار أكثر ولم يمت بسببه حتى الآن في أرضنا إلا شخص واحد  وربما يكون توفي اليوم في وطننا عشرات أو أكثر بأسباب أخرى لو اهتمت الدولة والشعب  بتلك الأسباب وزادوا التوعية والحذر  لنقصت مصاًب الموت , وأعظم ما أصابنا في هذه الأزمة أنا تركنا الجمعة ثلاث جمع متواليات والحمد لله على العذر ...ومما احتج  به على تقديم حفظ النفس آية  ولا تلقوا  بأيديكم الى التهلكة ومن قراها كاملة واطلع عل فهم الصحابة لها يعلم انه يدخل حفظ البدن في عمومها لكن يدخل قبله حفظ الدين  ففي صحيح البخاري أنها نزلت في النفقة , وروى أبو داود والترمذي وصححه وكذا ابن حبان والحاكم أن جيشا من المسلمين كان في مواجهة جيش عظيم من الروم فحمل مسلم على العدو فقال ناس ألقى بيديه إلى التهلكة فرد عليهم أبو أيوب الأنصاري بان الآية نزلت فيهم - الأنصار- لما قوي الإسلام وهم بعضهم بترك الجهاد قال أبو أيوب فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها...وتقديم الدين على النفس لا شك فيه  وهو المنصوص وبيت مراقي السعود المذكور يليه (ورتبن ...)
 وفي الكوكب الساطع قال الحافظ السيوطي """ فذو الضرورة كحفظ الدين "" فالنفس فالعقل فالانساب فمال...رتب بالفاء .
  وفي الإضاءة قال شيخ أهل السنة في قطرنا الإمام المقري ( والنفس والعقل كذا المال وجب  صون لها والعرض أيضا والنسب ) فعدها خمسة والدين فوقها , وقد احسن فقد ميزها العلماء واتفقت عليها الملل لمكانتها من الدين مع أن لها  جهات  يمكن أن تعتبر بها من الدنيا أما الدين فدين الله - الله اكبر - وكذلك الشيخ ابراهيم اللقاني صنو الإمام المقري  يقول في جوهرة التوحيد ( وحفظ دين ثم نفس مال نسب.  ومثلها عقل وعرض قد وجب ) فأقحم العطف بثم مع عبب عروضي  في بقية الشطر ان صحت النسخة التي عندي...ولم يكتف بالترتيب بالفاء كما فعل السيوطي واختار ثم وجاء بها بعد الدين خاصة , والفاء للترتيب باتصال  وثم للترتيب بانفصال ..والنقول في المعنى كثيرة وليس الهدف جمع أدلة علمية.
وكانت وقفة كما قلت سببها  كلام بلغني عن أشخاص اعتمدوا فيه على كلام لبعض علمائنا . والغائب على حجته وله غالبا عذر لا سيما إذا كان عالما .
والمراد التنبيه ونبحث معا لنصحح  الأخطاء ولنوضح  الطريق لطلاب باختيار الأقوال الراجحة والعبارات الواضحة مع ملاحظة قول الشيخ آدَّ رحمه الله (تزيين ما الشارع قد شينه  منها ومنها ذم ما زينه) ولعل  الأهم  الآن  أن نتذكر شعوبا وحكاما أنا إن جزعنا واحتطنا لهذا الوباء لا ينبغي أن نترك شيئا من ديننا  إلا لضرورة حقيقية غير متوهمة , مع الاستفادة من رخص الحنيفية السمحة عند الحاجة , ودين الله يسر , ومن احترق بعض خيمته أو خاف من الحريق فلا ينس التوحيد والدعاء والصلاة والصدقة ...وليتذكر ان نار جهنم اشد حرا.
الحاصل أن هذا الوباء نقصت معه معان وأرزاق , ونرجو منه تعالى أن يحفظنا ولا يجعل مصيبتنا في ديننا .
وقد جرب أن من انفع ما ينفع فيه تمام الانضباط وعسى الله أن بيسر لنا ما ينفعنا من الانضباط في الدين وفي الفتوى  وفي الأمن وفي الإعلام ونرجو من الله أن يغفر لنا ويرحمنا ويردنا لعيدنا وجمعتنا ردا جميلا شرعيا سنيا  لا إفراط فيه ولا تفريط ويحفظنا من مضرات المحن ومضلات الفتن ويبلغنا رمضان ونصومه ونصونه وييسر لنا باقي عرى الإسلام ولا نكون من شرار الخلق الذين لا يدركون منها شيئا  , فقد روى الإمام احمد في مسنده والحافظ ابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة  الباهلي رضي الله عنه رفعه لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ,  فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة  وهذا العام أغلقت فيه مساجد كثيرة وتحدث الناس عن تعجيل الزكاة وتاخير الصيام ومنع الحج ...والله يوفق رئيسنا ويؤيده ببطانة  صالحة وبأسباب القوة والتمكين ويكرمنا بان نكون ممن يتشبث بكل عرى الإسلام من الحكم إلى الصلاة...
والسلام أولا وآخرا على كل من يقف على المنشور من الموريتانيين بل من المسلمين 
كتبه عبد الله ولد  محمد  
غفر الله ذنوبه وستر عيوبه