نهج أردوغان ...الإمام الشيخ عبد الله أمينو

سبت, 11/07/2020 - 21:44

خطوة خطوة لا تمنح الخصم ذريعة الانقضاض عليك خير ...

   في السنوات الأولي من تولي الرئيس أردوغان رئاسة وزراء تركيا سألني أحد أصفيائي من مؤيدي حكمه : ما رأيك في إقرار إخوتنا الأتراك للعلمانية ونهج أتاتورك ؟ فقلت له ما خلاصته : أنْ لو وقع ذلك في بلد كبلدنا لم يغيَّب فيه الإسلام ذلك التغييب الذي حدث في تركيا ، وليس بين أجياله الناشئة في ظل ذلك التغييب وبين تعلم دينهم حاجز اللغة  والإبعاد المتعمد لكل ما يعين على فهمه ، لكان وصفه بالردة أمرا غير مستهجن ، أمَا والأمور على هناك على ما تركها عليه أتاتورك من سعي حثيث لمحو كل أثر للإسلام ، مع ما تلاه من إطاحة العسكر بكل حكم تشمّ منه رائحة التديّن فحسب الأتراك أن يُظهروا كل عام شعيرة أو خُلقا إسلاميا يميت -دون ضجة- مقابله مما مكّن له العلمانيون من جاهلية غربية .
   لست منتميا للمنهج الذي يقال إنه هو الخلفية الفكرية ل"لعدالة والتنمية" كما لست عدوًّا له طبعا ، ولكنْ ما أحسب إلا أن مثَلهم كمثل من يسمّن شاته وينظفها ليضحي بها إذا حان وقت التضحية .
لقد ذكرتني تعليقات المتحمسين الرافضةُ للثناء على أردوغان بمواقفه الطيبة -وآخرها إعادة أيا صوفيا مسجدا- ووصفهم إياه بالعلماني القح ، بتحمس الفتى الفاضل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز -على قرب العهد يومئذ بالخلافة الراشدة وقلة الانحراف مقارنة بواقع المسلمين عموما والأتراك خصوصا- وهو يقول لأبيه متعجلا تنفيذ خطوات الإصلاح - : ( يا أمير المؤمنين : ما أنت قائل لربِّك غداً إذا سألك فقال : رأيتَ بدعةً فلم تُمِتْها ، أو سنةً فلم تُحْيِها؟!) فأجابه والده -رحمه الله- : ( رحمك الله ، وجزاك من ولدٍ خيراً ، يا بني ، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدةً عقدةً ، وعروةً عروةً ، ومتى أردتُ مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمَنْ أن يفتقوا علي فتقاً تكثر فيه الدماء ، والله لزوال الدنيا أهون عليَّ من أن يُراقَ في سببي محجمة من دمٍ ، أَوَ ما ترضى ألَّا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت بدعة ، ويُحيي سنة ؟) .
   وهذا الموقف من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يستند إلى أصل أصيل من سنة التدرج التي نزل بها الوحي أصولا وتفاصيلَ ، وروعيت حتى في الحكم الواحد كتحريم الخمر ، وجَعَلت النبي صلى الله عليه وسلم يُعرِض عما يتمنى فعله للكعبة من بنائها على قواعد إبراهيم مراعاة لحساسية حديثي العهد بالكفر ، ثم بعد ذلك جعلت الإمام مالكا -رحمه الله- يفتي العباسيين بتركها على قواعد قريش التي أعادها إليها الحجاج مراغمةً لفعل ابن الزبير -رحمه الله- الذي نفّذ به أمنية النبي صلى الله عليه وسلم فبناها على قواعد إبراهيم .
   لا غنى لنا عن حماس الشباب واندفاعهم لإعادة الدين كاملا إلى واقع حياة المسلمين ، ولا غنى للشباب عن الاسترشاد بأهل العلم والحكمة -وإن آنسوا منهم ضعفا في اقتحام العقبات- فقد لا يخلو ذلك الضعف المتوهم من تحلي أصحابه بعزيمة النملة وهي تحاول الصعود بضِعف وزنها فتفشل مرارا غير أنها لا تَنِي ولا تفتر تحاول حتى يكون النجاح حليفها في نهاية المطاف ، فلا تتهموا النملة بالتراجع وهي تنزل لتأخذ قوة دفع جديدة .
   حري بالشباب أن يتهموا فهمهم حين يخالفون موقفا اتفق عليه أهل العلم والتجربة والبلاء في الدعوة من كافة ألوان الطيف الإسلامي .
   لأخي فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن زاروق "الشاعر" بحث قدمه في أحد المؤتمرات الشرعية بعنوان : التدرج في تطبيق الشريعة ، يحسن بنا أن نقرأه .
*الشيخ عبد الله بن أمين*