أبو بكر المامي: الخيال في الفن يفتح الآفاق أمام المسحوقين (مقابلة)

خميس, 25/12/2014 - 14:39

قال الشاعر الموريتاني الشاب أبو بكر المامي "إن الخيال في الفن هو القادر على خلق البديل وفتح الآفاق أمام الإنسان وأمام وجوه المسحوقين والوقوف معهم بكل شجاعة في المواقف الثورية" مؤكدا "أن الشاعر إنما يستمد وجوده وإحساسه وإلهامه من تلك المواقف".

 

وأضاف المامي ـ ردا على سؤال عن مكانة الأدب والثقافة في موريتانيا ـ ضمن مقابلة له مع "السراج" "أن كل الأشياء الجميلة في بلده معرضة للتهميش والإقصاء، الإنسان، والأدب، والثقافة عامة"، معتبرا "أن النضال من أجل أن يتبوأ المثقف مكانته المناسبة في المجتمع، نضال كبير يصب في صالح تحقيق المجتمع المنسجم مع ذاته".

 

وفيما يلي نص الحوار الذي أجراه صحفي "السراج" مع الشاعر أبو بكر المامي:

 

 

السراج: السلام عليكم، كيف حالك الأستاذ الشاعر أبو بكر المامي.

 

أبو بكر المامي: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

السراج:  بداية كيف كانت التجارب الأولى لبروز موهبتك الشعرية؟ وما هو آخر إنتاجاتك؟
 

أبو بكر: بداية أود القول أنني لم أنشأ في بيت من بيوت الشعر المعروفة به تقليديا، وإنما نشأت في أسرة كادحة من أجل لقمة العيش، مصرة على تدريس أبنائها رغم مشقة الظروف. ورغم ضعف المستوى المعرفي للوالدين، حفظهما الله وأطال عمرهما، إلا أنه كان لديهم وعي كبير وإحساس صادق بضرورة تدريس أبنائهم وبأهمية تصدرهم في الحياة كان هذا هو رأس مالهم الوحيد ورهانهم في المستقبل.

 في هذا الجو الطامح إلى إثبات الذات وتحقيق المجد ، أحسست منذ صغري أن لدي شيئا أريد أن أقوله، لدي ابتسامة أريد أن أبعثها إلى الإنسان، لدي فائضا من الحب أريد أن أوزعه على الآخرين، والأهم من كل ذلك داخلي ثورة أريد أن أفجرها نصرة للمظلوم ولكل ذي قلب منكس وفي هذا الخضم ولدت تجاربي الشعرية الأولى.

أما آخر إنتاجي فإليكم هذه الأبيات :
.
لُملمتِني من شتاتي حيث لا وطن
آوي إليه، ولا معنى لأُسْفَاري
 

برزتِ من نور إحيائي ملاحقة
معنى التشرد في ليلي وإِسْفَاري

أَبْدَعتني شاعرا من بعد ما صدأت
قصائدي وتولى ضوء أشعاري

سَمَوْتُ للطهر في عينيك يغسلني
وذبتُ في حبك المنجي من الناري

عرفت فيك طريق الله أسلكه
ومنك أصبح نهج الحب مضماري

السراج: هل المحيط العائلي والساحة الثقافية وخاصة الشبابية في موريتانيا كانت حضنا دافئا ومهدا أيد ميلاد قصيدة أبي بكر؟

 

أبو بكر: بكل تأكيد فإن الساحة الثقافية والشبابية في ثانوية تيارت بداية القرن ثم الجامعة فدار الشباب، شكلت كلها حضنا دافئا بل ومشجعا لتجربتي الشعرية في بدايتها وفي هذا الحضن ترعرعت ونمت.

أبو بكر: ما هو العامل الحقيقي الباعث على كتابة الشعر والنص الإبداعي لديك مع أنك خريج تخصص فلسفة وعلم اجتماع؟

أبو بكر: في البدء كانت القصيدة وكان الباعث على الشعر ـ ولا يزال ـ متمثلا في ممارسة الحياة والإقبال عليها، قبل التخرج من قسم الفلسفة وعلم الإجتماع،وعموما لا أجد أي تناقض بين المجالين بل إن كلا منهما يغذي الآخر ويتعايش معه بسلام تام.

السراج: إلى أي مدى ترى ضرورة التزام الشاعر الموريتاني بهموم وطنه وأمته؟

أبو بكر: المثقف عموما وليس الشاعر فقط مطالب بالالتزام بهموم وطنه وأمته بل إن الشاعر والفنان عموما يكون مطالبا بقضايا الإنسانية جمعاء أكثر من غيره، لما يتميز به من رهافة حس يجعله ينفذ إلى المشترك العالمي، إلى الأرضية الصلبة الجامعة لكل الشعوب ألا وهي أرضية الحب والجمال في مواجهة التوسع المتزايد للحقد والكراهية.

 

 

السراج: هل ترى أن مارد الأدب وشيطان الشعر قد يرضخان للموجهات الفكرية والأيديولوجية؟ وما هو شأن إنتاجك؟

أبو بكر: بكل تأكيد فإن التأثير متبادل فالشاعر الموجود بين جوانحي كائن طبيعي ينمو ويضمر يجمد ويتطور يثور ويتحرك ولا شك أن للموجهات الفكرية والأيديولوجية سطوتها ودورها الكبير في هذه العملية الديناميكية ، لعل سرعة التعاطي مع المواضيع اليومية والتدوين المستمر سيكون ذا تأثير سلبي على الإنتاج الشعري ذلك الإنتاج المتأني والمفاجئ في الوقت ذاته الذي لا يرتب موعدا والذي لابد له من مستوى معين من الهدوء مستوى من الوصول إلى ذروة الإحساس اتجاه موضوع معين أو شخص معين أو حالة معينة.

 

السراج:  أين أبا بكر الحقيقي هل هو أبو بكر الشاعر المبدع، أم أنه أبو بكر الحقوقي المفوه، أم الصحفي الموضوعي المحايد؟

أبو بكر: كل هذه الوظائف مجتمعة تعطيك أبو بكر المنحاز إلى الإنسان وذلك هو أبو بكر الذي يمثلني.

السراج:  كيف يمكن الجمع بين إنتاج النصوص الخيالية (الشعر)، والوقوف مواقف الاحتجاج عن المسحوقين بصوت جاد؟

أبو بكر: صحيح أن البعد الخيالي مهم في الفن عموما وفي الشعر خصوصا لكن الخيال الشعري لا يتناقض مع الجدية في المواقف الحياتية والإنسانية بل إنه يشكل جدارا سميكا تستند إليه فالخيال في الفن هو القادر على خلق البديل وفتح الآفاق أمام الإنسان ومن وجوه المسحوقين والوقوف معهم بكل شجاعة في المواقف الثورية يستمد الشاعر وجوده وإحساسه وإلهامه، إن أي شاعر لم يقف إلى جانب المسحوق وبشكل فعلي من خلال الممارسة النضالية يبقى ناقص التجربة قد يؤجر حنجرته في أي مرحلة للجلاد دون أن يدري حجم الكارثة التي وقع فيها.

السراج: إلى أي مدى يحترم الأدب والثقافة عامة في بلدك حسب رأيك؟

أبو بكر: كل الأشياء الجميلة في هذا البلد معرضة للتهميش والإقصاء، الإنسان، والأدب، والثقافة عامة، إن النضال من أجل أن يتبوأ المثقف مكانته المناسبة في المجتمع، نضال كبير يصب في صالح تحقيق المجتمع المنسجم مع ذاته الذي نسعى من خلال نضالنا إلى تحقيقه.

السراج:  هل تصدق مقولة "أن الثقافة تساهم بشكل كبير في التنمية وخاصة الاقتصادية" وهل انعكس ذلك على البلد والمثقفين؟

أبو بكر: بكل تأكيد فإن الثقافة قادرة على الإسهام بشكل كبير في التنمية وتطوير الإقتصاد، إذا وضعت محل الثقة والتشجيع من الجهات الرسمية، لكن ذلك لم يتحقق للأسف وهو الأمر الذي انعكس سلبا على البلد.

السراج:  كيف تقيم عمل اتحادات الأدباء ودور المؤسسة الرسمية في دعمهم ودعم المثقف بشكل عام؟

أبو بكر: بعد أن تحدثنا عن شق من المسؤولية عن الركود الثقافي وهو الشق الواقع على الجهات الرسمية، فإننا بالإجابة على هذا السؤال نأتي على الشق الأخطر وهو الشق المتعلق بالمثقف أو المبدع نفسه، يتعلق الأمر هنا بالأدباء أنفسهم متمثلين في اتحاد الأدباء،الذين يجدون رعاية مادية سنوية من الدولة ومع ذلك لا يعملون أي شيء للنهوض بالأدب، نشاطاتهم تقتصر على مهرجان سنوي يتيم، يوزعون فيه بعض المساعدات الاجتماعية مقابل الإلقاء، ويسعى كل واحد منهم على حدة إلى فرض أكبر عدد من قبيلته أو جهته أو أصدقائه للمشاركة في المهزلة، لنيل حظ أكبر من الكعكة، في الأمسية الواحدة من هذا المهرجان اليتيم، تجد أكثر من ثلاثين شاعرا يزدحمون على المنبر في ليلة واحدة ويندر أن تسمع من بين كل هذه القصائد ما يستحق الاستماع.

 

السراج: هل لديك كلمة أخيرة تقولها للمثقف؟

أبو بكر: أود أن أوجه دعوة ملحة إلى المثقف الموريتاني للاهتمام بقضاياه والوطنية وإبداء الرأي فيها، أريده أن يمس القضايا الكبيرة أن يدخل النقاش الوطني حول العدالة الاجتماعية وحرية المرأة والفساد ، أريده يكون جزءا من الحرب على الرجعية أن يكون فاعلا في النضال من أجل بناء دولة المواطنة.

 

أبو بكر:  أتقدم بجزيل الشكر إلى موقع السراج على هذه الفرصة الجميلة للحوار حول الثقافة والوطن.

 

السراج: شكرا لك على إتاحة مثل هذه الفرصة لنا للقائك.