الأُفق الغائب المنشود / بقلم عبد الفتاح ولد اعبيدن

اثنين, 06/02/2017 - 11:17
عبد الفتاح اعبيدن

إنما تعيشه فرنسا هذه الأيام من بحث إعلامي وسياسي وقضائي في شأن أكبر المرشحين، بتهمة مداخيل غير مُستحقة، لصالح زوجته وبعض أُسرته، أيام كان في البرلمان، يُثير الكثير من الإشفاق لدينا، على ساستنا وسياستنا، فولد عبد العزيز على سبيل المثال لا الحصر، على رأي البعض، أكل الأخضر واليابس وبعض أهله وبعض حاشيته، ومع ذلك لا يستحي ولد اجاي وزير المالية من تقديسه تقريبًا، وتجاهل كافة أوجه التلاعب بالمال العمومي، سوى بعض التلاعب بالألفاظ تحت شعار الشفافية، كما لا يستحي محمد الأمين ولد الشيخ الناطق الرسمي باسم حكومتنا البائسة من "اتمصاص" والثناء المطلق على التجربة الحكومية القائمة، رغم ما هو معروف من تحايل ولد عبد العزيز ومافياه على الشأن العام، عبر انقلابين وعبر أُسلوب مفعم باستغلال النفوذ، قصد إثراء نفسه ومقربيه، وبأسلوب فاحش متواتر، لا مواربة عليه ولا غضاضة منه ولا حياء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل عدة قرون مضت، من رواية أبي داوود "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستحى فاصنع ما شئت".

وهذا الثناء على الباطل معهود في موريتانيا وهو ديدن الكثيرين خوفًا وطمعًا، حتى أضحى قريبًا من إجماع وطني، مثير للشفقة بحق، أما هؤلاء الفرنسيون، عندما ظهرت مجرد التهمة ضد مرشح رئاسي بارز، استحال دعمه في نظر كثير منهم، أو حتى تأكيد مواصلة ترشيحه.

هذا المثل وحده من أخبار الساعة ضمن الجولة الرئاسية الفرنسية، يؤكد بالمقارنة سقوطنا في الوحل، وإدماننا على الفساد المتنوع الواسع.

إننا في موريتانيا ولو على مستوى الأقلية المنافحة المصابرة، نصبو إلى شورى بدل تسميتها بالديمقراطية، تكرس قيّم الإسلام والعدل، والطابع الإسلامي هو المجسد لخصوصيتنا الحضارية، ولأننا نلتقي مع بعض النخب الديمقراطية الغربية في رفض مجمل الانحراف والفساد مع الاختلاف المشروع الطبيعي في بعض المفاهيم، إلاّ أن التأكيد على الشفافية والاستقامة قاسم مشترك.

في هذه الأيام وقبل ذلك بأشهر طبّل ولد غزواني في الخفاء لزيادة عمر الخدمة العسكرية، دون الوصول للجنرالات وما فوق، انتظارًا ربما لموعد خروجه من هذه الخدمة العسكرية، حسب النظام الزمني السابق.

وللتذكير، يحل وقت تقاعده في سنة 2019، ليكون حسب توقع البعض مُرشح العسكر في تلك الفترة، إثر خروج محتمل لعزيز.

هذا التمديد لعمر الخدمة العسكرية بهذا الأسلوب، ربما يكونُ نمطًا مكشوفًا من شراء ضمائر العسكر، ومحاولة التمرير لاستمرارية الحكم الانقلابي وتحكم المؤسسة العسكرية، مع تأمين مصالح عزيز، وربما لاحقًا تكليفه برئاسة الوزراء في عهد خلفه المرتقب غزواني، أيُّ لعبة قذرة هذه.

إنها ربما محاولة مُستمرة للتلاعب بالشأن العمومي والمال العمومي.

الأُفقُ الغائب المنشود الذي نصبو إليه، لن نعيشه إلاّ مع تعزيز وتطبيق منظومة قانونية، أساسُها الأول الشرع الإسلامي مع فك الارتباط مع الحكم العسكري وعودة الجيش للثكنات ومهمته الحرسية الدستورية الجمهورية الأصلية، وما سوى ذالك غيرُ مقبول، وجُرِّبَ إضراره بالبلد وإفساده لكل المرافق العمومية، وتعويقه لمهابة الدولة والتناوب السلمي على السلطة، بعيدًا عن الإملاء أو الضغوط الخارجية.

إننا نتوقُ إلى عهد تكونُ فيه الشخصيات العمومية دون استثناء عُرضةً للمُساءلة الإعلامية والسياسية والقضائية الدقيقة المؤثرة، حتى لا يُركبَ الشأن العام ويُستَغل على أبشع وجه، كما هو الحال منذُ نشأة هذه الدولة، إبان استغلالها الناقص 1960، وحتى لا يضيعَ أيُّ حق خاص أو عام، كما نتوقُ إلى تقوية المنابر الرقابية والإعلامية، وتنفيس الخلافات المُختلفة عن طريق حُرية التعبير، بعيدًا عن الصدام السوقي، ومن لم يكفه حق الرد، فله الشكوى عند القضاء، الذي يُفتَرَضُ أن يكون محايدًا عادلاً، حتى تتحول الشتائم والنزاعات حول الشأن العام مهما علَتْ، من الأسواق والمكاتب والميادين الخاصة والعامة، إلى ساحات حضارية، إعلامية أو سياسية أو قضائية، محكومة بقوانين مناسبة منصفة للجميع.

ومن المتَوقع في مثل هذا الجو الإعلامي والسياسي والقضائي المنشود المُرتَقب، أن تشتدّ هيبة الحق والدولة، وكلُّ من شكا من التحامل أو المساس غير الملائم، لجأ إلى المرفق الذي يُنصفه بالقانون والعدل، بعيدًا عن قانون الغابة والحصانات المضيعة للحقوق.

أما بمُجرد خروج حاكم عسكري انقلابي متغلب ليحل محله آخر بحساب دقيق، لحماية مصالح المستبد المنسحب باضطرار ربّما، وحماية مصالح بقية زُمرته الانقلابية المافيوية، فهذا تكريس لنفس اللعبة واحتيال صريح على الأمر العمومي، وهو أُسلوب لن نقبلَ به البتة، رغم استسلام السواد الأعظم وضعفه.

وفي انتظار إعادة إرساء الدولة على نمط حُكم إسلامي عادل، قد تبقى على الأرجح المجالات الحيوية الأُخرى، محلّ ترهل وضعف وفشل، سواءً تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو الاقتصاد وهي مجالات استعجالية ينبغي أن تشملها حالة الحُلم والطموح والرغبة الجادة في التغيير نحو الأفضل، رغم الحاجة الأولوية لخلق نواة إصلاح مركزي، يُفضي تدريجيًا لهذه المجالات المُلحة، التي تئن بصوت مُرتفع، تحت وطأة الإهمال والتلاعب الفاضح النوعي.

وإننا جميعًا مدعوون كل من جانبه لحشر نظام الاستبداد والتلاعب في أضيق الزوايا، عسى أن نقترب بإذن الله من يوم الخلاص والانعتاق من ربقة الاستعباد للحكم العسكري ومافياه المستفيدة المنافقة.

ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعد.