إلى القضاء يا "حضرات" الإمام / محمدُّ سالم ابن جدُّ

جمعة, 17/02/2017 - 10:55
الكاتب محمدّ سالم جدّ

سمعت أواخر أيام 1992 مَن توقع تعيين أئمة من رجال الشرطة! أضحكني كلامه كما أضحك الحاضرين، وإن لم أر فيه أكثر من كاريكاتير لفظي يلخص القبضة الأمنية لنظام يبتعد يوميا عن جادة الصواب، فيريد إخراس كلمة الحق أو استتباعها، لكن الأيام سرعان ما أثبتت صدق تلك الدعابة بزيادة، وظلت مؤكِّداتها تترى..

كنت يوم سبت (وكان يوم عمل) مع أحد الشخصيات المهمة في قطاع التوجيه الإسلامي في مكتبه حينما هاتفه من بدا لي وزيره طالبا حصيلة الرقابة على المساجد؛ وذلك أيام تعلق النظام بالصهاينة، وفوجئت بأن المسؤول الفقيه الذي لم يتحفظ مني (ربما لصداقتي وإياه) يتحدث كأي مخبر سري: مسجد كذا صليت أنا الجمعة فيه وخطبته عادية، ومسجد كذا صلى فيه فلان وقال الخطيب كذا، ومسجد كذا صلى فيه فلان وخطيبه حاد بطبعه.. كل ذلك وأنا أعجب من صدق حدس زميلي الآنف الذكر.

وتمادت السلطات في توسيع دائرة الجواسيس الذين تدنت جدواهم إلى حضيض الحضيض؛ لدرجة أن سائق سيارة أجرة سرح من الجيش قبل عامين يطرد الرئيس (القائد الأعلى للجيش) من مقر الرئاسة بدبابات الجيش ورجاله، ويرغمه على الاختباء ثمانا وأربعين ساعة، مع ما ميز تلك الحقبة من بث العيون في المساجد والشوارع والمساكن، ومع تقلص الوطن والشعب إلى شخص الرئيس! فما أغنوا عن سادتهم ولا أطالوا حكمهم، ولا أمنوا المواطنين الذين عهد إليهم (نظريا) بخدمتهم، ولا دلوا على خير ولا جنبوا شرا.

ولدرجة أن مطلوبين رصدت علاوة لمن جاء بهم أو دل عليهم يحضر بعضهم المؤتمر الصحفي الأسبوعي للناطق باسم الحكومة، ويتسوق بعضهم منتقيا الصحف ومطالعا إياها ضحوة أمام افاركو! 

ولدرجة وضع شيخ فاضل في إقامة جبرية برهة من الزمن بفرية من إمام مسجد مجاور له.

ولدرجة تجنب البحث عن ممزقي المصاحف في جريمة تيارت (في العهد القريب) واعتقال الإمام عدولا عن الطائفة ذات الشوكة ونكوصا عن الواجب.
من آخر إنجازات الأئمة الذين خلعوا الفضيلة واستحقوا النداء بـ"حضرات" كما يعظم الشرطة كبراءهم، أن أحدهم دفعه الإفلاس وضعف الأداء الاستخباري إلى أن وشى سنة 2015 بمراهق دون العشرين من جماعة "مسجده" فاستل من بين أبويه وإخوته وهم على أهبة العشاء واعتقل بتهمة الإرهاب وهو الذي لم يلمس سلاحا في حياته، وأمضى عامين وراء القضبان تعرض فيهما لأنواع التنكيل ظلما وعدوانا.

واليوم وقد حصحص الحق فبرأ القضاء الغلام من فرية الإمام / المخبر فعلى حضراته أن يستعد لأخذ حق مظلوم ضاعت فترة من زهرة شبابه بسبب وشايته الآثمة، وحق أسرة مكلومة عانت الأمرين ماديا وبدنيا ونفسيا جراء إفكه وبهتانه؛ لا بالعنف ولا بالزور ولا بالفحشاء وإنما بالسبل الشرعية؛ مسلحين بالبراءة الأصلية مؤكدة بحكم قضائي.

فإلى القضاء يا "حضرات" الإمام.