عاد الحديث من جديد عن السوق المركزي للعاصمة نواكشوط المعروف شعبيا ب " مرصت كبتال " أقدم سوق فى البلد وأكثره حيوية ونشاطا وأغلاه ثمنا بعد أن أرسلت وزارة التجارة رسالة تطالب بإخلاء السوق المذكور قبل نهاية 2017 استعدادا لهدمه من طرف الدولة بسبب عدم صلاحيته للإستخدام وخطره على المواطنين حسب بيان الوزارة .
لم تكن هذه الرسالة هي الأولي من الدولة لملاك السوق ولا حتى من الوزارة نفسها إلا أنها جاءت بعد سنوات ثلاثة من الشد والجذب واللقاءات بين مسؤولين حكوميين من بينهم رئيس الوزراء وبعض الوزراء ما جعلها تؤخذ على الجد من الملاك الذين يرون فى الأمر غرابة لم يصلها تصورهم من قبل واستهتارا بالأملاك الشخصية التي على الدولة حمايتها بدل مصادرتها بدون وجه حق .
بداية الحكاية

قبل ثلاث سنوات وصل إلى السوق المركزي أمر من وزارة التجارة بضرورة إخلائه فى ظرف أسبوع من أجل هدمه بسبب خطره على المواطنين وعدم جاهزيته وهي الرسالة التي بدأ التحرك سريعا معها من طرف الملاك والمؤجرين فى وقفات ومسيرات من أجل رفض الموقف واعتباره مجحفا وظالما وغير مقبول .
شكل الملاك لجنة مشكلة من المجموعات القبلية الأكثر ملكية فى السوق حيث كانت خطوتها الأولي لقاء وزيرة التجارة السيدة الناهة منت حمدي ولد مكناس والتي كان ردها واضحا " الدولة قررت عدم بقاء ذلك السوق على الإطلاق"
خرج الملاك وهم فى حيرة إذ كيف يتصور لملك شخصي منذ ما يزيد على نصف قرن أن يؤخذ بجرة قلم رغم حماية الدستور له وارتباط كل استثمارفى البلد به وباحترامه
دراسات من أجل الحقيقة

فتح الملاك مناقصة من أجل اختيار مكتب دراسات معتمد يعد دراسة موضوعية عن السوق لمعرفة الخلل ومكانه وكيفية معالجته وهو ما استقر أخيرا على أحد أهم المكاتب المتخصصة وهو مكتب cotem والذي باشر عمله فى السوق المركزي وخلص إلى تقرير مكتوب أكد فيه أن السوق ليست مهددة بالسقوط على الإطلاق ولا تمثل خطرا على المواطنين وأن هناك أمتارا معدودة فى طرف تعرضت لحريق يمكن ترميمها للإطمئنان .
ولم يكتف المكتب بهذا بل أرشد إلى أنه تمكن الاستزادة فى التطوير بنزع السقف للجانب العلوي من السوق وتغيير بلاطه من أجل مظهر أحسن له وإدخال تعديلات فى الشكل فقط لا علاقة لها بصلب السوق ولا قوته .

أخذ الملاك الدراسة وفتحوا مناقصة لشركات بناء من أجل القيام بعمليات الترميم وتم اختيار ست شركات لذلك حرصا على إنهاء الأشغال كلها فى ثلاثة أشهر وتناوب الشركات على أطراف السوق واشتراط أن يبدأ العمل الثامنة مساء وينتهي الثانية صباحا ليظل السوق يقوم بعمله بشكل طبيعي فى النهار .
معركة إذن البناء
حمل الملاك الدراسة والاتفاق وطرقوا باب الرئيس فرفض , ليستقبلهم الوزير الأول يحي ولد حدأمين الذي قدموا له الدراسة حول السوق ودراسة الترميم والاتفاق مع الشركات التي ستقوم بالعملية فكان رد الوزير هذا ملككم ولا أحمد يمكنه انتزاعه منكم على الإطلاق ولا تنتظروا أي شيء فقط ابدأوا بالعمل ولن يمنعكم أحد لكن الوزير الأول ظل يرفض ورقة مكتوبة من أجل العمل وهي التي اشترطتها الشركات لتبدأ اعمالها.

طرح التجار طلب إذن للبناء عند الوزارات الوصية وعند ولاية نواكشوط وبعد سنة وتزيد من الانتظار أبلغ الوالي أحد أصدقائه أنه لا يمكنه إعطاء الجواب لأن الدولة ترفض ذلك .
لقاء جديد
قبل سنة اتصلت الخزينة العامة للدولة بلجنة التجار حيث عقد لقاء ضم كلا من المدير العام للخزينة ومدير عقارات وأملاك الدولة وأحد مستشاري الوزير الأول وكان هدف اللجنة هو إقناع الملاك بشراء سوق جديدة تم تشييدها .
كان الفريقان كلهم فى واد حيث ينصب اهتمام فريق الدولة بالتزام التجار بشراء سوق جديد وكان هدف التجار ترك سوقهم المملوك لهم والعمل داخله وقبول المنافسة من طرف كل الأسواق الجديدة والتي ليست سوق الدولة وحده
انفض الاجتماع دون الوصول إلى نتيجة وبطريقة غير ودية وغادر التجار مكتب المدير
أسواق تبني وآخر يهدم ؟؟
.jpg)
شيئا فشيئا اتضحت الصورة يقول التجار حيث تم بيع عدة مدارس وشيدت مكانها أسواق وكلها تحيط بالسوق الكبير وكان أهم هذه الأسواق هو السوق المملوك للدولة فى المقر السابق لإحدي الوحدات العسكرية
كان الهدف واضحا وهو إرغام التجار والمؤجرين على ترك السوق الكبير والإيجار فى السوق الجديد الذي بنته الدولة وتريد إرغام الناس عليه لكن بشروط مجحفة بغير المالكين فكيف بهم
تعتمد سياسة الدولة على أن ملاك السوق الكبير مقدمون فى امتلاك السوق الجديد ولكن دون أي اعتبار لفارق سعر الأرض ولا سعر البناء حيث تعطي الدولة لكل مالك سابق متجرا فى السوق الجديد دون أن يحق له تملك ما فوقه كما كان سابقا وعلى شرط شراء البناء نفسه إذ البديلة وقعت فقط فى القطعة الأرضية رغم أن المتر المربع فى السوق القديم يبلغ سبعة ملايين أوقية بينما تظل أرض السوق الجديد بست مائة ألف فقط
اتضح للتجار أن الهدف من هذا كله هو تأجير السوق الجديد لكن الأمر ليس اختياريا بل ظل إجباريا ولا مجال إلا لتنفيذه
لقاء التهديد والوعيد
قبل شهرين اتصلت الدولة بالتجار حيث وجدوا فى استقبالهم وزير المالية والاقتصاد ووزيرة التجارة ووزيرة الإسكان فتم لقاء صريح وقوي كان أبرز مظاهره كلام وزير المالية أن الدولة تستطيع أخذ ما تريد ولديها الجيش والشرطة وستغلق المكان كله وتهدم السوق ولن يتكلم أحد
وأن هناك خسارة سيتحملها التجار لأن هذا قرار من الدولة ونحن نريد تخفيف الخسارة يضيف الوزير دون أن نقول إننا سنمنعها

كان رد التجار على الوزير أن الدولة هي الحكم ولا يمكن أن تكون خصما وأنها تبيع المدارس وتبني أسواقا مكانهم وفي نفس الحيز الجغرافي لسوقهم وأن هذا السوق هو أقدم سوق وأقواه ملكية حيث بنته شركة فرنسية وباعته ويملكه عشرات التجار بوثائق رسمية تثبت الملكية منذ عشرات السنين وأن أخذه بهذه الطريقة دون الحديث عما سيكون فيه هو أمر مرفوض ورسالة سلبية لكل المستثمرين فى موريتانيا ولكل المواطنين فحين يكون المواطن غير آمن على أملاكه ومن طرف الدولة يكون الأمر فى غاية الصعوبة
عرض التجار على اللجنة الوزارية شراء السوق منهم بثمنه الحالي وبناء ما تريد مكان فيكفي أرغامنا على بيع ما نملك منذ عقود وفى وطننا ومن طرف دولتنا لكن رد الوزير كان بالرفض
تساءل التجار لماذا لم يسقط السوق حيث تفصل الفترة الزمنية بين رسالة الوزارة التي طالبت بإخلائه خشية السقوط واليوم ثلاث سنوات والسوق لم يسقط ولا يبدوا عليه ذلك لكن الوزير لم يجب
تساءل التجار عن شروط المصادرة للأرض وهي أن تكون من أجل نفع عام وأن يعوض لملاكها تعويض مجز وهما شرطان لا يتوفران فى المصادر اليوم فلم يجب الوزير
تساءل التجار عن الهدف من الإصرار على هدم سوق قائم وعامر فى الوقت نفسه تكابد الدولة بناء أسواق أخري جديدة فى أماكن باعتها قبل فترة فهل الهدف هو بناء الأسواق أم هناك استهداف خاص بهذا السوق فلم يجب الوزير.
وزيرة التجارة تدخلت فى الاجتماع وسألت التجار هل أنتم مستعدون لبناء هذا السوق بعد أن نهدمه ؟ حيث أكد التجارأنهم ليسوا مستعدين لبناء المهدوم ولكنهم مستعدون لترميمه اليوم إذ لا حاجة لهدمه على الإطلاق
مشكل اجتماعي صامت
فبالرغم من أن السوق يغطي حاجيات ما يزيد على ست مائة ألف نسمة إذا تم احتساب التجار وغيرهم داخليه وأسرهم بمعدل متوسط وأغلب ملاكه اليوم ورثة وتلك رسالة مهمة فى طول الملكية وتشعبها فإن هذا ليس المشكل الأكبر فيه رغم حضوره إذ يظل مشكل المنافسة التجارية من طرف أباطرة المال فى الدولة والمقربين اجتماعيا من الرئيس أمر حاضر وله الدور الأكبر فى المجال حيث تقول مصادر إن المدارس التي تم بيعها فى المحيط والتي تبلغ ثلاثة طرح كل من اشتروها سؤالا حول منافسة السوق الكبير لهم فكان رد البائعين (الدولة) أنهم يضمنون التغلب على تلك العقبات ومحو السوق القديم من الوجود .
يبرز سؤال آخر حول الصراع الخفي بين مجموعات قبلية نافذة على هدم السوق وجعله فى خبر كان وبين أخري تعتبر نفسها هي المالكة له والرافضة لبيعه ولن تقبله تحت أي ثمن.
هل إلى خروج من سبيل
يناشد مكتب التجار كل الموريتانيين بغض النظر عن انتماءاتهم للوقوف إلى جانبهم والدفاع عن ملك خصوصي منذ عشرات السنين تتم مصادرته دون وجه حق ودون بيع أو تعويض من طرف الدولة ويهدم مع تأكيد المختصين أنه لا حاجة لذلك ويطلعون الرأي العام على كل تفاصيل القضية ويؤكدون أنهم ليسوا متسيسين ولا علاقة لهم بالسياسة .
ويبعث التجار برسالة إلى كل موريتاني أنه عندما تتم مصادرة الملك الخاص المحمي بالدستور فإن للأمر عواقب اجتماعية واقتصادية كبيرة وخطيرة لن يقبل المستثمر بعدها الاستثمار فى موريتانيا ولن يرتاح أي موريتاني له مضيفين أن للدولة من الأماكن ما تستطيع أن تشيد فيه ما تريد ولها أن تمنع بناء سوق هناك رغم عدم قانونية ذلك لكنه ليس لها الحق فى مصادرة أراض مملوكة لمواطنين دون أبسط دليل ولو كان غير مقنع .
وتبقي أسئلة عديدة حائرة بين الدولة والتجار حول ماذا بعد الهدم
هل تبقي الأرض عند اهلها وملاكها للبدء فى استغلالها من جديد؟
هل قررت الدولة أخذ الأرض عنوة من أصحابها ؟
ماذا ستشيد الدولة فى تلك القطعة الأرضية الأغلي فى موريتانيا ؟

.jpeg)
.jpg)