ميشيل فوكو أو تحويل المرض إلى إيديولوجيا / أحمد فال الدين

سبت, 2024/01/20 - 13:00
أحمد فال الدين - صحفي وروائي موريتاني

تنام تونس مبكراً، خاصة نهاية الستينيات. لكن حركةً مريبةً كانت تنتعش في مقابر منطقة سيدي بو سعيد.

حيث كان الفيلسوف ميشيل فوكو، مالئ الدنيا يومَها، يتسلل برفقةَ مجموعة من الأولاد القُصَّر (الغالب أنهم أطفال شوارع) إلى المقابر.

 

وهناك على نُصُب الموتى يقوم فوكو باغتصاب الأطفال التونسيين بعد التغرير بهم بالمال والكلام. وهذا المال الذي يسرق به طفولتَهم ويبتزّ به فقرَهم حصل عليه من التنظير للعلاقة بين السلطة والمعرفة.

 

هذه القصة نشرتها التايمز البريطانية يوم 28 مارس/آذار 2021م استناداً إلى اعترافات صديقه المؤرخ الفرنسي غاي سورمان (77 عاماً). وليس في القصة جديد يتصل بشذوذ فوكو، فهو شاذ معلوم الشذوذ. بل الجديد ممارستُه ذلك الشذوذ على أطفال تونس تحت سلطة المعرفة والمال والحصانة الاستعمارية، مع تواطؤ من النخبة الفرنسية التي رأته وكتمانها للأمر.

 

فقد علق غاي على الحادث بأن فوكو “لم يكن ليتجرأ على التفكير في فعله أبداً في فرنسا، وأن من بين من رأوه مراسلون وكتاب لم يتجرأ أيٌ منهم على كشف الخبر لأن فوكو كان إلهاً في فرنسا”.

 

لقد ظل اليسار التونسي مهووساً بفوكو مفاخراً العالَم بأنه قضى عامين في تونس. وهي مرحلة تُثبت الأيام أنها ممَّا لا ينبغي أن يفخر به الأحرار. فقد شهد طلابُه بأنه كان يحاضر فإذا ما أحس بالحاجة إلى التبول فتح أزراره وأدار ظهره وبال أمامهم في الساحة الحمراء بكلية العلوم الاجتماعية والإنسانية.

 

وتأتي هذه التفاصيل اليوم لتثبت أن من كان يبول على جدران الجامعة نهاراً أمام الكبار، كان يغتصب الأطفال ليلاً كذلك. لقد كان فوكو كاتباً مسكوناً بالتأويل، ولا تندُّ عن ذهنه دلالة أي فعل رمزي، ولذلك يصعب عليّ عدمُ تأويل تبوله على جدران الجامعة عمداً.

 

تلك الجامعة التي كانت ترتعد تبجيلاً له وما تزال. وهي الجامعة ذاتها التي ضايقتْ طه عبد الرحمن وطردته لأنه كان يُبسمل في بداية دروسه بداية التسعينات، ورحبت بفوكو الذي كان يتبول وسط دروسه. وذلك حديث طويل في باب العبودية الثقافية.

 

العقل المريض

 

تميز فوكو بعقل نفَّاذ وقدرة لغوية أخاذة، فمن يقرأ كتاباته يشهد له بثراء الخواطر، والقدرة الفائقة على التوليد والتأويل والتفاعل مع النصوص السلفية الغربية من الإغريق إلى عصر النهضة.

 

لكنه كان يعاني أمراضاً نفسية مستحكمة حددتْ مسار كتابته وأطروحاته، والمتأمل في ما كتب يرى أنه لم يخط حرفاً إلا في سبيل مشروعه المتمحور حول الدفاع عن الشذوذ الجنسي الذي كان يقض مضجعه ويملك عليه خواطره ويمنعه من الحديث عن طفولته.

 

فقد عيره بعد وفاته عشيقه المؤرخ جون بول آرون (مات أيضاً بالإيدز) بأنه جبُن طويلاً قبل الاعتراف علناً بشذوذه، وهذا الصراع الداخلي الذي كان يعتمل في نفس فوكو كان محورياً في نمط تفكيره.

 

يمكن تلخيص مشروع فوكو في أنه يتمحور حول تفكيك الخطاب وعلاقاته الملتبسة المتكئةِ على أشكال السلطة. وتدور تلك الأفكار على تمجيد الهامش والمُوارى والمحرَّم، وتسويغِ حضوره وجذبه للوسط.

 

وقراءةُ مقابلات الرجل، خاصة في المرحلة الأخيرة من حياته، تثبت أن باعث تلك الأفكار إنما هو عقده الجنسية وأمراضه السادية الشاذة (sado-masochism) . فقد كان يهيم بالسادية الجنسية الشاذة المشوبة بالتعذيب والآلام، وظلّ يطاردها في الأماكن المعتمة في سان فرانسيسكو حتى السنة الأخيرة من عمره، وكان أصدقاؤه يحذرونه من عواقبها على صحته لكن هواه كان غلاباً (, 1993. James Miller, The Passion of Michel Foucault, 26).

 

عاش فوكو لهمّ إيديولوجي واحد هو تسويغ الشذوذ وعقلنته وصناعة حيّزٍ مقبول له في المجال العام. لكنه قنَّع ذلك المنزعَ بعموم الحديث عن الحرام والجسد والمتواري والممتنع والهامش.

 

وقد حمل فوكو الخصائص النفسية والسلوكية لأصحاب المذاهب والدعاة المؤمنين برسالاتهم في الحياة.

فعندما أخبره الأطباء بمرضه القاتل (الإيدز) لم يسأل إلا سؤالاً واحداً: كم بقي لي من العمر؟ وانكب ليله ونهاره، رغم الآلام، يعمل لإخراج موسوعته عن الجنس والجسد حتى سقط في مطبخه صبيحة من صابحات يونيو/حزيران 1984، ليموت بعد ذلك بأسابيع.

 

لقد كان فوكو مريضاً يستحق العطف لو لم يحوّل أمراضه وساديته إلى إيديولوجيا مُغلفةً بالحجاج الفكري واللغوي، فخلال أيامه الأخيرة على سرير مستشفى (Pitie-Salpetriere) اعترف لعشيقه الأقرب هرفي غيربت (Herve Guibert) بكثير من عُقد الطفولة التي رآها متحكمةً في مساره الفكري والنفسي (Miller, 365-66).

 

وهي أمور تقود للتعاطف معه شريطة أن لا يحول نتائجها إلى مذهب يدعو له الأسوياء الأصحاء. فمن لديه مشكلة نفسية عليه التعاطي معها في المصحات، لا أن يحولها إلى إيديولوجيا يُمرض بها الجماهير المعافاة.

 

بين المعرفة والعدالة

 

قد يقول قائل إن التردي الأخلاقي للمفكر لا يعني قراءه في شيء. فالكلمة المكتوبة تُحاكَم منبتةً عن كاتبها، وهو أمرٌ دعا له فوكو كثيراً بعبارته المعروفة: “من يبالي بالمتحدث؟”.

 

غير أن فوكو يصرح في مناسبات أخرى مراراً بأن فهمَ الميول الجنسية للكاتب ضروري لقراءة مشروعه وفهم أعماله. (Miller, 19). وقد سبقه العقاد إلى القول بأن الحالة الجنسية للمرء من أعلق الأمور بفكره لارتباطها بفضاءات مختلفة من مزاجه وميوله وتكوين شخصيته.

 

ثم إن فوكو اعترف مرة بأن كل كتبه إنْ هي إلا سيرةٌ ذاتية له بصيغة ما. ثم نصح محللي النصوص والكتاب عند قراءة أي مفكر أن يتوقفوا عند دفاتره السرية وطريقة موته لفهم نصوصه ومسيرته. وكان موته بالإيدز نتيجة الشذوذ السادي تجسيداً لذلك الأمر أو تمليحاً متعمداً له.

 

لقد اعتنى المسلمون أيما عناية بفكرة العدالة باعتبارها ضرورةً للمعرفة. فالعلم المنفصل عن العدالة يقود إلى التدمير، ويتحول إلى سلاح فتاك بيد صاحبه.

 

ولذلك لم يتسامح المسلمون في السند المعرفي، وكانوا شديدي التوقي، يلغون رواية أي شخص تلطخت سمعته بما ينافي سمت العلم ولوازم المروءة. غير أن الثقافة الغربية الغالبة اليوم تحاول صبغ العالَم بصبغتها المفرقة بين التنظير والسلوك، وبين الضمير وسِنان القلم.

 

وبالجملة فقد كان فوكو كاتباً فذاً مريضاً استطاع استصناع حواريين ما زالوا ينشرون محاسنه ويطوون مساوئه. وما زال كثير من الأكاديميين يمدون رقابهم لحظة الاستشهاد بكلامه، ويلوون أفواههم عند النطق باسمه.

 

كان المسلمون يقولون: “انظروا عن من تأخذون دينكم”.

وهي كلمة كثيفة الدلالة.

 

فإذا كان الإنسان يتمنى أن يكون من يُعدّ له طعاماً في مطعم عدْلاً مؤتمناً، فحريٌ بالعاقل أن يتحرى العدالةَ في من يستهدي به في القضايا الخطرة الهادية في فجاج الحياة، المرتبطة بتفسير معنى الحياة والموت.

الفيلسوف الفرنسي مشيل فوكو