الشيخ سيديَ بابَه وموقفُه من نازلة الاستعمار (ح12)

أربعاء, 2015/07/29 - 23:12

(حقائق - تساؤلات - تحليلات - تصويبات - وثائق)

أحمد بن هارون ابن الشيخ سيديَ

ahmedharoune@gmail.com

يتواصل في هذه الحلقة ذِكْرُ بعض الوقائع والوثائق المتعلقة بحقبة الاستعمار وما سبَقها من أحداث ممهِّدة لها. وقد يجدر التذكير بأن نشر طرَف يسير من الوثائق المذكورة لا يهدف إلى تصويب موقف معيَّن أو تخْطِئَة آخر؛ وإنما يتلخص الهدف من وراء ذلك كله في أمرين اثنين:

أولهما المشاركةُ في رصد التطورات والعقليات والأدوات التي كان الحكام الفرنسيون يستخدمونها لخلَق تحالفات وإبرام معاهدات تساعدهم، في مرحلة أولى، على ضمان مصالحهم في الضفة اليمنى لنهر السنغال، ثم التسلُّلَ، في مرحلة أخرى، وفي الوقت المناسب، من مستعمرتهم السنغالية إلى عمق صحراء موريتانيا.

الأمر الثاني، هو الدعوة إلى رسم صورة تاريخية أكثر واقعية وشمولية وأقلَّ نمطية مما تتخيَّله الأذهان العاطفية البسيطة والأهواء السياسوية والإيديولوجية المهيمنة على طاولات نوفمبر والأدبيات المغَذية لها. تلك الطاولات التي يحاول أصحابها طَرْدَ الظاهرة الاستعمارية من التاريخ عن طريق ملحمة إعلامية مكرورة. ولعل هذا بالذات ما يطْلِق عليه الأستاذ المَرجِعُ عبدالودود ولد الشيخ "المقاومة الارتجاعية" (Retrorésistance)!

في هذه الحلقة لمحةٌ تاريخية وسرْدٌ "كرونولوجي" موجز لأهم المحطات التاريخية التي مرت بها العلاقات السياسية والاقتصادية بين فرنسا وإمارة إدوعيش، بشِقَّيْها الشمالي والجنوبي؛ بدْءا بالمعاهدات والمبادلات التجارية، مرورا باتفاقية الدفاع المشترك بين فرنسا وإدوعيش الجنوبيين، وصولا إلى مرحلة العداء الشديد المتبادَل بين إدوعيش وفرنسا أيامَ دخول هذه الأخيرة حدودَ الإمارة؛ وانتهاء بالمهادنة والمكاتبة والخضوع، وهي المرحلة الختامية المعهودة لدى عامّة إمارات البلاد وقبائلها وحضراتها الروحية والعلمية.

مقدمة للشيخ سيديَ بابَه حول إمارة إدوعيش؛

العلاقات التاريخية بين فرنسا وإمارة إدوعيش؛

بدايات العداء الشديد بين فرنسا وإمارة إدوعيش؛

مهادنة إدوعيش وخضوعُهم للفرنسيين؛

مقدمة للشيخ سيديَ بابَه حول إمارة إدوعيش:

يقول في رسالة له حول إمارتي إدوعيش ومشظوف: «مَواطن إيداوعيش منذ قرون أرضُ تݤانت وما يليها من جميع جهاتها. قال سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم في آخر شرحه لنظمه "رشد الغافل": "تݤانت، بفتح المثناة الفوقانية، فكافٍ معقودة، فألِفٍ، فَنُونٍ مكسورةٍ، فمُثَّناةٍ فوقانيةٍ ساكنةٍ: كلمة بربرية معناها الغابة". وفي كلام الشيخ سيدي المختار الكنتي وكلامِ ابنه الشيخ سيدي محمد رحمهما الله تعلى ما يدل على أن المغافرة انتصروا على صنهاجة في هذه البلاد بعد حين من دولة صنهاجة بها، وأن في دولة بكار بن أعمر وابــنِـه امحمد شين هبّت ريح دولة إيداوعيش أيضا، وأن الشيخ سيدي المختار لقيهما فتشبثا به لذلك. والشيخ المذكور توفي يوم الأربعاء خامسَ جمادى الأولى سنة ست وعشرين بعد المائتين والألف، كما قاله ابنه المذكور في كتابه الطرائف والتلائد.

وقد اشتُهر أن في زمان امحمد شين تألّب المغافرة كلاً أو جلاً على إيداوعيش وحصَروهم عند لحنيكات بالقرب من تججݤه وطال الحصار حتى أكلت الإبل شُمُلَها من شدة الجدب، ثم أفرجوا عنهم على أربعين فرسا يدفعها لهم إيداوعيش، ثم افترقت المغافرة بعدها افتراقا لم يجتمعوا بعده، وصار إيداوعيش يغزون كل قبيلة من المغافرة على حدتها فينتصرون عليها، حتى افترقت كلمة إيداوعيش وتنازعوا وفي القرءان المجيد: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ".

وآخر أمير يجتمعون عليه حقيقة محمد بن امحمد شين بن بكار بن أعمر بن محمد بن خونا. وهو من أفضل شيوخ العرب وأعدلهم وأعظمهم ملكا وأشدهم صولة، نازعه أعمامه الرياسة فانتصر عليهم بعد حروب؛ وجرت بينه وبين قبائل المغافرة، أولاد امبارك والبراكْنَة والترارزة وغيرهم حروبٌ كان النصر له فيها غالبا.

وكان محمد ينتجع من تكانت دار ملكه إلى أرض تيرس ونواحيها وفي ذلك يقول مفتخرا، وهو من جيد الشعر الحساني:

نجعْ لعنايه والتشطـاط==سوحل ابْمبروم الليّــه

أُكال ساحل عكلت لنباط==أكال شرق المداحيّه

أقلب إميجك وقليب الغيـن==كالهم نجع اخلاص الديـــن

واجوير أُعكلت توريـن==كالهم بين أهل النيّه

أكال وحدو نعم أماسيــــن==وافتاسه والعركـيّه

أنجع رفعت مسلم مظلوم==شام من دركلْ ودرّوم

باصماميط أُتنيّمّـوم==واعريبات أُلَرويه

أُصدْ راحل بشناهْ اليوم==لرظْ كِلمْـسي واللّيّـه.

وهذا طريق لشعراء العرب مسلوكْ، ومقصد من مفاخرهم غير متروكْ. أنشد في المفضليات لبشر بن أبي حازم  في قصيدة من بحر الوافر:

وغيثٍ أحجم الرواد عنهُ==به نفَل وحوذانُ تُـؤام
تغالى نبتُه واعتمّ حتى==كأن منابت الفلَجان شام

أبحناه بحي ذي حـــلال==إذا ما ريع سِربهـم أقـاموا

وما يندوهم النادي ولكن==بكل مَحلة منهم فِئــام

وما تسعى رجالهم ولكن==فضول الخيل مُلْجمة صيام

وأنشد لمعاوية بن مالك بن جعفر من أخرى من بحر الوافر:

إذا نزل السحاب بأرض قوم==رعيناهُ وإن كانوا غضابـا
بكل مقلَّصٍ عبلٍ شـواهٌ ==إذا وضعت أعنتهنّ ثابــــــا
ودافعةِ الحزام بمرفقيها==كشاةِ الرَّبل آنست الكلابا... إلى أمثالها.

(...) وكان عالمه المطاع عنده، الذي هو أكبر علماء أرضه أوَّلِهم وآخرِهم، العلامة المحقق في جميع فنون العلم المؤلف في جلِّها التآليفَ النفيسة حديثا وأصولا وبيانا وغيرها، سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم من إيداواعلي تججݤه، وهي بفوقية مكسورة، فجيمين: الأولى مكسورة والثانية ساكنة، وكافٍ معقودة. ومعناها بلسان أزناݤة: بئر البقر. قاله سيدي عبد الله المذكور في أوائل مؤلف له اسمه "نيل النجاح".

(...) حدثني السيد الفقيه محمد فال الكوري بن أغلانا الغلاوي المقدمي، رحمه الله تعٰلى، منذ زمان وهو شيخ كبير، أن أهل الآبار من الزوايا لم يعطوا ذراعا من "الخنط" في المداراة لأحد من أهل تݤانت إلا بعد يوم انْودّر، وهو أول أيام الحرب بين أهل تݤانت بعد موت محمد بن امحمد شين؛ وهذا أمر لا يستغربه إلا من عرف الأحوال بعد ذلك.

(...) ولما مات محمد انفتح على إيداوعيش، بل وعلى غيرهم من أهل تݤانت، بابُ الفتن الذي كان قُفْلَه. فتنازع الرياسةَ ابنُه اسويد احمد بن محمد وأعمامه المختار واعلي وغيرهما بنو امحمد شين. واشتعلت الحروب بين إيداوعيش وصاروا طائفتين: تسمى شيعة اسويد احمد وإخوته وبنيه إلى الآن "أبكاك"، وشيعة عمه المختار وإخوته وبنيه إلى الآن "اشراتيت"...

وقد كان آل سيدي محمود من إيداوالحاج، عبد الله بن سيدي محمود وإخوانه وشيعتهم، وكنته قبل موت محمد، مُتعادِين. وكان ميل إخوة محمد إلى آل سيدي محمود وميل ابنه اسويدَ احمد إلى كنته. وكان محمد يمنع وقوع الحرب ما دام حيا. فبِنفْس موته ظهر ما كان مستورا وأمكن ما كان ممنوعا، فانضم كل من طائفتي الزوايا إلى أوليائه من طائفتي إيداوعيش، ولم تزل الحروب دائمة مستمرة وربما يقع خلالها سِلْم، حتى صبّحتهم الدولة الفرنساوية، فعرض الأمر للأمر، وشُغل زيد عن ضرب عمرو.

وفي تلك الحروب صار كثير من إيداوعيش شيعة لأهل سيدي محمود وقَطَعَ النظر عن آل امحمد شين، بحيث صار جيشا ورعية لآل سيدي محمود، يحارب من حاربوا ويسالم من سالموا، ولو آل امحمد شين. وكان ابتداء تلك الهجرة قبل موت محمد وقبل موت سيدي محمود، لكن استفحالها إنما كان بعدهما. فصارت إيداوعيش لذلك ثلاث طوائف، أكثرها شيعةُ  آل سيدي محمود. واستمر الحال على ذلك إلى هذا العهد. وكانوا قبل افتراق كلمتهم من أعظم جيوش هذه البلاد وأكثرها خيلا. ومما يدل على ذلك أن هذه الطوائف الثلاث صارت كل واحدة منهن جيشا على حدتها وقبيلة على حدتها، تحارب وحدها وتسالم وحدها وتجنب الخيل غازية إلى قبائل العرب، ولها مملكة مستقلة، حتى دخلت عليهم دولة فرنسا وهم على ذلك. ومع ما وقع من فساد ذات البين وكثرة الحروب فيما بينهم وفيما بين كل طائفة منهم وبين أمة أخرى من سائر الناس أزمنةً متطاولةً، فقد أدرك منهم الفرانسة نحو ستة آلاف راجل في فِرقهم الثلاث ونحوَ ألف فارس، ولولا جلاؤهم عن الفرنسيين إلى أرض آدرار لما تغير حالهم كبير تغير.

(...) ثم بعد مدة في الحرب بين اسويد احمد وأعمامه توفي المختار بن امحمد شين، وهو الذي كان يسامي محمدا من إخوته، بل هو وبكار بن اسويد احمد أجود أمراء قومهم، فشيَّخَ جُلُّ إداوعيش اسويد احمد، ثم قتل غدرا (...) وهو الأسد الباسل والفارس البصير في طعن المقاتل (...) ثم بعد موته عادت الحرب جذعة وشَيَّخَ أبَكَاك أخاه سليمان بن محمد، ثم قتله ابن أخيه محمد بن اسويد احمد في اللعب على الخيل، إما عمدا وإما خطأ. ثم صار أبكاك طائفتين، إحداهما مع أبناء اسويد احمد محمد وبكار والمختار وعال، والأخرى مع عمهم عبد الله بن محمد وأخيه عبد الرحمن. ثم قتل محمد ابن اسويد احمد.

ثم آلَ الأمر إلى شياخة بكار بن اسويد أحمد لأبكاك جميعا، بل ربما شيَّخه عامة إداوعيش في بعض الأحيان شياخة غير حقيقية، وهو أهل لها لعقله وكرمه وحزمه وعزمه وشجاعته ورمايته. فلو أراد الله تعلى اتفاق كلمة إداوعيش لكان عليه، لكنه شيخ ضيَّعه قومه، فما زالت الحروب دائمة عليه منهم، وقُتل فيها بعض أولاده وربما أرادوا غدره، ومع ذلك فقد طالت إمارته حتى فني أقرانه ولم يبق له نظير في رؤساء الأرض. وله حروب كثيرة مع اشراتيت وأهل سيد محمود، وحروبٌ مع البراكنَة. (...) ومن حروبه حربه مع الترارزة في  إمارة اعْلِى بن محمدْ لِحْبيبْ وإخوته في شيعتهم من الترارزة، وهم أصل ذلك، كان النصر فيها مع اعْلِى، وحربٌ عظيمة مع مشظوف عند أكمون في إمارة أحمد محمود بن المختار بن لمحيميد، ومع بكار اشراتيت وأولاد الناصر وكنتة، ومع أحمد محمود أهل سيد محمود مع أميرهم محمد محمود بن عبد الله، فعلم إداوعيش وأولاد الناصر وكنتة بغِرَّتهم فرجعوا وأوقعوا بهم وقعة المدروم. ومن حروبه العظيمة حربُه مع أهل آدرار، مع أميرهم أحمد بن سيد احمد بن أحمد، كان أبكاك واشراتيت فيها يدا واحدة، وكان أكثر النصر مع أهل آدرار.

وآخر حروب بكار حربُه مع الفرنسيس التي قتل فيها وهو شيخ كُبَّارٌ قد حلب الدهرَ أشْطُرَه وذاق عُسْرَه ويُسره بأيدي كُمَانْدَ افْريرْ جان في أرض أفَلَّ، وكان يتمنى ذلك. حدثني صاحبنا الرضى الثقة المشارك التقي محمد بن سيد، قاضي أولاد بوسيف من كنتة، قبل موت بكار بعامين، أنه سأله عن رؤيا ذكر أنه رآها، ثم قال له إنه عبَرَها لنفسه بذلك. وذكر لي رجل من إداوعيش يقال له كورَ بن التوتايْ، قبل موت بكار بنحو ذلك، أنه كان يتمناه ويقول إنه نال حظا من الدنيا ولم يبق له أرب إلا في هذا الأمر  (كأن الفتى لم يغن في الناس ساعة==إذا اختلف اللحيان عند الجريض)».[1]

العلاقات التاريخية بين فرنسا وإمارة إدوعيش:

تميزت هذه الإمارة، بشِقَّيها الشمالي والجنوبي، بعَداءٍ شديد متبادَلٍ بينها وبين الغزاة الفرنسيين أيامَ دخولهم البلاد، مما راح ضحيتَه الأميران العظيمان بَكَّار ابن اسويد احمد والمختار بن أحمد بن المختار؛ وذلك على الرغم من متانة العلاقات التجارية والسياسية والعسكرية التي ظلت تربط الطرفين قبل احتلال الفرنسيين رسميا أرضَ موريتانيا ووصولِهم إلى حدود الإمارة، كما تشهد بذلك الاتفاقيات المبرمة والرسائل المتبادلة بين الحكام الفرنسيين ورؤساء إدوعيش.

فعلى غرار المراسلات والاتفاقيات التي وقعتها فرنسا مع إمارات البراكنة والترارزة وآدْرارْ، والتي كثيرا ما تتجاوز التبادل التجاري والتعاطي "الدبلوماسي" إلى المَسِّ المباشر من سيادة تلك الإمارات والحدّ من استقلالها، نجد الشيء نفسَه موَثَّقا في الاتفاقيات والمراسلات المتعلقة بإمارة إدوعيش. من ذلك، على سبيل المثال، اتفاقية فاتح فبراير 1892 الموقعة بين فرنسا واشراتيت، والتي جاء فيها:

«الفصل الثاني: إن اشراتيت المُقِرُّون بأنهم لا يقَعون حاربا ولا ناهبا على متعاهدي الفرانسيس من البيضان والسوادين، وكذلك أمير اندر يمنع هؤلاء الناس بالوقوع على اشراتيت. فإذا وقعت المنازعة والخصومة بينهم يُحمل الأمر إلى أمير انْدَرْ.

الفصل الثالث: فإذا وقعت على اشراتيت قبائل غير المعلقين بحماية الفرانسيس، أن أمير اندر ينصرهم برجال من الذين تحت حماية الفرانسيس وبالمكافأة. ذلك أن اشراتيت تُعين وتنصُر متعاهدينا والذين تحت حمايتنا إذا وقعت عليهم قبائل غير المتعلقين بحمايتنا.

الفصل الرابع: وإذا وجبت أمور عمومية أ.... جيش فإن اشراتيت يجتمعون مع الرجال الشامام فيكونون جميعا تحت أمر رئيس من رؤساء العسكر أو خليفة من ديوان تدابير الأمور السياسية. في ذلك الحال إذا احتاجت دولة الفرانسيس بالإبل للحمل إن اشراتيت يعطون جميع ما يطلب إليهم بالأجر المعهود على إبل البلاد الأخرى.

الفصل الخامس: وإن الشيخ بن الرسول مقر هو بنفسه على اسمه واسم خلفائه بإثبات الخير والسلامة بين القبائل تحت قدرته، لكن لا يضر الصرف والتجارة الفتنة بينهم إذا وردت وقربت اشراتيت إلى ساحل البحر. وعلى اشراتيت أن يمنعوا السرقة والنهب على رعية الفرانسيس، فإذا كان ذلك وجب على رؤساء اشراتيت أن ياخذوا الظالمين ويعاقبوهم ثم يردوا ما سرقوا وما نهبوا. وإذا دام الظلم والتعدي يوخذ قسم من الغرامة أو كلها لأرش المظلومين عليهم قصاصا لغفلتهم فيما عليهم أن يحرسوها».[2]

وذكر العلامة المؤرخ القاضى هارون بن الشيخ سيديَ في موسوعته التاريخية «أن الشيخ بن الرسول بن اعلِى بن امحمد شين هو الذي باشر هذه الاتفاقية نائبا عن ابن عمه أحمد بن المختار بن امحمد شين رئيس اشراتيت. وكان هذا الاتفاق في تسعة فصول وكلُّها قاسٍ على اشراتيت، إذْ صيَّرَتْهم الفصول المذكورة تحت الأوامر العسكرية وألزمتهم الامتثال التام من غير مراجعة. وفي الفصل التاسع أن الفرنسيين يعطون كل عام مائة بيصة بين الشيخ بن الرسول والمختار. وأمضى عند انتهاء هذه المادة كل من الشيخ بن الرسول وصنب بن محمد فال والفاهم سيد، وسَمّوا هذه المعاهدة بالحماية».[3]

ومما يؤشر إلى قِدم هذه العلاقة، ما أورده فيديرب في رسالته الموجهة إلى الشيخ سيديَ الكبير قبل إبرام المعاهدة المذكورة، حيث يقول: «وإذْ أتى "الأحمقُ" الحاج عمر وأغرى عليه سودان انْكَلَمْ حتى وقعوا على تُجَّاره وغصبوا أموالهم، اجتمع في الحين مع أحبابه إدوعيش وانتقموا من هؤلاء السَّرَقَة واللصوص وعذَّبوهم عذابا أليما».[4]

وانسجاما مع المعاهدة السالفة الذكر، وغير ذلك من التحالفات والتجاذبات القائمة في المنطقة آنذاك، بعث المختار بن أحمد بن المختار بالمكتوب التالي مع أخيه عثمان، بشأن مقتل عبدُول بوبكر، أحد قادة المقاومة على الضفة اليمنى للنهر:

«إنه من المختار بن أحمد بن المختار سلامٌ سليم ودعاءٌ عميم، إلى أخيه ومحبه ومعاهده ذاك أمير انْدَرْ. موجبُه إليك إعلامُك أني على العهد القديم والود الصميم الذي جاءني به من عندك غلامك عثمان، ولا نزول عنه ما دمتُ حيا. واعلم، يا أمير انْدَرْ، أني قد ساءني منك مجيء أخي عثمان لكيهيدِ مع غلامك راضِ بن عثمان يطلب الكراء الذي قال لي راضِ في أمر قتل عدوك عبدُل ببكر والكُبَلْ، وأرسلت أخي عثمان إلى كمادك كيهيدِ بين أبناء عمي كبكار من أبناء عمي، جاءني أخي عثمان بلا شيء حشمانا، لا من الكراء ولا من كُبَلْ، وذلك قد شفا في الحساد كلهم. والآن قد أرسلت إليك هذا الكتاب مع غلامك راضِ في أمر ذلك الكراء والكبل، إن فعلت هذا فذاك المطلوب وإلا فلا باس، فأنا أموت على ذلك العهد الذي بيننا والسلام».[5]

وقد يكون هذا التحالف بين اشراتيت والفرنسيين لعب دورا في تطور الجفاء الذي حصل بعد ذلك بين خصومهم التقليديين أبكاك وبين نصارى الضفة اليسرى، رغم صلة الأمير بكار بهم قبل اصطدامه المباشر بهم وعدائه الشديد لهم. فنجده على سبيل المثال، يخاطبهم بالنص التالي، وهو بخط العلامة الجليل الشيخ أحمدو بن سليمان الديماني، الذي كانت لبَكَّارْ صِلاتٌ روحية معروفة به وبشيخه الشيخ سيديَ الكبير:

«الحمد لله حق الحمد، والصلاة والسلام على النبي العبد، وبعد، فتبليغُ السلام من بكار بن اسويد أحمد إلى جماعة النصارى. موجبُه إذا أتاكم حامل الكتاب فمكنوه من بقية ءامكبل، وهي مائتان وعشرون وثلاث بيْصات وثلث بيْصة، وقد أخذت منه مائة وعشر من البيْص. ومكنوه أيضا من المدافع العشر. والسلام أحمد بن سليمان تفضل الله عليهما بالعفو والرضوان.

إلحاق: ويعود السلام على صمب بن تكد ويأمرك بَكَّار بأن تجمع ما أعطاك مارتن وما أعطاك شيخ اندر وتقدم مع حامل الكتاب حتى تاتي معهم وتجتهد مع حملة الكتاب في أخذ ءامكبل، واجتهدوا في العجلة ولا تتركوا شيئا من ذلك هناك واتونا به جميعا والسلام. لحق: وءامكبل خوب فاتوني ببارودها ورصاصها وأشفارها ومدافعها واتركوا فيها ما عدا ذلك من امكبلها، ولياخذ النصارى قدر سلفهم مما لبكار في ظهورهم ويكتبوا له كتابا فيه قدر ذلك والسلام. لحق: واجتهد يا صمب في مدفع حسن وائتِني به.

لحق: وقولوا لشيخ اندر، كمنضو، يطالبه بكار بأربعمائة من الذهب وأزيد، وأنه وكلَكَ عليها، يا شيخ اندر، لتاخذها له من كمنضو. كاتب الأعلى والمحول بإذن بكار. ويقول لك بكار، يا كمانضو، إنه معك على العهد والحالة المعلومة، وأن النصراني الذي أكل حيوانه إن كنت تحب أن تتركه أنت له من جهته فاتركه له، وإلا فاجتهد في حالة تخلص له منه حيوانه، واصلح له همه في النصارى فإنه قد اتخذك نصيح ظهر، وأرسل له الخيمة التي وعدته بها»[6].

وقد راسل بكار بن اسويد احمد أيضا نائب الفرنسيين يوم 12 فبراير 1891 في شأن العافية (السلم) وعدم الظلم قائلا: «الحمد لله وبه أثق وعليه أتوكل وبعد، فإنه من بكار بن اسويد احمد إلى أمير اندر السلام التام الطيب العام والرحمة البالغة والإكرام وأطيب ما يكون من الكلام. موجبُه، أوجب الله لنا ولكم الخير، ووقانا وإياه البوس والضَّيْر، إعلامُك بأنه على خير وعافية وعسيتم كذلك، وأنه على العهد لا يُبَدِّل ولا يغَيِّر، ويريد منك أن تفعل ذلك وأنكم تتركون جميع المسلمين في أمر القتال لأن القتال يضر بالمومنين واجعلوا العافية سعيكم، لأن أهل السلع هي التي تليق بهم، واتركوا كل أحد في بلده، وإياكم والظلم لأن الظلم لا يليق بكم، وأنه حميته للمظلوم إن لم تتركوا كل أحد في بلده وتعطوه العافية والسلام».[7]

كما كتب إليهم، هو وسيد احمد لَبَّاتْ، رسالة في خبر عبدُول بوبكر وعالِي بُورِي وأعمر سالم وأهل آدرار وغير ذلك، يوم 2 فبراير 1892 جاء فيها:

«بسم الله وإلى الله وبعد، فمن بكار بن اسويد احمد وسيد احمد لَبَّاتْ سلام أسنى، وتحية حسنى، إلى أمير اندر وكماند كيهيد. موجبُه إعلامكم أنهما على العهد القديم والود الصميم وأنما زعمتم من مصادقتهم لمن عاداكم لا أصل لذلك وليس حقا. أما عبدُل لما خرج من بلده لم يصل بلدهم ولم يقدم عليهم، بل سكن في بلد ارْكَيْبَ حتى قتله اشراتيت. وأما عالِ بُرِ لما مات عبدُل لم يامروه بالاتيان إليهم حين أتاهم، ولم يمنعوه من الخروج من بلادهم حين ذهب عنهم. أما أعمر سالم فلا مدخل له في هذا، لأنه لم ياتهم ولم ياتوه ولم يرسل إليهم ولم يرسلوا إليه، بل بينه وابن أخيه. وأما أهل ءادرار فلا مدخل لأحد بينهم من افرانس، لأنهم عرب كلهم، فكم وقع القتال بينهم غير ما مرة من قبل ولم ينقض ذلك العهد معكم من قِبَله ولا من قِبَلهم فلان انظروا هل أبطل لكم سوقا أو حارب لكم طريقا، أو عادى من كان في حماكم من السوادين، أو أعضل عنكم ما بيده من التجارة من علك وغيره، فهذا هو أساس العهد. فلا تسمعوا فيهم قول العدو والحسود الذي هو سيد اعْلِ ومن معه كأهل ءادرار قتلوه وقتلهم، فكم تقع العداوة والمصادقة بين العرب وكلهم على عهده مع نصارته. فإن كنتم على العهد فارجعوا له بئامْكبّلْ واستمسكوا بالعهد كما استمسكوا به هو، وإلا فاعلموا أن نقض العهد من قبلكم أتى، والذي حملنا على ما بالأعلى مع المحول ضيق الصك. والسلام على من اتبع الهدى».[8]

ويقول الشيخ هارون بن الشيخ سيديَ في الجزء الخاص بإدوعيش من كتابه السالف الذكر: «إن الأمير بكار وقَّع اتفاقا مع فرنسيِّــي الضفة اليسرى لنهر السنغال في فاتح نوفمبر 1857 في بيع العلك. ومما يرغِّبه به الفرنسيون أنهم يتركون البارود والمدافع تباع في بَكَلْ ليجد بَكَّار وقومُه ما يُخرجون به التكارير من أرضهم. وفي يوم 8 يونيو 1895، وبواسطة نائبه الشريف محمد الصغير، وقَّع بكار مع الفرنسيين اتفاقا يتعلق بالعافية وتأمين بيع العلك في باكَلْ»[9].

علاقة فرنسا بإمارة إدوعيش بعد الاحتلال:

 

كما سبق ذِكْرُه، حصل عداءٌ شديد بين الغزاة الفرنسيين وبين إمارة إدوعيش، بشِقَّيها الشمالي والجنوبي، بعد احتلال البلاد رسميا ودخول القوات الفرنسية حدود إمارة إدوعيش. والأيام والمعارك والمناوشات التى نشبت بين الطرفين على ذلك الأساس معلومة؛ ومن أشهرها، بل ومن أشهر المعارك التي واجهت الفرنسيين في القطر الموريتاني، معركة انيِّمْلانْ التي دارت يوم 5 نوفمبر 1906 إثر محاولة مفرزة فرنسية تتكون من 78 رجلا مباغتةَ وإبعادَ جيش مولاي إدريس المرابط قرب تججݤة، والمكوَّن من نحو 700 مقاتل من مختلِف قبائل المنطقة، خصوصا إدوعيش وكنتة وأهل سيدي محمود والاغلال وبعض قبائل آدرار وغيرهم... فخسر الفرنسيون أربعة أوربيين وخمسة عشر راميا، بالإضافة إلى خمسة وعشرين جريحا، مقابل أكثر من مائة قتيل من جيش مولاي إدريس.[10]

وقبل ذلك، وتحديدا يوم 12 مايو 1905 حصلت على أرض تݤانت العمليةُ المشهورة، المتمثلة في قتل الإداري المدني كزافيي كبولاني، الممثلِ العام للحكومة الفرنسية في موريتانيا، على يد الشريف سيدي ابن مولاي الزين، يصحبه ابنه ونحو العشرين من قبيلة إديشلي، عامتهم من فخذ أهل التناكي.

ومن الآثار الدالة على صدق وعُمق العداء الحاصل وقْتَئِذ بين إدوعيش وجيرانهم الفرنسيين، جوابُ الوالي الفرنسي للأمير أحمدُ بن سيدي اعْلي بشأن المعاملة مع الأمير بكار ونُصحُه إياه بعدم لقائه والاتفاق معه، قائلا: «لا أقول لك إلا ما قلت قبل، وهو أن بكار خالٍ من الرغبة في مصالحتنا والعافية معنا». ثم بدأ يعدد له مآخذ الفرنسيين على بَكَّار، وفي مقدمة تلك المآخذ يذكر الحاكم الفرنسي معاداة بَكَّار لحليفهم آنذاك الأمير سيد احمد ابن عيدة، ومحاولَته الإطاحة به.

لقد كان أمراء إدوعيش، و كثيرٌ غيرُهم من أمراء البلاد، يوقِّرون علماءَ الإمارة توقيرا شديدا ويستشيرونهم ويرجعون إلى فتاواهم في كل أمر هام. ومع دخول المستعمر البلاد، انقسم كبار علماء "الرقيبة" قسمين:

قسم يتزعَّمه العلامة القاضي محمد الأمين (المرابط) بن أحمد زيدان الجكني، ويقول بعدم توفُّر شروط الجهاد لأهل هذه البلاد ويدعو إلى مهادنة الفرنسيين والاتفاق معهم على بعض المصالح الدينية والدنيوية، إلى غير ذلك من المسوغات المعروفة والمبسوطة أكثر في الحلقتين الخامسة والسادسة من هذه السلسلة.

وقسم يتزعّمه أبناء مايابى: محمد الخضر ومحمد حبيب الله ومحمد العاقب، أفتى  أصحابه برفض مهادنة الفرنسيين أو مساكنتهم فيما يحتلونه من بلاد المسلمين، مع انتقادهم - أولَ الأمر - لمن يقول بخلاف ذلك من العلماء والأمراء والعامة.[11]

وعلى الرغم من المكانة العلمية والدينية والاجتماعية المحفوظة للمرابط بن أحمد زيدان عند اشراتيت[12] وأبكاك أيضا، بل عند أبناء مايابى أنفسهم[13]، إلا أن الأمِيريْن بَكَّار والمختار اختارا مذهبَ أبناء مايابى الذي ذهبوا إليه في نازلة الاستعمار.

لكنْ، بِقضاء الفرنسيين السريع نسبيا على شخص الأمير بَكَّار وهجرةِ الأمير المختار بن أحمد عن إمارته، رافضا التعامل مع المستعمر، قام خلفاؤهما بمكاتبة الفرنسيين، بعدما تبيَّن لهم الاختلالُ الحاصلُ في موازين القُوى، خصوصا بعد معركة تججݤة وانسحابِ مولاي إدريس ورجوعِ ممثلي المجموعات المقاوِمة من المغرب بكَمٍّ من الأسلحة متواضع. وقد لعب قادةُ ومقاتلو الإمارة أدوارا حاسمة في الحملات الفرنسية اللاحقة، والتي تتقاطع، بطبيعة الحال، مع بعض الأهداف الاستراتيجية و"الأجندا" السياسية التي يتبناها منظرو وقادة المهادنة، قديمهم وجديدهم.

من الشائع في منطقة الرقيبة وغيرها أن الفرنسيين عرضوا على الأمير المختار بن أحمد الاتفاق معهم والإبقاء على إمارته وامتيازاته، وذلك بواسطة سَمِيِّه وابن أخيه المحبَّب إليه المختار بن عثمان. كما حاول أفراد من عشيرته أن يَثنوه عن الهجرة، فأجابهم جوابَه المشهور: أنه عاش حرا ولن يقبل غير ذلك بعدما بلغ من الكِبر عتِيّا. وأشار إلى الشيب في ذراعه. ثم هاجر ومعه 24 رجلا من قومه.

خلَف المختارَ ابنُه أحمد، الذي كاتب الفرنسيين، وبقي على رأس الإمارة إلى أن قتلته مجموعة من أولاد غيلان سنة 1911م، ليخلُفه أخوه محمد يبرأ، الذي كانت مدة إمارته خاطفة. ثم آل الأمر إلى أحمد بن عثمان بن المختار، ابنِ أخي الأمير المهاجر المختار بن أحمد. وقد كانت للأمير أحمد بن عثمان هذا، كما كانت لأسلافه وأخلافه ومشايخه علاقاتٌ وطيدة ومراسلاتٌ ودِّية مع الشيخ سيديَ بابَه، جاء في إحداها:

«سلام سليم، لا لغو فيه ولا تاثيم.

إن السلام وإن أهداه مرسله==وزاده رونقا منه وتزيينا

لم يبلغ العُشرَ من قول تبلغه==أذنَ الأحبة أفواهُ المحبينا

فلما نأيتم ولم أقتـدِرْ==أسيرُ  لحَضرتكم بالقَدمْ

كتبت إليكمْ بقلبٍ شَجٍ==وخاطبتُكم بلسان القلمْ.

من أحمد بن عثمان بن المختار، رئيس اشراتيت، إلى شيخنا وابن شيخنا أي وسيلتنا إلى شريعة شفيعنا ومحيي ميتها، أطال الله حياته بجاهه صلى الله عليه وسلم. من موجبه أني نزلت في ابودور ملتمسا تخفيف الطريق إلى اندر، على أن بعْد المسافة قُرب، لأن محبتكم في القلوب، وأنَّا تلاميذكم. والموجب الثاني إليكم أريدكم أن تجتهدوا لنا في الدعاء والطلب من الله مع ما حصل من حسن الظن بكم في السر. والسلام».[14]

وبعد مكاتبة إمارة إدوعيش للفرنسيين جرت مراسلات عديدة بين أمرائها وعلمائها وقادتها وبين الفرنسيين. من ذلك رسالة كتبها الأمير عثمان بن بَكَّارْ إلى حاكم تججݤه، أراد من خلالها، وبـ "تكتيك" سياسي نابع من تجربته الطويلة، أن يلطِّف الأجواء الحربية السائدة بين إمارته وبين الفرنسيين، تمهيدا لسلم تفرضه عليه موازين القُوى الجديدة وحالةُ الإنهاك التي تعاني منها إمارته وجيرانُها وحلفاؤها... يقول الأمير عثمان بن بكار:

«تبليغ السلام من عثمان بن بكار إلى كماند حاكم تجكج. موجبُه إليك أن تعلم أنما فعل في قبيلته أبناءُ ءادرار واركيبات وغيرُهم ممن سد لي بهم سايئ له وبلغَ فيه من العداوة ما بلغ. وكونُه قدِم معاديا لك ولقبيلك الفرانسيسية، ما حمَله على ذلك إلا خوف ابن إسماعيل المولى احفيظ والشيخِ ماءِ العينين وجيوشِه وأبناءِ أحْيَ من عثمان. ولو كان يظن أنكم تُمكنوه من قبيلته وتُعِينوه عليهم بالمدافع لقاتلهم حتى يقتص منهم. إلحاق: ولا تطمعون في مدافعه ويكون ءامنا عليهم منكم والسلام»[15].

وفي الرسالة أعلاه معنىً مطابقٌ لما ذكَره صاحب الوسيط، في ترجمته للشيخ العلامة ماءِ العينين، من أن بعض الشناقطة «كانوا يعتقدون أن السلطان أقوى من الفرنسيين، فبعض القبائل سالمهم وبعضهم جعل يقطع عليهم الطريق ويحاربهم من بعيد بالهجوم ليلا ونحو ذلك...».[16]

وقد غاب عن الكثير من هؤلاء أن القوات الفرنسية، في تلك الآونة بالذات، كانت قابَ قوسين أو أدنى من دخول المغرب الأقصى نفسِه وإخضاعِه لحمايتهم.

هذا ومعلومٌ أن جماعة من إدوعيش برئاسة الحسين بن بكار، مبعوثا من أخيه عثمان بعد، رجوع هذا الأخير من وفد "الصرب أو الأركاب"، قامت بمكاتبة السلطات الفرنسية في الثالث والعشرين من يناير 1906.

وفي السياقات نفسهها، أرسل عثمان بن بَكَّارْ رسالة أخرى إلى الشيخ سيديَ بابه، وهي بخط العلامة الحسن بن الخرشي بن عبد الله الحاجىّ، جاء فيها: «وأن بريدك إليه باب أحمد فإنه لا يرضى أن يفشي سره إلا إليه وميعاده معه الصيف وإياك أن يتأخر عن الصيف لياتيه بما طرأ لك وياتيك بما يطرأ عليه من جهة السلطان وإياك وقول الوشاة فإنه لا يتغير عليك».[17]

كما راسل بَكَّار بن سيد احمد لبَّاتْ بن محمد بن اسويد احمد الشيخ سيديَ بابَه قائلا:

«بسم الله الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن المقاطعة والحرمان، وقال تعلى هل جزاء الاحسان إلا الإحسان. من أمير أهل الكدية بكار بن سيد احمد لبات بن محمد بن اسويد احمد، وقاه الله شر الحسود وكيد القريب إلى الشيخ القطب الولي ابن الولي الشيخ سيديَ. موجبُه إعلامُك أني على خير وعافية وأرجو أن تكون كذلك. واعلم أني تلميذ ناصح أقرب من جميع التلاميذ بنفسي ومالي وأني أرسل لك جذعة من جياد الخيل بنت اجْرَيْبَ البَرْصَ مع حامل الكتاب أحمد بن محمْلِ؛ وإني منتظر والرسول ياتيني عاجلا وأعطه ما عندك من خبر المسلمين ومن فيه رأيي عندك فإنك أنت صاحب بصيرة لعامة المسلمين أحرى أهل الخاصية. والكاتب مسَلِّمٌ عليك. بكار بن محمد».

ويقول الشيخ هارون بن الشيخ سيديَ: «لعل هذه الرسالة مبعوثة زمن مجيء الفرنسيين لأرض تݤانت، لما يطلب باعثها من الرأي فيما يفعل، لأن الموريتانيين جميعا أشكل عليهم في أول الأمر الرأيُ السديد المصيب في حكم معاملة المتغلب المخالف في الدين وكيفية الموافقة معه ومخالطته والانقياد لأوامره. كما يشير إلى أن ما يعنيه مرسلها بقوله أمير أهل الكدية هو الطائفة التي انحازت معه إلى الجبال ابتعادا عن الفرنسيين».[18]

ويجدُر التذكير بأن الأمير العظيم بكار بن اسويد احمد كانت تربطه علاقات وطيدة بالشيخ سيديَ بابَه وجدِّه الشيخ سيديَ الكبير، الذي راسله بكَّار قائلا:

«الحمد لله وحده وبه أثق وعليه أتوكل. وبعد، فسلام من السيد بكار بن اسويد احمد إلى شيخه وحبيبه سيديَ. موجبُه أن تجدَّ كل الجد في قدوم بن محمد لحبيب لا غير إليه إن لم يات به الوفد الذاهب إليه. ولتعلم يا شيخنا أن طلبي ابنه خاصة لأمر الآخرة ولطلب إصلاح ذات البين بين المسلمين، لا لأمر الرياسة والرفعة. ولتخبر، أيها الشيخ، محمدا بذلك. فأمر الاخرة مقدم كما قال تعلى: "والاخرة خير وأبقى". وقال تعلى: "لا خير في كثير" الآيةَ. وقال صلى الله عليه وسلم: "الإيمان قيد الفتك"، إلى غير ذلك. فإن لم يرسل ابنه خاصة فلا بد أن تبعث له وفدا ياتيني به للتعاون على البر والتقوى. الخِرْشِى بن عبد الله».[19]

وحسب الشيخ هارون بن الشيخ سيدي، فإن  الأمر يتعلق بتبادل الرهائن توطيدا لصلح مبرم بين إمارتي الترارزة وإدوعيش في 11يوليو 1864م، كما هو وارد في التواريخ الفرنسية. وقد بعث الأمير بكار أحد أبنائه نائبا عنه في مؤتمر تندَوْجَه الذي دعا إليه الشيخ سيديَ الكبير في 15 يناير 1856، دعما لجهاد الأمير محمد الحبيب للفرنسيين ومحاولةً لتوحيد إمارات البلاد وإيجاد صيغة لضبط علاقاتها.[20] كما وفد بكَّار على الشيخ سيديَ الكبير مع جماعة من قومه في قضية بين تجكانت وكنته[21]. وفي التواريخ الفرنسية أنه في يوم 20 نوفمبر 1864م/1281ه اجتمع عند الشيخ سيديَ بكار بن اسويد احمد أمير إدوعيش وسيدي بن محمد لحبيب أمير الترارزة ومحمد لحبيب بن المختار، أمير البراكنة...[22]

كما حضَر الأمير بَكَّار نفسُه، صحبةَ ابنه سيد احمد، اجتماعا نظَّمه الشيخ سيدي محمد بنُ الشيخ سيديَ في الثاني عشر من دجمبر 1868م، ضم إلى جانبهما سيدي اعْلي ابن أحمدو ومحمد لحبيب بن المختار البركني، يتعلق بحرب اشراتيت مع أولاد نغماش.

ويضيف هارون قائلا: «في يوم 10 يناير 1905 جعل الفرنسيون اشراتيت كما يلي: اندايات ورئيسهم عثمان بن اعليلوات؛ والجلالفَه ورئيسهم اعْلي بن منكوس؛ واغْراكْذايْ ورئيسهم المختار بن أحمد بن المختار (الشيخ العام)؛ وأهل اعْلي بن امحمد من خونَ ورئيسهم الرسول بن أحمد بن التشيتِ؛ وأهل امحمد بن خونَ ورئيسهم ولد المختار؛ واديْبْن ورئيسهم عالي بن أحمد دركل. وأما أهل أبكاك فكانوا في التقسيم الفرنسي عاشرَ إبريل 1905 كما يلي: أولاد طْلحَه ورئيسُهم أعمر بن أواه؛ ولكوانيط ورئيسهم ولد أعمر ابن عثمان؛ وأهل اسويدْ ورئيسهم الدُّوهْ بن بنيوكْ؛ ولعويسيات ورئيسهم سيد احمد ابن عبدالودود؛ وإديْبْنِ ورئيسُهم عثمان بن اسويد أحمد؛ وإبيْلِنْ ورئيسهم عثمان؛ ولعزيزات وأهل امحمد بن خونَ الذين هم من أبكاك ورئيسهم عثمان بن اسويد احمد؛ وأولاد اعْلي انتونفَ البيظ ورئيسهم سيداحمد بن احميادَ. والمتكلم عن الجميع الحسين بن بكار بن اسويد احمد».[23]

ويدلُّ هذا التاريخ على مكاتبتهم يومين قبل هجوم افرير جانه على بَكَّار عند بوقادوم.

وجاء في ورقة أخرى لهارون بن الشيخ سيديَ في أخبار إدوعيش واتفاقهم مع الفرنسيين أن الحسين بن بكار بن اسويد احمد والمختار بن عثمان بن المختار بن امحمد شين وامحمد بن بكار بن الهيبه بن الَّلب بن خنوف، من الانباط، وإسماعيل بن بكار بن لعويسي، أربعتهم من أهل امحمد بن خون، وسيد محمود بن عمارْ بن الشبلِي من أولاد اعلي انتونفَ البيظ، وابن جَوَلْ بن عثمان بن هنون من اندايات، والمامِي بن ءابيلِ من إيبيْلِنْ، ومحمد محمود بن حمود والدوهْ بن بنيوكْ من أهل اسويدْ، والمامِي بن التوتايْ من آمكاريظ، عاهدوا الفرنسيين عن عامة إدوعيش. وأمضى على هذه الورقة والشروط المجحفة الحسين بن بكار بن اسويد احمد والمختار بن عثمان وامحمد بن بكار بن الهيبَه وإسماعيل بن لعويسِي وسيد محمود بن (...) وابن جَوَلْ بن عثمان بن هنون والمامِي بن آبيلِ ومحمد محمود بن حمود والمامِي بن التوتايْ.

(...) وقد تأمر عبد الرحمن بن اسويد احمد الملقب الدانْ في حياة أخيه الحسين. وقد حضر كثيرا من الوقائع مع الفرنسيين وعظم شأنه عندهم وحضر السياسة الموريتانية ابتداء من ظهورها عام 1946 وله فيها دور هام ومواقف حسنة وكلمات صارت من الأمثال. وحضر استقلال موريتانيا وله اعتبار عظيم وكان من أصدقائنا كما كان ابوه وأخوه عثمان وأبناء عمهم (...) وهو أرفع إخوته صيتا وأعظمهم ذكرا وأعلاهم شأنا وأنبلهم قدرا وأشبههم في أحواله الخاصة بأبيه الأمير بكار».[24]

ومن المجموعات الأساسية في تݤانت، غير ما ذُكر، قبيلةُ العلويين ذات المكانة العلمية المسلم بها في مجتمع البيضان وغيره، نجد، على سبيل المثال، القاضي والوجيه سيدي بن الزين الذي رأس فرع تمْيَلَّه حتى وفاته سنة 1936م، حسب ترجمة الدكتور حماه الله بن السالم له في إطار تحقيقه لمؤلَّفه "كتاب النسب في أخبار الزوايا والعرب"، قائلا: «اشتهر بالسياسة والدهاء والذكاء، ما جعله أبرز رؤساء قبيلته في عهده، ولا سيما في ظل الفرنسيين الذين قاومهم مرارا ثم قبل سلطتهم بعد ذلك (...) أما أخوه الأكبر الإمام بن الزين فقد التحق مبكرا بالمجاهدين وظل هنالك حتى توفي بالساقية الحمراء.

ويضيف، نقلا عن بول مارتي، أن سيدي بن الزين «انشق وذهب ليعلن ولاءه للمولى إدريس ممثل سلطان المغرب، وعندما انتهت المغامرة سارع بإعلان خضوعه للفرنسيين في إبريل سنة 1907 وعُيِّن زعيما لعشيرة تَمْيَلَّه سنة 1910 وأصبح سلوكه مسالما منذ ذلك الحين».[25]

وقد أورد ابيير بونت ترجمة لما قال إنها فتوى من مجموعة إدوعلي في شأن حتمية الخضوع للمحتل الفرنسي، جاء فيها:

«وبعد، فإن موقفنا من الفرنسيين يمكن أن يتلخص في المثل الشعبي "الايْدْ الْ مَا صبْتْ تَكْطَع حبّْهَ". إنا لنَبَشُّ في وجوه قوم وقلوبُنا تلعنهم. إن سكان تججݤه قد تم احتلالهم في فترة من الحر الشديد من طرف جيش قوي. وكما هو معروف في مختصر خليل فإن المهادنة ودفع المغرم محبذة بل واجبة في مثل هذه الظروف لمسلمين قليلين وعُزَّل من السلاح. هذا وإن مساكنتنا للكفار لا تبيح أخذ أموالنا، لأن خليلا ينص على أن الهجرة لا تجب على الضعفاء ولا على الذين لا يعرفون أين يجدون ملجأ. فيا للعجب من رجال بلاد السيبة التي يترك فيها الكفار المسلمين يمارسون شعائرهم دون التعرض لممتلكاتهم إلا بالشراء أو بأخذ أشياء قليلة، في الوقت الذي يسمح فيه من يزعمون أنهم مجاهدون لأنفسهم بنهبهم. فالويل لأولئك العلماء (علماء ءادرار) الذين أصدروا فتاوى تبيح نهب أموال المسلمين».[26]

وردا على هذه المسوغات، وجّه الشيخ ماء العينين، في صفر من سنة 1322هـ، رسالة إلى مجموعة إدوعلي بتجكجة، جاء فيها: «إلى جماعة العلويين بتجكج، موجبُه، أوجب الله لنا ولكم السعادة والحسنى والزيادة، إعلامُكم أننا وافانا كتابكم الذي من مضمونه اعتذارُكم، ومقبولٌ ذلك الاعتذار. ولا يشك أحد أن لكم العذر الواضح، ولم يستو الناصح وغير الناصح. وليكن في كريم علمكم أننا وجَّهَنا خليفةُ السلطان مولاي عبد العزيز ــــ أيده الله ونصره وبجميع أعدائه ظفره ــــ لإعلاء كلمة الله وجمع شمل المسلمين وإصلاح ذات البين وردهم عن بلاد المسلمين حتى يقفوا عن حدود بلادهم».[27]

أما قبيلة كنته، فإن دورها في الجهاد والهجرة في تݤانت، كان بزعامة الشيخ محمد المختار بن الحامد. وفي ذلك يقول سيدي بن الزين ضمن سرده للوقائع التي شارك فيها هذا الشيخ الزاهد والبطل المشهور:

«ثم بعد ذلك (يعني حروبا مريرة بينه وبين إدوعيش وأحياء من عثمان ومشظوف) بعامين وهو بالحوض سافر نحو خايْ وأخذ الأمن  من افرانسة، وذلك زمن قدوم كبلاني على تججݤه، ووجد كبلاني فتلقاه وكاتبه بالتبجيل والتعظيم، وبعد ذلك بثلاثة أشهر لحق به حيُّه وتكاملت عليه القبيلة. ثم بعد ذلك بستة أشهر أتى الشريف (يعني مولاي إدريس) لتݤانت وأتاه وبايعه وحضر وقعة النيملان وحصارَ  تججݤه، فلما رجع الشريف إلى ءادرار ذهب محمد المختار معه، ومعه مِن قومه مَن معه، ورجع عنه من رجع. وفي ذهابه ذلك سار إلى أن بلغ أهل شيخنا الشيخ ماء العينين ثم مولاي احفيظ أمير مراكش ومعه في ذلك عثمان بن بكار رئيس أهل اسويد احمد والمختار بن أحمد رئيس الشراتيت وأحمدُ بن سيد اعْلِى رئيس البراكنة وسيد بن محمد لحبيب رئيس الترارزة وسيد احمد بن أحمد بن سيد احمد بن عيده رئيس أولاد يحيى من عثمان، فلما مضت تسعة أشهر رجع الجميع بلا شيء، ورجع محمد المختار ومعه ستون من إدَيْشِلِّى فيها محمد محمود بن احجور وهجم على حين غفلة على أهل الرشيد وهم إذ ذاك أبناء سيدي الوافي، والزمن زمن "القيطنة.

وبعد ذلك بأربع ليال قدم عليه أيضا عثمان بن بكار في عدد من قومه فوقع بينهم ما حصل منه قتال مات فيه عالي بن الشين في قومه أي عثمان ومعه غيره وجرح محمد المختار جرحين وابناه وتفرق الجمعان ولم ينهزم أحد، فلما انتصف الليل ركب عثمان وقومه وفروا خفية وتركوا أربعة منهم يتكلمون في موضعهم سَتْرا عليهم، وبعد قليل ركبوا وتبعوا قومهم، فبعد ذلك بقليل بعث محمد المختار هذا الشريف الذي يسمى الشيخ بن البان ومعه قوم من قومه نحو تججݤه يريدون الغارة على دار عبدي بن امبارك لأن فيها خيله ونفره فأتوها ليلا ودخلوها خفية وأخذوا حصانه الشهير وقتلوا له فرسا من أجود ما يكون وأخذوا بقره، ثم بعد ذلك بقليل أيضا نهض كمانده شينبرا وجمْعٌ فيه عبدِ بن امبارك نحو الرشيد وقدموا عليه وضربوه "بالنفظ"من قبل تنمدين بأن جعلوه على ابهيقت تنمدين وضربوا به الدار التي فيها محمد المختار فجعلوها قاعا صفصفا وقتلوا فرسين عنده والحال أن أبناء سيدي الوافي في ذلك الزمن في كتابة افرانسة فلما هجم عليهم محمد المختار منعهم من الذهاب نحو افرانسة فأوقعهم ذلك في عداوتهم وفعلوا بهم افرانسة ما يفعل العدو بالعدو، فلما انهدمت الدار عليه أخذوه أي قومه وأخرجوه منها وأخفوه في بيت من بيوت القصر إلى أن أتى الليل أخرجوه من على عواتقهم حتى بلغوا به موضعا يسمى لعوينه حملوه على جمل نحو ءادرار، ومن ثم حج ومات راجعا من حجه بين مكة والمدينة فيما بلغني والله أعلم بحقيقة الأحوال وبالصادق من الأقوال».[28]

وكانت لرؤوس وأعيان كنتة علاقات ومراسلات مع كبراء الإدارة الفرنسيية في البلاد، من ذلك الرسالة التالية للشيخ امحمد بن البكاي بن بابَه احمد بن الشيخ سيد المختار:

«سلام أسنى وتحية حسنى من سيدنا امحمد بن البكاي بن سيِّدي بابَ احمد بن شيخنا الكبير إلى الرئيس نائب الدولة الفرنسيسية بأرض البيضان موسى كبلانِ. موجبه إعلامُك أنا على خير وعافية، ونعمةٍ من مولان جلَّ وافية. نحمده سبحانه ونشكره, وعسى أن تكون كذلك، وأنا نخبرك بحسن سيرت نائبك بأرضنا "يطن"، وأنه رجل وفيٌّ أمين. وأيضا نوَكِّد ونجدد قوة عهدنا معك، ولا نزال على الوفاء إن شاء الله، وما أوصيتني به هو في قلبي محفوظ، وذلط طبعي والحمد لله».[29]

ومن رؤوس البيضان في تلك المنطقة أيضا، كتب سيدي المختار بن محمد محمود بن عبد الله بن سيدي محمود الحاجيُّ إلى كبولاني كتابا جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده، وصلاته على من لا نبي بعده. أما بعد، فتبليغ السلام والتحية والإكرام من سيد المختار بن محمد محمود بن عبد الله إلى موسى كبلان. موجبُه إعلامك أنه باق على العهد القديم ومن موجبه أيضا إعلامُك أن ولده سَلْكَ بن اجديات مات مسافرا مع أولاد أحمد تجكانت لطلب دينه وموته بقتل ليتامَ، والايتامَ قصدوا ءال سيد بن اعْلِ فأصابته رصاصة من رصاصهم من غير قصد فاكتب لنا أنت ديتنا عليهم وجملنا ومدفعنا وحاملُ الكتاب وكيلنا فيما قلت وأمضيت والسلام يعود كما بدأ».[30]

وبالجملة، يقول الأستاذ الباحث محمد يحيى ولد احريمو: «كانت إمارة إدوعيش، بالمعنى العام للكلمة، أكثر الامارات الموريتانية مقارعة للمستعمر وأبلى أمراؤها في ذلك بلاء حسنا وأُخرجوا من بلادهم وتعرضوا لكثير من المضايقة، ولكنهم مع ذلك، عندما اكتشفوا فشل رهانات المقاومة وعاهدوا المستعمر، أصبحوا أكثر انضباطا ممن سواهم وعملوا على إنجاح المشروع الأمني الذي دعا إليه الشيخ سيديَ بابَه من خلال تعاونهم مع المستعمر على تأمين حدود إمارتهم حتى عمها الرخاء والسلام. وبذلك كان أمراؤهم شركاء للمستعمر في حكم بلادهم وهو أمر تميزوا به عمن سواهم من الإمارات الحسانية. كما أن صراعهم مع الاستعمار واكتشافهم لسياساته التوسعية، وخصوصا الأمير بكار ولد اسويد احمد، سابق لدخول الاستعمار بمدة طويلة، كما تحدث عن ذلك الرحالة الذين زاروا بكار مثل عالي صل وغيره...».[31]

يتواصل بحول الله.

 

[1]- الشيخ سيدي باب بن الشيخ سيدي، إمارتا إدوعيش ومشظوف، مخطوط أصلي بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلمبت، وقد حققه د. إزيد بيه بن محمد محمود 2003م، ود. عبد الله بن سليمان بن الشيخ سيديَ، 2014م.

[2]- نسخة خطية من المعاهدة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية). وانظر أيضا: وثائق من التاريخ الموريتاني، ترجمة وتحقيق وتعليق د. محمدو بن محمذن، تقديم د. عبد الودود ولد الشيخ، منشورات جامعة نُواكشوط 2000، ص 157 بالنسبة للنسخة المترجمة؛ ص 267 بالنسبة للنسخة الأصلية.

[3]- هارون بن الشيخ سيديَ، كتاب الأخبار، مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت قيْدَ التحقيق.

[4]-  نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية)، وقد ورد نصُّها في الحلقة العاشرة من هذه السلسلة، والمخصصةِ لإمارة البراكنة.

[5]-  نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية)،

[6]-  نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[7]-  نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[8]-  نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[9]- هارون بن الشيخ سيديَ، كتاب الأخبار، قيْدَ التحقيق والنشر، مكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[10]- Voir : Commandant Gillier, La pénétration en Mauritanie, Librairie orientaliste Paul Geuthner, Paris 1926, page 140. Gaston Dufour, Historique des opérations militaires entreprises en Mauritanie de la fin du XVIIe siècle à 1920, Dakar, 1924…

[11]-  انظر الحلقة الثامنة من هذه السلسلة.

[12]- من المطرد في منطقة الرقيبة أن الأمير المختار بن أحمد كان كلما دخل المرابط بن أحمد زيدان أطراف "حلَّتَه"  ينتصب واقفا ولا يجلس إلا بعد وصول المرابط خيمة الأمير وقضاء حاجته.

[13]- يقول محمد العاقب ابن مايابى في المرابط بن أحمد زيدان:

فأنت فقيه العصر والعالم الذى--به رُفع التقليد عن كل عــــــــالم

حميت حمى القضاء لما وَلِيتَه--وقد كان أضحى مستباح المحارم...

[14]- هارون بن الشيخ سيديَ، كتاب الأخبار، الجزء المتعلق بإدوعيش، مخطوط قيْدَ التحقيق والنشر.

[15]-  نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[16]- أحمد بن الأمين الشنقيطي، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، ت فؤاد سيد، المدني، ط4، 1409هـ/1989م، ص365 -366-367.

[17]-  نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[18]- هارون بن الشيخ سيديَ، كتاب الأخبار، الجزء المتعلق بإدوعيش، مخطوط قيْدَ التحقيق والنشر.

[19]- هارون بن الشيخ سيديَ،المصدر السابق نفسُه.

[20]- انظر الحلقة الثالثة من هذه السلسلة.

[21]-  يذكر الشيخ هارون نفسُه، في الجزء المتعلق بتجكانت من كتاب الأخبار، أن الأمير المختار بن أحمد بن المختار، أمير اشراتيت، كان في مقدمة الوفد المذكور.

[22]-  هارون بن الشيخ سيديَ،المصدر السابق نفسُه.

[23]-  هارون بن الشيخ سيديَ،المصدر السابق نفسُه.

[24]-  هارون بن الشيخ سيديَ،المصدر السابق نفسُه.

[25]- سيدي ولد الزين، كتاب النسب في أخبار الزوايا والعرب، تح. د. حماه الله ولد السالم، مركز الدراسات الصحراوية، 2014، ص 10-11.

[26]- Pierre Bonte, la résistance des Melainine, article publié sur le web, p10.

[27]- نسخة خطية من الرسالة أهدانيها أخي الباحث محمد يحيى ولد احريمو؛ وقد نشر صورة منها على صفحته في "الفيسبوك".

[28]- سيدي ولد الزين، كتاب النسب في أخبار الزوايا والعرب، تح. د. حماه الله ولد السالم، مركز الدراسات الصحراوية، 2014، ص 81-86.

[29]-  نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية)،

[30]-  نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية)،

[31]- محادثة ومراسلة مع الأستاذ الباحث محمد يحيى ولد احريمو يوم 21 يوليو 2015م.