
من خلال كتاب : " حجاج ومهاجرون " للدكتور حماه الله ولد السالم
غير خاف أن الحياة العلمية و الفكرية بالصحراء الكبرى قد امتد إشعاعها نحو أقصى بقاع العالم الإسلامي بفضل صلات التواصل و التبادل الثقافي بين علماء وشيوخ المحاضر الصحراوية الشنقيطية و نظرائهم بالحواضر العلمية العريقة في المغرب و المشرق بدءا بالقيروان و فاس و انْدِياحاً نحو مختلف بلاد المشرق العربي و تركيا . و يشكل الكتاب الذي ألفه المؤرخ الموريتاني الدكتور حماه الله ولد السالم تحفة ضمت ما تفرق بين كتب التاريخ والرحلات وما سواها من أخبارِ علماءِ الصحراء الكبرى . ونظراً لنفاسة الكتاب و أهميته البالغة في إبراز دور الرحَّالة و العلماء المجاورين و المهاجرين في تمتين صلة الصحراء الكبرى بالحواضر العلمية بالعالم الاسلامي ، سنعمل على تسليط أقْباسٍ من الضوء الكاشف على مضامينه مع الحرص على التعريف ببعض أعيان علماء تجكانت وغيرها من قبائل البيضان الذين سارت بذكرهم الركبان إجلالا لقدرهم وعرفانا بفضلهم.
و الكتاب الموسوم ب : " حجاج ومهاجرون، علماء بلاد شنقيط (موريتانيا ) في البلاد العربية وتركيا من القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر الهجري ، و الصادر في طبعته الأولى عن دار الكتب العلمية ، بيروت 2012، يقع في 413 صفحة ، ويشمل مقدمة وإضاءة و تمهيدا و ستة فصول تناولت على التوالي المباحث الآتية : علماءٌ من العهد الصنهاجي –السوداني ، علماء و رحَّالون ، علماء في معجم مرتضى الزبيدي ، علماء في بلاط السعديين والعلويين ق 12-13ه ، علماء موريتانيا وجاليات شنقيط في الأقطار العربية وتركيا ، شهادات عربية عن بلاد شنقيط و علمائها.
و نظرا لشيوع وذيوع مصطلح شنقيط في الكتاب متنا و عنوانا ، فقد آثر المؤلف تخصيص مقدمة الكتاب والإضاءة لتحديد الماصَدُق الذي يقع عليه المصطلح ، و بيان من هو الشنقيطي ؟
معنى بلاد شنقيط ومشمولاتها :
صدر المؤلف مقدمته بالقول إن " الحديث عن بلاد شنقيط ، يعني ، في الغالب ، أهل الصحراء التي تشمل موريتانيا الحالية وما يتصل من الشرق و الشمال و الشمال الغربي . وهي حدود بلاد البيضان ... " ص 5 ، " و قد عُرفت تلك الأقاليم من الصحراء الكبرى بأوصاف عديدة : بلاد الملثمين ، بلاد صنهاجة ، بلاد المغافرة ، بلاد الساقية الحمراء ، و أسْماها الغربيون تارة بغرب الصحراء ، والصحراء الغربية ، أو الصحراء الأطلسية Sahara Atlantique، وهو الغالب " ص 5.
و الواقعُ أن تطور المصطلح و اختلافُ سياقاته الثقافية و السياسية يحتاج إلى بحث مستقل ، خاصة وأن كثيرا من الأبحاث و الأطاريح تستخدم المصطلحات على تباينها دون التفات إلى ما ينجم عن التخبط في استخدامه من بلبلة في ذهن المتلقي الذي يحتار في تعيين المقصود بالصحراء الأطلنتية و بلاد البيضان و الصحراء دون إضافةٍ رفعا للحرج الذي أملاه النزاع ، ويبدو أن الدكتور حماه الله قد استشعر فداحة تأثير الصراع السياسي على استخدام المصطلح الثقافي ، فقال : " ...يتجنب بعض الناشطين السياسيين من قبائل البيضان ... الانتساب لبلاد شنقيط ، رغم علمهم أنه مصطلح ثقافي لا يحمل أية شحنة سياسية ، بل يذكر بالصورة المضيئة لبني عمومتهم من البيضان ... لأن هوية البيضان لا تتجزأ سواء وجدوا في موريتانيا – خيمتهم الكبرى – أو في المغرب أو الجزائر أو في مالي أو النيجر" ص 6.
و الحاصل ، إن " بلاد شنقيط " هو المصطلح الذي رآه المؤرخ حماه الله جامعا لما يسمى في بعض المراجع ببلاد البيضان أو بلاد الملثمين أو بلاد صنهاجة ، و استعمالُه المصطلح يجمع برأيه " بين المدلولين الجغرافي و الثقافي في آنٍ ، لتجنب الحساسيات السياسية و الايديولوجية ، ولأن علماء واعيان البيضان توجد في تراجمهم نسبةُ الشنقيطي متبوعة بالصحراوي أو بدونها " ص 6.
وسعيا لإبراز دور الرِّحْلات الحجية في التواصل بين الشناقطة وفق المعنى المتقدم و باقي الحواضر العلمية الاسلامية ، أفرد المؤلف صفحات عنونَها ب : إضاءات ، صدّرها بالسؤال الآتي : من هو الشنقيطي؟ ، محاولا النظر من أعالي التاريخ قائلا : " كان الحج نافذة الشناقطة على العالم ، و أهمُّ دولة عرفتها الصحراء ... دولة المرابطين ، كانت نتيجةً مباشرةً لأول رحلة حج " رسمية" من الصحراء " ص 9 ، يقصد رحلة يحي بن ابراهيم لكدالي ولقاءه أبا عمران الفاسي ، وما تهيأ بعد ذلك من أسباب الاتصال التي أفضت إلى قيام دولة المرابطين التي أسهمت عواملُ المناخ القاسي في انزياحها من الصحراء و قيامها بالمغرب . ، حيث " السهول الخضراء و الهواء العليل عكسا لمناخ الصحراء وما فيها من شظف العيش ، وهو حال تفطن له مؤرخ الأندلس ابن بسام في موسوعته الشهيرة " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " ...، (إذ قال مترجما لقاضي المرابطين ) محمد بن الحسن الحضرمي المرادي المتوفى سنة 489 هجرية ...و توفي رحمه الله في بلاد أزكَي بالصحراء حيث لا يروق وجه النهار ، ولا يَحسُنُ صوبُ القطَّار..أي لا يصحو الجو بفعل الغبار ، ولا يجد أربابُ القوافل بغيتهم لخلوّ الصحراء من الطُّرَف و المتاع الثمين" ص 13.
و اختتم الكاتب الإضاءة التي سلطت الأنوار على أصول الشناقطة و سكان الصحراء الكبرى ، بالقول إن الشنقيطي إذا ذكر بالمشرق ، انصرف الذهن إلى أحد رجلين : " محمد محمود بن التلاميد التركزي بجدَلِه و حدّته في الحق ...و محمد الأمين بن محمد المختار الجكني (آبة بن اخطورة = شهرةً)، صاحب تفسير أضواء البيان الذي اعتبره " أول اختراق شنقيطي لمدرسة السلفية النجدية ، و أبرزَ مظهر للقطيعة مع التقليد الفروعي الصحراوي القديم " ص 24. أما التمهيد ، فقد خصه لكلام مسهب عن " نموذج المحظرة : الحفظ و الرواية " ص 27، موضحا طرق التلقين في هذه " المؤسسة التعليمية البدوية المتنقلة و الراقية " التي عدّها من " أسباب التميز الشنقيطي في المشرق و المغرب " ص 27.
و قد ذكر المؤلف في الفصل الأول شذراتٍ من سير وتراجم جمهرةٍ من علماء العهد الصنهاجي – السوداني الذين عُرفوا بالعلم والإتقان في القرون الثلاثة الممتدة من السابع إلى العاشر الهجري ، يتقدمهم الحسن المسوفي التكروري ومحمد بن عبد الله التكروري و آخر من ذكرهُ منهم الفقيه الحافظ مخلوف البلبالي نسبة لواحة تابلبالت على الضفة الشمالية للصحراء ، أخذ عنه الكثير من الطلبة بولاتة و فاس ، ثم رحل برسم التدريس في أكبر مدن شمال نيجيريا ... وفي آخر حياته عاد إلى المغرب ، واشتغل بالتدريس في مراكش ، قبل أن يقتل مسموما بعد عام 1534م، أما العلماء الرحالون الذين خصهم بالفصل الثاني ، فقد اقتبس تراجمهم من فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور للعالم الرباني البرتلي ، ومن أشهرهم الطالب أحمد بن طوير الجنة الحاجي الواداني ، ومن أغزرهم تأليفا : الشيخ ماء العينين الذي ذكر تآليفه الغزيرة و رحلته إلى الحج و مروره بالجزائر ،وخصوصا مدينة تندوف ،حيث " لقي الشيخ المختار بن بلعمش الجكني ..." ص 88.
وقد عني المؤلف في الفصل الثالث باستقصاء العلماء الذين " ترك محمد مرتضى الزبيدي المتوفى سنة 1205ه تراجمهم بالغةَ الأهمية في " معجم المشائخ " ، ومنهم : إبراهيم بن إدريس بن عبد القادر التواتي و عمر بن المصطفى الكنتاوي و احمد بن محمد السباعي و آخرون .و نظرا لكون " الصلات بين بلاد شنقيط والمغرب قديمة متصلة منذ الفتح إلى العهد المرابطي وما بعده ، وتعززت مع العهد العلوي و انفتاحٍ على الصحراء الكبرى ... فقد تردد عدة أمراء و علماء من بلاد شنقيط على البلاط المغربي العلوي" ص 113 ، عدّ منهم المؤلف في الفصل الرابع عبدا لله بن ابراهيم بن الإمام عبد الرحمان العلوي ، وهو فقيه ضليع عالم بالأصول ...درس على الجِلّة : المختار بن بُونة الجكني و عبد الله بن الفاضل وغيرهم" ص 113.
و قد مثّل الفصل الخامس الذي ينبسط على امتداد 226 صفحة الصدرَ الأعظم من الكتاب ، إذ بسط المؤلف فيه تراجم علماء الصحراء الكبرى الذين اشتهروا ببلدان عربية كثيرة منها السودان ومصر و الأردن و فلسطين و سوريا و بلدان الخليج العربي و تونس و المغرب ، و سنكتفي بذكر الباشا البيضاوي الجكني الذي نقل المؤلف جانبا من مساجلاته الأدبية مع بوجندار و عبد الله القباج الذي دعاه لمأدبة ، فتخلف عنها ، و أنشد هذه الأبيات الجميلة الطريفة (ص 257):
تأملْ في القضية خيرَ صاحِ /// و لا تَسمع شكايةَ كلِّ لاحِ
فإن الشاعرَ المطبوعَ حقّاًَ /// دعاني للغذاءِ و الانشراحِ
و لكنْ دأبُه في القولِ مَزْحٌ /// مَعي فحملتُ ذاك على المِزاحِ
وقد أنهى المؤرخ كتابه الجميل بالفصل السادس الذي جمع فيه " شهادات متنوعة ومختلفة من حيث زمانُها و مكانُها " ص 361 ، استهلَّهَا بمناقشةٍ مستفيضةٍ للصفة المشهورة "بلدُ المليون شاعر" التي أطلقها الدكتور الحاجري ، و انتشرت وذاعت إلى يوم الناس هذا ، وهو ما ناقشته مقالة عامة في موقع (الإسلام اليوم) بعنوان : ( لقبُ " بلاد المليون شاعر " بين الحقيقة و المبالغة ". ، وختمها بالكلام عن الديمقراطية و الإعلام : ترميم صورة موريتانيا ( ص 400).
و انسجاما مع تعريف المؤرخ للصحراء الكبرى و الهوية الثقافية التي تتجاوز الحدود القُطرية السياسية لتلامس وجدان الشعوب التي يوحدها أكثر مما يمزقها ، أثبت المؤلف ضمن فهارس الكتاب خريطة توضيحية تبرز مجال البيضان .

.jpeg)
.jpg)