تعتبر المناجم ذات أهمية اقتصادية كبيرة على الصعيد الوطني، وبالرغم من ذلك فقد ظل استغلالها مقيدا ومرهونا بقوانين لا تتلاءم مع التطورات الحاصلة في هذا المحال ولا مع تطلعات بلادنا بهذا الخصوص، تاركة المجال مفتوحا أمام سوء استغلال وتدبير القطاع المنجمي بقوانين لا تشترط التوفر على القدرات التقنية والمالية لمن يرغب في استصدار تراخيص الاستكشاف أو البحث أو الاستغلال، ولا تضع حدا للحصول على التراخيص بدون قيود لاستغلالها في المضاربات، بيعا وشراء وكراء، كما هو الواقع المعاش للأسف ، حيث أن أشخاصا لا علاقة لهم بالمجال ولا طاقة لهم بالاستغلال المنجمي يحصلون على هذه الرخص للمتاجرة والمضاربة بها، مما يمثل وجها من أوجه الريع الخطير المبدد لثروات البلاد والكابح لحسن استغلالها.
ولا شك ان موضوع الثروات المعدنية من المواضيع التي تشغل فكر صانعي القرار في كل الدول، سواء المصدرة او المستوردة باعتبارها عصب الاقتصاد في كل دول العالم على اختلاف مستوى تقدمها او تخلفها.
و بلادنا من البلدان التي تتمتع ببيئة غنية بالموارد المعدنية ولكنها حتى الآن غير مستغلة بالدرجة التي تجعلها أحد مصادر الدخل القومي مما يتطلب تحديث تشريعاتنا المنجمة بهدف خلق مناخ مناسب للاستثمارات في القطاع المعدني في ظل المتغيرات والمستجدات الإقليمية والدولية .
إن الانتقال من منطق مؤسس على تقديم الامتياز في مجال تدبير الموارد الطبيعية إلى منطق مؤسس على الالتزام والتعاقد ودفاتر الالتزامات . يتطلب إعادة النظر في العديد من التشريعات وفق هذا المنظور لذالك ادركت كل الحكومات المتعاقبة أهمية تحيين هذه القوانين وتعهدت بذالك في العديد من برامج حكوماتها الا ان البيروقراطية الإدارية تقتل كل تلك الطموحات فأصبحت التعديلات التي تقدم على القوانين تأتي من اجل تسوية وضعية قائمة للتعاقد مع زيد او عمر وليس من اجل تفعيل دور هذا القطاع في دفع عجلة النمو والمساهم الفعالة في الاقتصاد الوطني كي يستجيب لإنتظارات المواطنين من هذه الثروة فالجميع يتساءل لماذا نحن بلد مليء بالثروات المعدنية والطاقية منها ما تم استغلالها ومنها غير ذالك ومع ذالك لا تنعكس على الاقتصاد ولا حياة المواطنين وثمار النمو التي تخلقه تسقط في الغالب خارج الحدود فغالبية هذه المعادن لا تزال حتى الان تصدر بشكل خام دون ان تكون لها قيمة مضافة
لذالك فان هذه الآمال لا يمكن تحقيقها إلا من خلال قوانين تجيب عن ماذا نريد من معادننا ؟
فقانون المدونة المعدنية رقم 011-2008 الصادر بتاريخ 27 أبريل 2008 ولم يشهد سوى تعديلات طفيفة أجريت عليه سنوات 2009 و 2012 وهو قانون به الكثير من الاختلالات منها
-ارتهانه ثروة البلد لأشخاص لا يمتلكون الإمكانيات المالية ولا الفنية لاستغلال هذه المعادن من خلال نظام حيازة الرخص حيث يمكن للشخص الواحد الحصول على عشرين رخصة في آن واحد وبمساحات كبيرة ولعشرات السنوات
-إضافة الى تعطيل العديد من احكام مدونة الضرائب او تسقيفها بدافع جاذبية مناخ الاستثمار مما يحد من الاستفادة من هذه الاستثمارات والتي ليست بها قيمة مضافة ولا تخلق الكثير من فرص الشغل
-بالنسبة للمستثمرين لم يعودوا يهتمون كثيرا بما تتيحه القوانين من اعفاءات ضريبية بل يتجه اهتمامهم اكثر الى مستوى الأمن القضائي في البلد وهو من اكبر معوقات الاستثمار في بلادنا فلا يوجد قضاء او قضاة متخصصين في المجالات المالية والصناعية حتى الان رغم جهود الإصلاح المقام بها في هذا القطاع إلا ان تنزيل هذه الإصلاحات لا يزال بطيئا فلا يزال زمن التقاضي طويل في هذه القضايا التي تحتاج إلى السرعة في الحسم مما يجعل المستثمر يعتمد نسبة مخاطر كبيرة أثناء اتخاذ القرار بالاستثمار في البلد مما يقلل من هوامش الاستفادة من الثروة .
-كذالك هذا القانون خلق الكثير من الاحتكاك والمشاكل بين القطاعات الصناعي والشبه الصناعي والتقليدي مما عطل الكثير من الاستثمارات.
-كذالك لايزال هناك عجز وفوضى كبيرة في تسيير وإدارة مقالع الحجارة وإدماجهم في النسيج الاقتصادي
- القانون رقم 012-2012 الصادر بتاريخ 12 فبراير 2012 والذي ينظم الاتفاقيات المعدنية ويصادق على الاتفاقية المعدنية النموذجية والذي تم التعديل عليه مؤخرا في نهاية يوليو 2025
حيث تضمن هذا التعديل تعطيل اهم احكام هذا القانون الوارد في المادة (5) والتي تنص في قانون 2012 على :
" باستثناء الحالة التي يكون فيها صاحب الرخصة شركة خاضعة للقانون الموريتاني يقتصر هدفها على العمليات المعدنية المترتبة على امتياز معدني فيجب عليه ان ينشأ شركة خاضعة للقانون الموريتاني تكون الدولة مساهمة في راس مالها بنسبة 10% وذالك طبقا للشروط الواردة في هده الاتفاقية والمدونة المعدنية. فهذه المساهمة المعفية من أي تكاليف لن تعرف أي تمييع في حالة زيادة راس مال الشركة
تتمسك الدولة بحقها في ممارسة خيار مساهمة إضافية نقدية بنسبة 10 % على الأكثر في راس مال شركة الاستقلال التي يتم انشاؤها طبقا لاحكام المدونة المعدنية "
فيما أضاف التعديل الجديد على المادة (5جديدة) فقرة جديدة تعطل النص السابقة وتنص علة مايلي :
" لاتطبق احكام هذه المادة في حالة تجديد الاتفاقية على شركات الاستغلال المرتبطة مع الدولة بموجب اتفاقية معدنية سابقة على دخول القانون رقم 012-2012 الصادر بتاريخ 12 فبراير 2012 المنظم للاتفاقيات المعدنية والمصادق على الاتفاقية المعدنية النموذجية "
هذا التعديل جاء في اطار التحضير لتجديد اتفاقية شركة MCM التي استفادة من اتفاقية مجحفة استمره 17 سنة وحافظة على نفس الامتيازات الضريبية والجمركية مع استثناءات ضئيلة الأثر وعلى شاكلتها ستحصل تازيازت وغيرها ممن لديه رخصة استقلال سابقة على صدور هذا القانون وحتى اللاحق له من المستثمرين الجدد لن يقبلوا بأقل مما حصل عليه غيرهم وبالتالي سيظل مسلسل ارتهان الثروة للغير مستمر
كذالك القانون القانون رقم 012-2012 الصادر بتاريخ 12 فبراير 2012 المنظم للاتفاقيات المعدنية والمصادق على الاتفاقية المعدنية النموذجية لم يبوب على تمديد الاتفاقيات فلا فرق في احكامه بين اتفاقية جديدة وأخرى سيتم التجديد لها فلكل منهما نفس الامتيازات رغم سنوات الإعفاء الكثير التي يستفيد منها المستثمر في المرحلة الاولى
- الاتفاقية النموذجية لا تفرق بين اتفاقية لمعادن ثمينة وأخرى لمعادن استراتيجية ومقالع الحجارة
-حضور البيئة في الاتفاقية النموذجية ضامر حيث انحصر ذكرها في فقرة انشائية في المادة 64 رغم التحديات البيئيّة الكبيرة التي تخلفها هذه الاستثمارات والتي تتعدى أضرارها الآجال التعاقدية لهذه الاستثمارات بقرون
-كذالك لم تبوب هذه الاتفاقية النموذجية على اي مساهمة محددة لأصحاب الامتيازات المعدنية وكذالك المقالع في صيانة الطرق التي تهلكها آلياتها فيما يتحمل دافع الضرائب الوطني إصلاح ما أفسدته هذه الشركات
اما البنى التحتية الهيدرومائية من بحيرات جوفية وشبكات نقل فتتعرض للاستنزاف المفرط من خلال خطوط نقل متهالكة تجاوزت عمرها الافتراضي بعشرات السنين يضيع من خلالها الكثير ومايصل يتم استغلاله في معالجة المعادن دون ان تبوب هذه الاتفاقيات على صيانتها ولم تحدد طرق تسييرها
-اما المساهمة الاجتماعية للشركات فتركت للتفاوض بعد توقيع الاتفاقية وهو أمر قد لايحصل ويبقى الحال على ما كان عليه وحقيقة الأمر ان المجتمع هو من ينفق على هذه الشركات حيث ان غالبية الغلاف المالي المخصص للجوانب الاجتماعية تتم فوترته على خدمة التزود بالمياه وأكبر مستفيد منها هو المستثمر نفسه حيث يستخدم 720000م3 من المياه سنويا فيما تستفيد الساكنة من 900م3 يوميا (حسب بيانات شركة MCM)
وسانشر لكم لاحقا قراءة في اتفاقية MCM الجديدة كنموذج على ماورد من نقاط في هذه التدونة
النائب:سيداحمد محمد الحسن

.jpeg)
.jpg)