تأبين ووضع للأمور في نصابها/ الصادق ولد عبد الرحمن

سبت, 2025/12/27 - 07:13

الإسلاميون هم العمودُ الفقريُّ للمجتمع، وصمّامُ الأمان الذي يُعوَّل عليه في حماية الأمة عقيدةً وأخلاقًا، وفي صون الوطن أرضًا وقيمًا ودستورًا. بذلوا أوقاتهم، وأقاموا الصروح لتنمية الإنسان وتطويره، فلم يُميّزوا بين جهةٍ وأخرى، ولا بين عِرقٍ وفئة، بل ربَّوا في الناشئة روحَ الجِد، وصانوا طاقات الشباب من الهدر، وحصّنوا عقولهم من الانحراف. فكثيرًا ما أخذوا الشاب غضًّا لم يُصقَل عوده، فأعادوه إنسانًا آخر: منتجًا يُعتدّ به يوم الرخاء، وركنًا يُستند إليه يوم الشدة.
وهذه وقفةُ وفاءٍ وتأملٍ بين يدي الفاجعة التي ألمّت بالوطن في فلذات كبده؛ شبابٍ ترعرعوا في كنف الصحوة الإسلامية، فنهلوا من معين تربيتها الشمولية، وارتضعوا لبان هدايتها التزكوية، فتمّت مكارم أخلاقهم، وتفتّحت مواهبهم، وازدادت المعادن التي جُبلوا عليها صفاءً ونُبلًا. عرفَتهم ساحاتُ الوطن الثقافية والفكرية، ومنابره العلمية والأكاديمية، بل تجاوز إشعاعهم حدود البلاد، فكانوا خيرَ سفراء للوطن علمًا وأدبًا وثقافة.
لقد رأينا أخوينا الحبيبين — تغمّدهما الله برحمته ومغفرته — حيثما حلّا يتركان بصمات فخر يعتز بها كل موريتاني. رأيناهما في الندوات العلمية، وفي القوافل الإغاثية، وفي الجمعيات الشبابية، يتقدّمان الصفوف ويقودان المبادرات،   ولا شك أن رفيقهما الدكتور ول عبد الجبار له دور بارز كذلك - حضورًا مؤثرًا، وفعلاً نافعًا.

وآن للوطن أن يُدرك مصادر قوته، وأن يصون رصيد ذخيرته البشرية. إن خسارة هؤلاء الشباب ينبغي أن تكون نقطة تحوّل نحو استثمار جادّ لطاقاتنا وكفاءاتنا الوطنية، في ظرف تاريخي وجغرافي بالغ الحساسية؛ فالاتحاد الأوروبي يعدّ أمنه الاستراتيجي ممتدًا من حدود موريتانيا، وروسيا تُسرع الخطى لتعزيز حضورها في الإقليم، ومالي توشك أن يتعثر فيها مشروع الدولة، وغرب أفريقيا يُبدي شغفًا مقلقًا بالانقلابات العسكرية.
وفي الوقت ذاته نشهد بوادر طفرة اقتصادية لا تقوم إلا على «القوي الأمين»: المواطن النزيه المستقيم. فإذا نحّينا بعض الأيديولوجيا جانبًا، وفتحنا أبواب التمكين للكفاءات، ووفّرنا بيئة تعين على النزاهة وتحمي من فخاخ الفساد، فإن قطار التنمية يمكنه أن ينطلق بثقة، ونحن مطمئنون إلى أن السكة آمنة، والطريق مفضٍ إلى إصلاح حقيقي ونهضة شاملة.
ولا يقتصر هذا النداء على الجهات الرسمية وحدها، بل يشمل كذلك مؤسسات المجتمع المدني، ويطال المجتمع بأسره؛ فلا معنى لأن يحظى نُبغاء شبابنا بتقدير العالم — نُخبًا ومؤسسات — وتُمنَح لهم المكانة التي يستحقونها، بينما يزهد فيهم الأقربون. 

لعل هذه الفاجعة في هؤلاء الأحبة توقظ فينا حسًّا جمعيًا، ووعيًا وطنيًا بقيمة رصيدنا المعنوي الزاخر من المثقفين والأكاديميين والدعاة والمصلحين، قبل فوات الأوان.

الصادق ول عبد الرحمن