آراء حول مقتطفات من مقال الهادي محمد المختار النحوي  "قراءة في مذكرات وزير الخارجية الاسبق احمد ولد تكدي"/د. سمير الددا

خميس, 2026/01/29 - 09:28
الدكتور سمير الددا /كاتب فلسطيني

في 26 يناير الجاري نشر موقعكم الموقر مقالاً مسهباً بعنوان: "قراءة في مذكرات وزير الشؤون الخارجية الاسبق احمد ولد تكدي" للكاتب الهادي بن محمد المختار النحوي , يعرض فيه الكاتب ملخصأ لكتاب نشره وزير الشؤو الخارجية السابق احمد ولد تكدي, والكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للمؤلف ولد تكدي ومسيرته الدبلوماسية والسياسية الطويلة والحافلة, ولفتني في هذا الاطار فترة خدمته طيلة 14 عاماً ممثلاُ لموريتانيا في الكيان الصهيوني وما ذكره في الشأن الفلسطيني وهو ما ستدور حوله هذه العجالة.
اولاً: من حيث الشكل, كان ملفتاً ان الكتاب يقع في 290 صفحة كما ذكر كاتب المقال, ولفتني ايضاً قراءته الفاحصة واشارته إلى وجود بعض الاخطاء اللغوية والاملائية والاسلوبية.
مقال الاستاذ النحوي اتصف بالموضوعية, فاشاد بالمؤلف في الأماكن التي اقتضت الإشادة (مؤهلات, انجازات, مناصب...الخ) واتنقد بلا مجاملة في الأماكن التي استدعت ذلك (تبني المؤلف السردية الصهيونية في اوقات وظروف معينة كالحرب على لبنان, الحرب على غزة, الاعتداءات على مدن الضفة الغربية).
ومن ناحية اخرى, لفتني ايضاً إغراق المقال بالتفاصيل, وفي البداية ظننت ان ذلك ترويجاً للكتاب, حيث غلب على المقال الطابع التلخيصي للكتاب بدلاً من تناوله بالتحليل وبيان ما له وما عليه, وكان على الكاتب (الهادي) الاشارة الى ذلك في صدر المقال ليترك للقارئ الخيار إما المتابعة او الإحجام.
في بعض المواقف المقال اشترى بضاعة المؤلف (الانجازات) وكان الاجدر التريث قليلاً, بصراحة لم اقع على اختراق دبلوماسي وسياسي مبهر, في تقديري الشخصي انه يمكن ادراج كل ما اشار إليه المؤلف ضمن مهام دبلوماسية او سياسية معتادة لمن هم في نفس المواقع التي شغلها.
ثانياً من حيث المضمون (هنا بيت القصيد),
من المسلم به ان فن كتابة المذكرات يهدف بالدرجة الأولى الى تسليط الأضواء على إنجازات بعينها في حياة المؤلف يفخر بها, وكذلك الإشادة بالذات وتعظيمها وإبراز الجوانب التي يريد المؤلف إبرازها لتلميع صورته ولفت الأضواء إلى شخصه بالإضافة إلى توثيق أهم المحطات في مسيرته المهنية وحياته الشخصية.
هناك عدة جوانب شملها الكتاب, ولكن كما اشرنا سأركز على ما يخص الشأن الفلسطيني.
كون الرجل صاحب المذكرات خدم في الكيان الصهيوني لمدة 14 سنة (1995-2009), هذا في حد ذاته تجريج في ذاته, صحيح انه يؤدى مهام رسمية كلف بها, ولكن الحماس الواضح من خلال كتابته ووقوفه على الحياد اثناء المواجهات مع الكيان الصهيوني بل استعماله لمصطلحات صهيونية أثناء مواقف كثيرة، اثناء الحروب على لبنان وغزة والضفة الغربية والانتفاضة هو الملفت والذي يثير الشكوك.
اكثر ما لفتني في هذا الشأن زعمه ان التطبيع بين موريتانيا والكيان كان استجابة لرغبة فلسطينية, وهذا ادعاء بحاجة الى إثبات, لأن المصلحة الفلسطينية هي اصطفاف جميع الدول العربية والاسلامية خلف الموقف الفلسطيني وليس إضعافه والالتفاف عليه بالتطبيع مع الكيان, والتطبيع ورقة سياسية مهمة جداً في يد المفاوض الفلسطيني, وإن طبعت اي دولة عربية او اسلامية بدون إقامة دولة فلسطينية وحل باقي ابعاد القضية الفلسطينية فهذا يضعف هذه الورقة وبالتالي يضعف الموقف الفلسطيني وبالتبعية يقوي الموقف الصهيوني, ولا أظن ان اي مسؤول فلسطيني يرغب في ذلك, ولعل إشارته إلى أن اي من المسؤولين الفلسطينيين لم يزر موريتانيا بعد التطبيع  وكذلك إشارته إلى مهاجمة وزير الثقافة الفلسطيني الأسبق ياسر عبد ربه لعملية التطبيع في مختلف وسائل الإعلام بشدة يتناقض مع ما زعمه المؤلف ان التطبيع كان بناء على رغبة فلسطينية, وهو ادعاء يفتقر للمنطق, مما يشكك في مصداقية هذا الادعاء ومصداقية الكتاب بل في مصداقية المؤلف.
لفت نظري ادعاء المؤلف "ان حرب الكيان على غزة عام 2007 جاءت رداً على هجمات صارخية شنتها حماس, وهذا تبني فج للسردية الصهيونية كما ورد في المقال, لأنه ببساطة من المعروف ان حكومة حماس التي جاءت للسلطة في صيف عام 2006 كان عمرها اقل من عام واحد وقت الحرب عام 2007 ولم تكن تملك صواريخ كما يزعم مؤلف الكتاب, وكذلك الادعاء ان الكيان نفذ حينها خطة لتفكيك شبكة الانفاق (مترو حماس) ومرة اخرى تبنى السردية الصهيونية, وهذا ادعاء غير حقيقي, الكيان الصهيوني استولى على قطاع غزة عام 1967 لغاية صيف 2005, وحماس جاءت للحكم في صيف 2006, هل استطاعت ان تبني شبكة انفاق (مترو حماس) في بضعة اشهر....؟؟؟؟ ادعاء يفتقر للمنطق السليم, ليس لدي معلومات دقيقة عن  تاريخ الانفاق, لكن اغلب الظن انها بدأت تظهر بعد عام 2015 على الارجح....
كذلك ادعاء المؤلف بأن الدبابات الصهونية التي كانت تحاصر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في المقاطعة برام الله اواخر 2001 انسحبت من هناك استجابة لطلب موريتانيا, الحقيقة التي يعرفها الجميع أن الدبابات الصهيونية دمرت مباني المقاطعة بالكامل, ولم تغادر المكان الا بعد مغادرة ياسر عرفات الى باريس لتلقي العلاج على اثر تدخل السعودية لدى الرئيس بوش الابن حينها.
وأيضا ًما ذكره أن الزعم ميخائيل موراتينوس طلب من المؤلف ان تستقبل موريتانيا بعض مبعدي كنيسة المهد, لا اعلم له اصلاً, ولم اسمع به من قبل.
كما سبقت الإشارة إلى تبني الرواية الصهيونية وذكرها في الكتاب على انها مسلمات وإيراد حوادث تفتقر للدقة والمنطق والدليل يشكك في مصداقية الكتاب والمؤلف.
لنعود قليلاً الى ملف التطبيع, شخصياً أميل تماماً الى ما ذهب إليه المحامي والدبلوماسي الشيخ ولد باها ان التطبيع فرضته ظروف سياسية واقتصادية وتطورات اقليمية ودولية.
اتفق مع ما ذهب إليه كاتب المقال ان الفصل الخاص بالكيان استفزازي وغير حري بالنشر بالعربية.
اما حديث مؤلف الكتاب عن الذكريات في الكيان, لا اعرف عن اي ذكريات يتحدث الرجل, كيان تاريخه يزخر بالمجازر والدماء والقتل والدمار وسرقة البيوت والأراضي وتهويد الأقصى والقدس والمقدسات.
اي ذكريات لعصابة مجرمين ارهابيين تسللوا إلى فلسطين من شرق اوروبا تحت ستار الهروب من المحرقة النازية طلباً للحماية عند  المسلمين, ثم انقضوا على الفلسطينيين وادعوا انهم ورثة إبراهيم عليه السلام الذي كتب الله الأرض له (علماً ان ابراهيم عليه السلام انجب اسماعيل واسحق عليهم السلام جميعاً), والحقيقة انهم ليس لهم علاقة بهذه الأرض من قريب او بعيد بشهادة احد اهم واشهر مؤرخيهم وهو ارثر كستلر صاحب "كتاب القبيلة الثالثة عشرة", وهو يهودي صهيوني شديد التطرف لجأ الى فلسطين وخدم في الحكومة الصهيونية ثم عاد من حيث أتى عندما اكتشف الخدعة الكبيرة التي يروج لها عتاة الصهاينة بأنهم من نسل يعقوب بن اسحق بن ابراهيم وانهم ورثة الأرض وكأن ابراهيم عليه السلام لم ينجب غير إسحق.
كيستلر قال في كتابه ان هؤلاء (يقصد من عمل معهم عند قيام الكيان) هم من شعب الخزر وليسوا ساميين او شرقيين, إنما اعتنقوا اليهودية لأهداف سياسية, كانت مملكة الخزر تقع بين أماكن سيطرة الخلافة العثمانية الإسلامية والممالك الأوربية المسيحية, وخوفاً من اتهام هذا المملكة بالانحياز إلى طرف دون اخر قرر ملك الخزر حينها اعتناق دين غير الإسلام والمسيحية ليكون على الحياد تجنباً لاستفزاز كليهما, فأشار اليه مستشاروه باعتناق الدين الثالث, اليهودية, وهكذا كان, أي أنهم غير شرقيين ولا ساميين وأنهم ليسوا من اي من أثناء يعقوب بن اسحق الاثنى عشر والذي يسمى اسرائيل (اسباط بني اسرائيل), من هنا جاء عنوان كتاب كيستلر (القبيلة الثالثة عشر) اي يصف بتهكم هؤلاء اللقطاء بالقبيلة الثالثة عشر, الكتاب مهم انصح بالاطلاع عليه.
 
د. سمير الددا
samirladada@hotmail.com