
الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فهذا عملٌ أرجو أن ينفع الله به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، مقرونًا بالتوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أما بعد:
فإنه من القضايا التي استأثرت بعناية الفكر الإسلامي المعاصر قضية الحرية؛ لما ارتبط بها من إشكالات فكرية وسياسية واجتماعية، ولما أثير حولها من دعاوى تتراوح بين اتهام الشريعة بتضييق دائرة الحرية، وبين تحميلها من المعاني ما لا تحتمله نصوصها، وفي هذا السياق يأتي كتاب الحرية في النصوص الشرعية: أصولها وفصولها للأستاذ إخليهن الرجل محمد الأمين، محاولةً لإعادة بناء مفهوم الحرية من داخل المرجعية الإسلامية، مستندًا إلى النصوص الشرعية، ومستصحبًا ما دار حولها من نقاشات فكرية قديمة ومعاصرة.
والكتاب ليس معالجةً لمسألة جزئية، وإنما هو معالجة "شاملة لقضايا الحرية بأشكالها المختلفة؛ فردية، واجتماعية، وسياسية"، والكتاب مشروع يروم بناء تصور متكامل للحرية في الإسلام؛ ولذلك انتظم في تمهيد وأربعة فصول، بدأ فيها بتحرير المفهوم وجذوره، ثم انتقل إلى الأصول الكلية، قبل أن يعالج الحريات الفردية والاجتماعية والسياسية، وما يتصل بها من قضايا الديمقراطية والعلمانية والعلاقة بين الدين والدولة. وهذه الوحدة في البناء من أبرز ما يلفت النظر في الكتاب.
وعند الاطلاع على كتاب الحرية في النصوص الشرعية، يظهر أنه عمل فكري جاد يسعى إلى إعادة تأصيل مفهوم الحرية في ضوء النصوص الشرعية، لا من خلال الدفاع الانفعالي، ولا من خلال التسليم للمقولات الغربية، بل "النص الشرعي هو المعيار المرجعي" في هذا الكتاب وإنما بمحاولة بناء نظرية متماسكة تنطلق من القرآن والسنة ثم تناقش أبرز القضايا المعاصرة المتصلة بالحرية، كالحرية الفكرية والاجتماعية والسياسية، والعلاقة بين الدين والدولة، والديمقراطية والعلمانية. وقد تفَصَّل الكتاب في تمهيد وأربعة فصول تتدرج من التأصيل النظري إلى التطبيقات العملية.
وفيما يأتي ورقة تعريفية ونقدية تتعلق بهذا الجهد الجاد:
أولا: تصدير
صدر كتاب الحرية في النصوص الشرعية: أصولها وفصولها للباحث الحصيف الدؤوب: إخليهن الرجل محمد الأمين، في نحو مائتي صفحة، عن دار هدهد للطباعة والنشر بإسطنبول سنة 2024م، وهو من الكتب التي تتناول أحد أكثر المفاهيم حضورًا في الفكر الإسلامي المعاصر، وأشدها إثارة للجدل، وهو مفهوم الحرية.
ثانيا: أبرز جوانب القوة
1) وفرة المصادر وثراؤها
من أبرز ما يلفت النظر في هذا الكتاب سعة الاطلاع على المصادر التراثية والمعاصرة؛ إذ لم يقتصر المؤلف على كتب التفسير والفقه وأصول الفقه، وإنما استحضر زيادة على ذلك عددًا كبيرًا من الكتابات الفكرية الحديثة، الإسلامية وغير الإسلامية، وربط بينها ربطًا يدل على متابعة جيدة للأدبيات المعاصرة.
2) قوة التأصيل والمعالجة
مما يطبع الكتاب وضوح التأصيل قبل التنزيل؛ فهو لا يدخل إلى القضايا التطبيقية مباشرة، وإنما يمهد لها بتحرير المفاهيم، وبيان الخلفيات الفلسفية، والبحث عن الجذور النصية للمسألة، وهو منهج يضفي على الكتاب قدرًا من القوة والتماسك الداخلي، ثم إنه لم يتناول الحرية من زاوية فقهية ضيقة، وإنما جعلها قضية حضارية ذات امتدادات عقدية ومقاصدية وفكرية، فجمع بين كتب التفسير والفقه وأصول الفقه والمقاصد، وبين الأدبيات الفكرية الحديثة، الإسلامية وغير الإسلامية، دون أن يفقد الكتاب هويته الشرعية.
3) شمولية الرؤية والمعالجة
ومن مزايا الكتاب أنه لا يقف عند الجانب الفردي للحرية، بل يحاول بناء تصور شامل يضم الحرية الفكرية والاجتماعية والسياسية في إطار واحد، وهو أمر قلما تجتمع عليه الدراسات التي تتناول هذا الموضوع، إذ غالبًا ما تقتصر على جانب واحد دون غيره، وقد نبه المؤلف نفسه إلى هذا المقصد في المقدمة.
4) جودة السبك والتحرر
كما يمتاز الكتاب بحسن ترتيب مادته، وسلاسة الانتقال بين مباحثه، مع لغة علمية واضحة بعيدة عن الغموض والتكلف، الأمر الذي يجعله صالحًا للمتخصص وغيره.
5) الحضور البحثي
ومن الجوانب الإيجابية أيضًا أن الكتاب لا يكتفي بعرض الأقوال، وإنما يناقشها ويرجح بينها، ويحرص على ربطها بالنصوص الشرعية، مما يمنحه طابعًا بحثيًا يميزه عن التجميع للنقول من غير توظيف لها.
6) الإضافة العلمية
لا شك أن الكتاب يمثل إضافة معتبرة إلى المكتبة الإسلامية المعاصرة، وتكمن إضافته في ثلاثة أمور:
- جمع شتات مباحث الحرية في إطار علمي واحد.
- إعادة قراءتها من داخل المرجعية الشرعية.
- وصلها بالنظر المقاصدي وبقضايا الواقع.
ثالثا: ملاحظات نقدية
على الرغم من القيمة العلمية الواضحة للكتاب، فإن فيه عددًا من المآخذ التي يمكن تلافيها بسهولة في الطبعات القادمة، وستزيده قوة ومنهجية.
1- الإشكال العلمي
أهم ما يؤخذ على الكتاب أن الإشكال المركزي لم يُحرر بالقدر الكافي، فالقارئ يدرك من خلال الفصول أن المؤلف يريد بناء تصور إسلامي للحرية، غير أن المقدمة لا تصوغ هذا المقصد في صورة سؤال علمي جامع تتفرع عنه بقية القضايا، وتتردد الدراسة بين أهداف متعددة: (إثبات أن الحرية أصل شرعي - نقد التصورات الغربية - بناء نظرية إسلامية في الحرية - معالجة بعض الإشكالات المعاصرة المتعلقة بالحرية) وهذه كلها مقاصد مشروعة، لكن العلاقة بينها تحتاج إلى مزيد من التحرير، حتى يشعر القارئ أن جميع الفصول تجيب عن سؤال واحد، لا عن مجموعة من الأسئلة المتجاورة.
2- قصور عنوان الكتاب
العنوان موفق من حيث الجاذبية، لكنه لا يستوعب حقيقة المشروع، بل يعد بدراسة تفسيرية أو حديثية، بينما يجد القارئ مشروعًا فكريًا متكاملًا، والعنوان يعرض الكتاب بوصفه دراسة في النصوص الشرعية، غير أن مساحته الفكرية أوسع من ذلك؛ إذ يضم مناقشات معالجة مقاصدية، وفكرية، وسياسية، فلسفية، وحضارية واسعة.
قد تطغى أحيانًا على تحليل النصوص نفسها. وربما كان من الأنسب إما إعادة صياغة العنوان بما يعكس هذه الطبيعة المركبة، أو زيادة مساحة التحليل النصي حتى ينسجم العنوان مع مضمون الكتاب.
3- استتار المنهج
يظهر المنهج من خلال التطبيق، لكنه لا يظهر تصريحا، فالكتاب يعتمد في الحقيقة منهجًا مركبًا يجمع بين: (الاستقراء – التحليل – والمقارنة - والبناء المقاصدي) لكن المؤلف لم يفرد لهذا المنهج بيانًا مستقلًا في المقدمة، وكان ذلك كفيلًا بإعطاء القارئ مفتاحًا أدق لفهم الكتاب.
4- قلب هرم البناء المنهجي
ومما يؤخذ هنا أن المؤلف يقرر في مواضع عديدة نتائج عامة ثم يستدل لها، بينما يقتضي البناء الأكاديمي أن تنشأ النتيجة من المناقشة لا أن تسبقها، ولو أعيدت صياغة بعض الفصول بحيث تبدأ بإشكالات أو أسئلة بحثية ثم تنتهي بالنتائج، لازداد البناء العلمي إحكامًا، وإن كان يشفع للكتاب أنه ليس موجها للأكاديميين حصرا مما يسوغ التخفيف من صرامة المعالجة.
5- الطابع الدفاعي
ثم إن الكتاب يغلب عليه أحيانًا الطابع الدفاعي؛ إذ ينصرف جانب من الجهد إلى إثبات أن الإسلام سبق إلى تقرير مبادئ الحرية، بينما كان يمكن توجيه مساحة أكبر إلى بناء النظرية الإسلامية للحرية في ذاتها، دون جعل المقارنة مع الفكر الغربي حاضرة في معظم المواضع؛ مع أن هذا المسلك مفهوم في سياق الجدل الفكري المعاصر.
6- تفاوت عمق المعالجة
ليست جميع الفصول على المستوى نفسه من الإحكام، فالفصول الأولى أكثر تماسكًا وتأصيلًا، بينما بدت بعض مباحث الفصل الأخير أقرب إلى المقالة الفكرية، ولا سيما في القضايا السياسية الكبرى، التي كان يمكن تعميق الحوار فيها مع الاتجاهات المخالفة، وتوسيع دائرة الأدبيات المعاصرة المعتمدة.
كلمة أخيرة
وخلاصة القول أن هذا الكتاب عمل علمي جاد، يكشف عن سعة اطلاع مؤلفه، وتمكنه من مصادر الشريعة، وقدرته على الجمع بين علوم الشريعة والفكر الإسلامي المعاصر، وبناء تصور متكامل للحرية في الإسلام، وهي ميزة لا تتوافر في كثير من المؤلفات المعاصرة في هذا الباب. كما يمتاز بوحدة مشروعه، وحسن ترتيبه، واستقلال شخصيته العلمية، وبنجاحه في الربط بين التأصيل الشرعي والمعالجة الفكرية. ومن ثم فهو جدير بالقراءة لأنه من الأعمال المتميزة في موضوعه


.jpeg)
.jpg)