الفن المنشود

ثلاثاء, 2015/09/15 - 19:09
بقلم: أ.عبد الله ميارة

يتوجس المتدينون من الفن، وينظر العاملون في مجال الفن إلى المتدينين نظرة خوف وقلق وتضيع الحقيقة بين الطرفين، فهل من سبيل إلى جسر الهوة و مد قنطرة التعاون، وصولا إلى تكامل الفن والدين عملهما معا لإسعاد الناس والدفاع عن الفضيلة وبحثا عن الحقيقة، ومتعة للنفس وترقية للذوق وسموا للروح، وعرضا أمينا لمشكلات البشر علي هذه الأرض.

 

الحقيقة أن الفن العربي المعاصر لا يعبر عن الأمة ولا يترجم أشواقها و آمالها ولا يعرض واقعها الحقيقي، فالفن أصبح ميدانا للفجور والفسوق والتفسخ والعري ومحاربة الفضيلة ومدح الرذيلة وتسويق الجريمة، والدفاع عن أنظمة القمع والفساد، ووسيلة لفرض النماذج الأوربية في الفن والمجتمع والثقافة والفكر، ومحا ولة لإعادة صياغة المجتمع العربي حسب الرؤية الغربية.

 

فالسينما مثلا في البلاد العربية قامت علي أكتاف المسيحيين العرب الشوام من لبنان وسوريا وفلسطين، وكذلك المسرح والصحافة، وشيدت الأستديوهات الأولي باستثمارات أوربية: أثرياء من الأرمن واليونان يهود وإيطاليين في مصر، وكذلك المسرح ودار الأوبرا ثم معاهد التمثيل والموسيقي، والحق أن هذه البداية الفنية النصرانية تطرح الكثير من الأسئلة الوجيهة، فلماذا اقتصرت الاستثمارات الأوربية علي هذه المجالات الفنية ؟

 

وماذا عن الصناعات الأخرى المدنية والعسكرية إذا كانت أوربا جادة فعلا في نقل المدنية والتقدم إلي العالم العربي، لم نسمع أن اليابان قد استوردت فنانين ومسارح تمثيل وسينما في بواكير نهضتها؟ بل علي العكس كانت سباقة في اقتباس العلوم المدنية والعسكرية والصنائع بتعبير رائد في ميدان النهضة، وتحفظت علي أنماط الفن والثقافة الأوربية الأخرى، ولا يزال النموذج الياباني في النهوض القائم علي التمييز الثقافي واحترام الخصوصية المحلية والإعلاء من شأن القيم الوطنية والدينية محل تقدير واحترام لدى المجتمعات غير الأوربية.

 

وقد كانت فترة الازدهار الفني المصري في زمن السيطرة العسكرية التي تلت الانقلاب ومحاولات النظام العسكري الجديد ضبط إيقاع المجتمع المصري والتحكم فيه ، فلا غرو أن رأينا وزير الداخلية شعراوي  يرأس مؤتمر اتحاد الكتاب في مصر في الستينات، كما أن بعض الضباط تحولوا إلي ميدان الفن: سعد الدين وهبة يوسف القعيد في الرواية والقصة وكانت علاقة الضباط الأحرار بالفن وثيقة الصلة بالقرار السياسي، أنظر مثلا قصة المشير عبد الحكيم والممثلة برلنتي عبد الحميد، وقصة اعتماد خورشيد مع رئيس المخابرات الشهير صلاح نصر وغيرهم.... ويرى المتابعون لهذا الشأن علاقة وثيقة بالنكسة الشهيرة التي ضربت كبرياء العسكر وحطمت مجدهم آنذاك.

 

ظل الفن في الحالة العامة مخاصما لقيم المجتمع المصري معبرا عن الطقس السياسي للحاكم، فقد تغيرت الحالة الفنية من الواقعية الاشتراكية والالتزام القومي في زمن عبد الناصر إلي التبشير بالليبرالية والمجتمع الاستهلاكي في زمن السادات وتكرست ممارسات الأوربة والعلمنة ومحاربة الفضيلة أكثر في زمن مبارك، خذ مثلا كنماذج لهذه الفترات: مسرحيات: كرم مطاوع، سعد الله ونوس، فؤاد المهندس، تحية كاريوكا، عادل إمام، دون أن ننسي أعمالا فاصلة في هدم منظومة القيم المصرية: المشاغبون في الجيش، الواد سيد الشغال، مرجان أحمد مرجان، الإرهاب والكباب ، رحلة المليون .