
اطلعت على مقال الأستاذ الفاضل محمدن ولد الرباني الأخير الذي عنوانه: " لا نقاش في الأدب مع الله"، والذي ذكر فيه ما جرى بيني وبينه من نقاش في موضوع " افتراض الموهم في حق الله تعلى" ، وأثار فيه بعض الأفكار المتعلقة بالموضوع المذكور، وقد أردت أن أنبه على بعض الملاحظات التي تضمنها كلامه بيانا للحق ونصيحة لله وإعذارا للقراء الكرام.
إن ما ذكره الأخ المذكور من مراسلتي له في الموضوع صحيح، وقد كان قصدي تنبيهه على ما في هذه العبارة من سوء أدب مع الله، ثم لاحظت بعد ذلك أن بعض متابعي صفحته قد تساءل عن توجيه هذه العبارة فلم يُلق له بالا ولم ينبس له بكلمة( ما يزال تعليقه موجودا على صفحة الأخ محمدن ) ، وكتب آخرُ تدوينة يستشكل فيها هذه العبارة إذ لم يتبين له وجهها، لذلك رأيت لزاما علي الإشارة إليها فكتبت تدوينة تناولتُ فيها مثل هذه العبارات بشكل عام. ولم أكن أظن أن في مثل ذلك استهدافا أو تشهيرا ... خاصة ممن عُرف بردوده ومقارعاته لكبار العلماء والمفكرين، فالمناسب له أن يتسع صدره للنقد وأن لا يكون كما قال السموأل :
ونُنْكِرُ إِنْ شِينَا على النَّاسِ قَوْلَهُمْ *** ولا يُنْكِرُونَ القَوْلَ حِينَ نَقُولُ
فتلك خطة خسف لا تليق أعيذه بالله منها ،وقد عجبتُ من موافقته الأخ المذكور على تلك النصيحة وستحسانه لها في الخاص، وإعراضه عن تعديلها حينئذ، و دفاعه عنها بعد ما تمت إثارتها في العام دون تعيين !
سبحان مقلب القلوب ! إن تلك الملاحظة أصبحت " تشهيرا " و" خطئا " بعدما كانت " جميلة ودقيقة"، مع أنه ليس عندي للأخ المذكور إلا الاحترام والتوقير لمكان سنه وعلمه وفضله، وسابقته في الدعوة والنضال ... غير أني لم أكن أحسب أن تنبيهه على خطأ أو عبارة موهمة وقعت في كلامه سيثير كل هذا الغضب:
وما كنت أحجوا أن إيضاح مشكل *** تنازع فيه الناس تجعله قذعا !
ولولا أن تلك العبارة موجودة في مقال منشور في عدد من المواقع لاكتفيت بتلك النصيحة، امتثالا لإقالة العثرات من ذوي الهيئات، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تعينوا الشيطان على أخيكم "، ولكني ظننت أن في الإبهام وعدم التعيين مندوحة ومنجاة من ذلك الإحراج .
أما بخصوص الجانب الموضوعي للمسألة، فإن الأخ الكريم لم يأت بجديد، غير ما عودنا في تعليقاته السابقة من اتهام المخالف بضعف الفهم والتحجر واللدد والخروج عن الموضوع... إلى غير ذلك من الدعاوى العريضة المجملة هي أقرب طريق للمكابرة والتهرب، مع أنها لا تعجز لسانا ولا تفيد حجة ولا برهانا ...
وسأعلق على ما أورده في هذا المقال الأخير مما له صلة مباشرة بالموضوع فمن ذلك ما ما ذكره من أن العبارة المذكورة ليست مما يوهم نقصا في حقه جل وعلا لأنه سبحانه وتعالى ليس هو من جرى الخطاب له فيها وليس المقصود بالحكم، بل الذي جرى له الخطاب فيها هو ذلك المتحدث عن حقارته، أما عبارة لو سبني ملك لسببته، وقول الرجل للملك " لو كنت أعمى لكان كذا ولو كنت راعي غنم".. فالملك هو من جرى الخطاب له وهو المقصود بالحكم ولا يخفى ما بين الصيغتين وكذلك العبارة الثانية "، هذا حاصل كلامه..، وفيه فائدة مهمة وهي الاعتراف بتماثل مدلول القضيتين، فلا يمكن بعد هذا أن يدعيَّ أن بينهما فرقا من تلك الناحية، أما التفريق بينهما من جهة جريان الخطاب للملك إلخ.. فهو تحكمٌّ ليس عليه دليل، مع أنه خارق لإجماع النظار على أن المدار في تقابل القضايا على النسبة الإسنادية، التي هي مورد الصدق والكذب ، وتعني في الاصطلاح: اتصاف ذات الموضوع بمفهوم المحمول...
وقد أجمع العلماء على تحريم ضرب المثل بالأنبياء عليهم السلام، في الأمور التي توهم نقصا كما ذكره عياض وغيره، مع أن الخطاب في مثل ذلك لا يكون موجها للأنبياء على الطريقة التي رسم الأخ، ويكفي في رد هذه الدعوى أن العلماء أجمعوا على مخالفتها في مسألة الغيبة، فهي لا تجوز على أي وجه سواء جرى الخطاب للمغتاب أو ورد ذكره في خطاب موجه لغيره، وحرمة الباري سبحانه أعظم والاحتياط في أمره أولى .
ثم إن أصل مسألة " لو سبني ملك لسببته" المذكورة في مختصر خليل، إنما جرى فيها الخطاب من رجل لصاحبه، ولم يجر للملك قال المواق في شرحه على المختصر: " كتَبَ قَاضِي كُورَةَ بِيَاسَةَ يَسْأَلُ عَنْ نَازِلَةٍ نَزَلَتْ بِغَرْنَاطَةَ فِي سَبِّ رَجُلٍ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ يَشُقُّ عَلَيْك إنْ رَاجَعْتُك بِاَللَّهِ لَوْ أَرَى نَبِيًّا سَبَّنِي أَوْ مَلَكًا لَرَدَدْت عَلَيْهِ ، فاجاب ابْنُ رُشْدٍ قائلا : يُقَالُ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ لَوْ أَنَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا سَبَّهُ مُتَهَاوَنٌ بِحُرْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ يَجِبُ أَنْ يُؤَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْأَدَبَ الْمُوجِعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فِي اعْتِقَادِهِ فَيُتَجَافَى عَنْ عُقُوبَتِهِ وَيُؤْمَرُ بِالِاسْتِغْفَارِ مِمَّا قَالَ وَلَا كَفَّارَةَ لِيَمِينِهِ بِحَالٍ" .
فظهر بهذا أن الخطاب في أصل النازلة لم يجر للملك مباشرة، بل جرى بين المتخاصمين على وجه المبالغة ...
ومثل هذا يقال فيما ذكر من تضعيف الاستدلال بقوله تعلى: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) على مسألة افتراض ما لا يليق بجلال الله وكماله... وما نقله عن المفسرين من أن ذلك وارد في الأمثال التي تقتضي نقصا وتشبيها، فإن ذلك لا يدفع شمولها لكل ما يوهم النقص، خاصة مع الإجماع على تحريم استعمال اللفظ الموهم في حق الله تعلى أو في حق أنبيائه الكرام، عليهم الصلاة والسلام، فاقتضاء النقص المعبر به في كلام المفسرين يشمل إيهام النقص لغة واصطلاحا ، وما دمنا متفقين على منع ضرب المثل الموهم في حق الله، وعلى أن صيغة الآية صيغةُ عمومٍ تشمل تلك الصورة لم يبق لنفي الاستدلال بالآية عليه من وجه إلا التحكم الذي هو نتيجة الهوى والتعصب .
وقد استدل بهذه الآية الإمام ابن الوزير اليمني – وكفى به قدوة – على ما هو مطابق لمسألتنا وهذا نص كلامه:
" ومن الخطأ البين ما يفعله كثير من المخالفين من تقدير صور في غاية القبح في الشاهد ثم تقدير أن الله يفعلها فيجب تحسينها منه لو فعلها وموضع القبح بين في وجهين أحدهما في ضرب الأمثال لله والله تعالى يقول : ((فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ)". ( إيثار الحق على الخلق لابن الوزير 1\212 الطبعة الثانية دار الكتب العلمية) ولابن حزم في " الفصل في الملل والأهواء والنحل" ما هو قريب من ذلك .
وأما استدلال أخينا بقوله صلى الله عليه وسلم: " لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين "، فقد أو ضحت في المقال السابق عدم مطابقته للعبارة التي ذكرتم، وذلك لاختلاف وجهي الافتراض في القضيتين فالافتراض في الحديث قائم على اعتبار العين جزء من القدر، وبالتالي فإن إيهام المحذور منتف فيه لهذه القرينة، فهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم " لا يرد القدر إلا الدعاء "، ومعلوم أن الدعاء من جنس القدر، ومثل ذلك يقال في العين، فلا مغايرة بين العين والقدر وقد نقلنا ذلك عن الإمامين أبي عمرو ابن عبد البر وأبي الوليد الباجي، وهذا بخلاف القضية الأخرى فوجه الافتراض فيها صريح مسند للباري سبحانه، وليست فيه قرينة تدفع الإيهام كما في الحديث الآخر ، وللإمام ابن القيم في " الهدي النبوي" كلام يوضح المقصود ويرفع اللبس، لكني أعرضت عنه عملا بقولة علي رضي الله عنه : " حدثوا الناس بما يفهمون"، وحتى لا يثير إشكالا آخر .
ويكفي في رفض هذه العبارة أنه لم يرد مثلها عن أحد ممن يقتدى به من علماء السلف والخلف، بل لا توجد إلا في كلام المتهورين الذين يهيمون في كل واد ...
وأخيرا فإني لم أرد مما كتبته في الموضوع إلا بيان الحق وتنزيه جناب الباري، وأنا أسأله سبحانه أن يطهر نفوسنا من النفاق وأعمالنا من الرياء ، وليس من عادتي الدخول في مثل هذه المهاترات والنقاشات – تحدثا بالنعمة - والأخ محمدن خير شاهد على ذلك، ولي معه تجربة في موضوع آخر ( ما يزال موجودا على صفحة الأخ الهيبة بن الشيخ سيداتي) يعلم هو أني أنصفته فيه غاية الإنصاف ورجعت إلى بعض ما قال فيه وثمنت موافقته لبعض المحققين مع أنه لم يطلع على كلامه... ثم تحفظتُ على ما لم أستسغه من كلامه ذلك، فلما أطال اللدد والمراوغة أعرضت عن إثارة الموضوع على العام تحرجا من الجدل والمراء المذموم ،وراسلته فيه على الخاص، وبينت له ما في كلامه من مغالطة وتحريف، وبقية الخبر عنده...
ولا يفوتني هنا أن أثمن موافقته على ترك مثل هذه العبارة وقوله: إنه لم يعد يناقش أن الأولى تركها بعد ما حصل من تشويش... وإن تعلل بأن ذلك راجع إلى ضعف فهم مخالفيه، فهذا غاية ما يمكن من رجوع عن الرأي في عصر مطاوعة الهوى والحظوظ النفسية، وإعجابِ كل ذي رأي برأيه، فغاية المرجوِّ رجوع مشوب بالاعتذار :
أريد على وجهي رداء أُديره *** ولابد من شيء يُدارُ على الوجه.
هذا وأعتذر للقراء الكرام من طول هذا النقاش، وأستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، من كل خطيئة ومما جمح به عنان القلم مما لا يرضيه، وحسبي أن أتمثل بقول مصعب بن عبد الله الزبيري – رحمه الله تعلى - :
أأقعد بعد ما رجفت عظامى *** وكان الموت أقرب ما يلينى
أجادل كل معترض خصيم *** واجعل دينه غرضا لدينى
فاترك ما علمت لرأي غيرى *** وليس الرأي كالعلم اليقين
وما انا والخصومة وهي لبس *** تصرف في الشمال وفي اليمين
وقد سنت لنا سنن قوام*** يلحن بكل فج أو وضين
فأما ما علمت فقد كفانى *** وأما ما جهلت فجنبونى.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا انت أستغفرك وأتوب إليك.

.jpeg)
.jpg)