القمامة..أربكت الحكومات والرأي العام و"المكبات"

ثلاثاء, 2016/09/06 - 12:58
بالقرب من ثانوية البنات (مركز مدينة انواكشوط)

من عهود البلدية ومرورا بفترة شركة "بيزورنو" الفرنسية وخلوصا إلى الفترة الحالية التي تشكل مجموعة انواكشوط الحضرية عنوانها العريض، والقمامة تحدي للسياسات العمومية التي استعصى عليها أن تجد حلا لهذا المشكل الذي يجثم على قلب العاصمة انواكشوط وصمة عار رغم الأرقام الضخمة التي دفعتها في سبيل ذلك الحل.

 تحدي القمامة لم يقتصر على السياسات العمومية وحسب بل ألقى بظلاله على الفضاء الأزرق الموريتاني الذي يرى في كل الجهود المبذولة في سبيل تحييد وصمة العار هذه أنها قاصرة، تعضده في ذلك مكبات فوضوية لا تفرق بين المدارس والأسواق ولا مشاريع الفنادق ولا الساحات العمومية.

قلب العاصمة.. بين تراخي "الحضرية" وفوضوية المكبات

 تتراكم أكوام القمامة حيثما رمى أحدهم "كيس ابلاستيك" _من المفترض أن يكون محرما_ مشحونا، فيشكل نواة لمكب معتمد جديد تضرب إليه الأرجل من كل ناحية وتنصب الجهود على تموينه بالنفايات كل ما سنحت الفرصة وأرخى الظلام سدوله، وأحيانا يحدث ذلك في وضح النهار، لسان حال المكان: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا أن يبعث الله متضررين بشكل مباشر ويصادفوا الفعلة من وراء سدول الظلام.

أما الخوف من وازع قانوني أو أخلاقي فهو أمر غير وارد بالنسبة للكثيرين حيث لم توفر الحضرية _التي تقدر ميزانيتها بهذا الخصوص بالمليارات_ حاويات ليلعب الوازع الأخلاقي مرة ما يعجز الوازع القانوني عنه دائما، اللهم إذا عددنا على رؤوس الأصابع استثناءات تؤكد صحة القاعدة كما يقال.

 في جوار إحدى أعرق مؤسسات التعليم الموريتانية وإحدى المؤسسات القليلة المخصصة للبنات (ثانوية البنات) يكبر يوميا مكب للنفايات، ضاربا ميعادا يوميا مع عمال مجموعة انواكشوط الحضرية يتأجل أحيانا بسبب عطل نهاية الأسبوع دون أن يتوقف الزحف إليه من لدن الراغبين في التخلص من النفايات _وفق أحد الساكنة.

 وغير بعيد من المكب الذي فرض نفسه رغم حساسية مكانه والأسئلة التي يطرحها وجوده بالقرب من "ثانوية البنات" حول المستوى الذي وصلت إليه مكانة العلم في بلاد الشناقطة، يسابق الزمن مكب آخر ناشئ بالقرب من فندق "اسنيم" قيد البناء قرب مباني أهم الوزارات في الحكومة الموريتانية، مؤذنا بقرب تبوؤه "منصبه" المناسب وبلوغه "النصاب" مكبا معتمدا يزاحم مكب الثانوية والسوق من بعده.

 ركام القمامة.. يستفز مشاعر النخبة وكبار المثقفين

لا يجد كثير من النخب العاملة في الخارج والتي يحدوها الشوق وحب الوطن طوال الفترة التي يقضونها خارج بلدهم بدا من التأفف من أوطانهم التي تبتلعها الزبالة وتضرب في قلب عاصمتها الضربة القاضية على كل الأحلام في بلد كان من المنتظر أن يخطو بعد الغياب خطوة أو خطوتين بسيطتين إلى الأمام سيُكتشف أنه خطاها إلى الوراء إذا ما وُضع في الحسبان واقعُ بلاد الغربة.

لكأن النفايات تريد أن تقول للنخبة المترددة على الخارج والمثقفين داخل البلد بل وللسياسات العمومية نفسها أنها هي أحق من ينطبق عليه المثل "الضربة التي لا تميتك تقويك" فهي مستمرة رغم النقد الشعبي والسياسات العمومية.

برزت هذه القمامة أمام أحد القادمين لتوهم من الخارج في صورة من أبشع صورها شرقي سوق العاصمة لتتلقى ضربة أخرى ربما ستقويها، ولم يتمالك نفسه عن أن يترجم حسرته على المشهد المزري بفضاء "مارك زوكربيرغ" الأزرق على رؤوس الأشهاد.

المدون عبد الله ولد محمد كتب ممتعضا:

"أفعى شعار الصيدلة تلك لو منحت الخيار لقفزت من اللوحة وهاجرت سباحة إلى حوض الأمازون البرازيلي هربا من مكب النفايات المعتمَد المالئ للمجال الفاصل بين شارعين." معلقا على الصورة: "حشوة قمامة من أقذر الأنواع ممتدة بين شارعين متفرعين من أكبر وأعرق شارع في مركز المدينة".

ولم يخف هذا المدون البون الواسع بين الواقع وبين "نشرات الأخبار والحديث عن وجه نواكشوط الحضاري"، مستحضرا ببديهة المنتقد "الهيكل الإداري للدولة من وزارة للداخلية ومجموعة حضرية وكيف أن تلك المخلفات العضوية المركومة قرابين وثنية في مذبح الإهمال يمر عليها دون أدنى شك : والي نواكشوطستان بغربستانها وشمالستانها وجنوبستانها وتمر بها رئيسة المجموعة الحضرية وطاقمها فالمكان مركز المدينة والجوار سوقها المركزي من الغرب" وفق تعبير المدون.

عبد الله ولد محمد بكل تأكيد يشكل عينة تعكس تذمر العشرات من الواقع الذي يصفه الكثيرون بالمزري خاصة ذوي حالته من الطبقة الموريتانية العاملة في الخارج، فضلا عن "طبقة وسطى" داخلية تنمو باضطراد على وسائط التواصل الاجتماعي منتقدة الصمت الشعبي على ما تصفه أحيانا بالأوضاع المزرية لوطنها بما في ذلك ما يتعلق بالقمامة.

 الجهود الحكومية بين الصفقات والأثر الملموس

الجهات الرسمية لم تل جهدا حسب وجهة نظر الكثيرين في سبيل نظافة المدينة حيث سلمت نظافة كل ولاية من ولايات انواكشوط الثلاث إلى مؤسسات خاصة مزودة بمختلف المعدات وبصفقات تقدر بالمليارات، بل شارك الرئيس نفسه ووزراؤه والمسؤولون السامون في الدولة أكثر من مرة في حملات للنظافة.

وفي الوقت الذي تبذل فيه الدولة كل هذه الجهود يبقى السؤال ملحا حول مسار هذه الجهود ومصبه في النهاية حيث أن وضعية نظافة المدينة ما تزال تراوح مكانها بل وتزداد سوءا حسب كثيرين وحسب ما تشي به الصورة على الأرض سواء ما تعلق منها بفوضوية المكبات التي يلجأ إليها المواطنون أو ما تعلق بغياب سياسة عمومية ناجعة توفر البدائل من ذلك الصنيع الذي لا يليق منطقيا بعاصمة بلد يعيش ربيعه السادس والخمسين وفي القرن الحادي والعشرين.