
قال رئيس المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان السيد عبد الله ولد بيان إن أهم عامل في الإفراج عن ولد صلاحي بعد القرار الأمريكي هو مذكراته التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة وكانت رغم التشويه المتعمد من سجانيه أول وثيقة تخرج من داخل أقبية سجن "غوانتنامو" وتقرأ في كل أرجاء العالم.
وانتقد ولد بيان في مقابلته مع السراج وضعية تصريح محمدو ولد صلاحي داخل إدارة الأمن السياسي معتبرا أن ولد صلاحي لم يتحرر في تلك اللحظة، ومضيفا أن على الصحفيين أن يتركوا الرجل يستريح ويلتقي محاميه ويأخذ فترة ثم بعدها يتحدثون معه.
وتحدث ولد بيان في المقابلة عن ظروف اعتقال ولد صلاحي وكيف غادر أمريكا وعن قضيته من البداية وحتى اليوم.
المقابلة كاملة :
- السراج: تحية طيبة سيادة الرئيس أولا، نبارك لكم إطلاق سراح محمدو ولد صلاحي، ونشكركم على إتاحة الفرصة لطرح بعض الأسئلة، على مؤسسة حقوقية بمستوى المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان الذي تابع القضية منذ البداية وحتى اليوم.
أولا: ما هي الظروف التي جاء فيها إطلاق سراح محمدو ولد صلاحي وترحيله إلى موريتانيا؟
- عبد الله بيان: السلام عليكم ورحمة الله، شكرا لكم، بداية نهنئ أنفسنا في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان ونهنئ الشعب الموريتاني بمناسبة إطلاق سراح محمدو ولد صلّاحي، ونهنئه هو وذويه -بشكل خاص-، وكذلك فريق دفاعه: في موريتانيا وفي الولايات المتحدة الآمريكية. بالنسبة لما يتعلق بظروف الإفراج عن السيد محمدو، جاءت بعد أن أتيحت له فرصة مراجعة ملفه؛ فهناك لجنة تسمى "لجنة المراجعة الدورية لملفات سجناء اغوانتنامو، Periodic Review Board، شكلها الرئيس الأميركي أوباما في سنة 2011، ولكن السيد محمدو لم يجد فرصة مراجعة ملفه بعد أن شكلت هذه اللجنة إلا في 2 يونيو 2016.
حيث حُدِّد له هذا التاريخ بعد أن رفع دعوى قضائية سنة 2015 ضد الحكومة الأميريكية من أجل تمكينه من هذا الحق، بالاستماع إليه ومراجعة ملفه. وقد قضى قرار اللجنة بعد هذه الجلسة _لله الحمد_ بتبرئة محمدو واعتباره "لا يشكل أي خطر على أمن الولايات المتحدة" حسب نص القرار. مع أنه لم توجه له الإدارة الأمريكية أية تهمة رسمية خلال الخمس عشرة سنة الماضية التي قضاها في السجن.
وبالتالي جاء الإفراج عنه يوم أمس وتحويله إلى موريتانيا كتنفيذ للتوصية التي قدمتها تلك اللجنة.
بالنسبة للظروف العامة، فإن الولايات المتحدة بعدما قامت بسجن حوالي 800 شخص في هذا المعتقل سيّء الصيت، منذ سنة 2002، بتهمة الإرهاب وأخضعتهم لهذا الكم الهائل من التعذيب والإهانة، حيث توفي منهم على الأقل تسعة أشخاص تحت التعذيب، شعرت بعظم الورطة التي دخلتها، خاصة وأنها لم تجد أي دليل جدي ضد غالبية السجناء، وكل الأدلة الموجودة ملوثة بالتعذيب ولا تصلح لأن يتم عرضها أمام القضاء.
وبالتالي بدأت منذ سنوات في إرسال السجناء الذين لا توجد عليهم أية تهمة ولا تتوقع منهم أي تهديد أمني إلى بلدانهم، وهذا ما حدث مع السيد ولد صلّاحي والسجينيْن الموريتانيين قبله. وقد بقي الآن في سجن اغوانتنامو ستون شخصا، تنتظر عشرون منهم الإفراج والتحويل إلى بلدان أخرى.
- السراج: كيف علمتم أنتم في المرصد الموريتاني بالإفراج عن محمدو ولد صلاحي؟ ومن أي جهة جاء الخبر؟ وما هي الظروف التي غادر فيها جزيرة اغوانتنامو ؟ وهل وصل نفس اليوم الذي غادر فيه أم كانت ثمة إجراءات أخرى؟
- عبد الله بيان: إجراءات نقل السيد محمدو صلاحي، كما هي حال جميع سجناء اغوانتنامو المرحلين، يكتنفها نوع من السرية في طريقتها التفصيلية، ومع ذلك كنّا منذ يومين أو ثلاثة نترقب وصوله في أية لحظة، بدون معرفة الساعة التي سيصل فيها لأسباب أمنية.
كانت هناك إجراءات على مستوى وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع يجب أن تكتمل أولا، ويتأكد استلام محمدو رسميا من طرف الحكومة الموريتانية، قبل الإعلان عن الخبر بشكل نهائي.
السيد محمدو تم نقله إلى موريتانيا في طائرة أميركية، واستلمته الحكومة الموريتانية بشكل رسمي صباح يوم أمس. وتلقينا الخبر وكنا على تواصل مباشر مع المحامين المعنيين وتلقينا تأكيد الخبر من قبل وزارة الخارجية الأميركية.
طبعا الموضوع كان متوقعا في الأيام الماضية، وكنا نحاول أن نبعده عن الإعلام، فداخل أميركا _كما تعلمون_ يسيطر اليمين الآن على المؤسسات التشريعية وعندما يسمعون عن طريق الإعلام بأن سجينا _مثلا: السيد محمدو الذي يعتبر أحد عناوين هذا الملف الذي يسمى الإرهاب هنا في الولايات المتحدة سيرحل إلى بلده قد يعيقون ذلك الأمر، وخاصة إذا علمنا أن الغرفة السفلى _غرفة مجلس النواب_ في الكونغرس الأميركي قد أصدرت قرارا منذ أسابيع لمنع تحويل الحكومة الأميركية للسجناء الذين يوصى بإطلاق سراحهم خارج اغوانتنامو. ومع أن الموضوع لم يوافق عليه مجلس الشيوخ بعد، ولكن لمجرد الخوف أن يحدث شيء من هذا القبيل، حاولنا أن يبتعد الموضوع عن الإعلام حتى يعلن عنه بشكل رسمي من طرف الحكومتين الموريتانية والأميركية وهذا ما حدث فعلا.
السراج: من المعروف أن الشعب الموريتاني قام بالكثير من المظاهرات والوقفات والتحركات الحقوقية من طرفكم ومن طرف الآخرين، لكن الناظر إلى قضية التسليم أمس يظن أن الحكومة الموريتانية هي التي قامت بكل هذا الجهد أوهي التي قطفت نتيجته أخيرا؛ كمطلع على الملفات المشابهة وملف السجين محمدو: أي دور يمكن أن يؤثر في قضية سجناء اغوانتنامو المعروفين بالتشديد عليهم وحساسية وضعيتهم؟
هل يمكن أن يؤثر الموقف الشعبي والمطالبات الحقوقية؛ وما تأثير الموقف الموريتاني الرسمي من القضية؟ وهل قامت بجهد يذكر في هذا الإطار؟
- عبد الله ولد بيان: أريد أن أوضح أن هذا الملف لا يختلف كثيرا عن الملفات المشابهة؛ سجن اغوانتنامو فيه كما ذكرت الآن ستون شخصا، من أصل 780 شخصا تم ترحيلهم بعدما تمت تبرئتهم أو لم تستطع الإدارة الأمريكية أن توجه لهم أي تهم، وبالتالي هؤلاء الأشخاص الأبرياء تقوم بتحويلهم إلى بلدانهم إن كانت فيها حكومات مستقرة، وهذا ما حدث بالفعل مع سجناء موريتانيا، مع : سيدامين الذي سلم 2007، والسجين أحمد ولد عبد العزيز الذي سلم لموريتانيا 29 أكتوبر السنة الماضية بعد أن تمت تبرئته وانتظر الإفراج طويلا منذ سنة 2009، وحدث اليوم كذلك يوم أمس مع الأستاذ محمدو ولد صلاحي.
لو لم تستلم موريتانيا السيد محمدو كان سيقدم دفاعه خيار بلد آخر لاستقباله. لكن السلطات مشكورة _وإن كان لا شكر على واجب كما يقال_ قبلت باستلام آخر مواطنيها في اغوانتنامو، كما فعلت مع سابقيْه.
الدفاع عن مثل هذه القضايا يتم داخل غرف القضاء واللجان المختصة. والهيئات التي تدافع ودافعت عن محمدو _كما يعلمها المطلعون على هذا الملف_ هي هيئة دفاعه هو الخاصة؛ محاموه في موريتانيا وفي الولايات المتحدة والحملات الحقوقية للتعريف بقضيته. والدفع الذي أعطاه هو لقضيته التي ساعد في يناير 2015، عندما نزلت مذكراته "يوميات اغوانتنامو" إلى السوق مترجمة لأكثر من 20 لغة وهزت بقوة الضمير الإنساني العالمي.
تلك هي الأساسيات التي أثرت في ملف محمدو ولد صلاحي. هذا طبعا بالإضافة إلى الرغبة الأمريكية الداخلية والرغبة عند الرئيس أوباما بعد أن تعهد في حملته الرئاسية 2008 بإغلاق سجن اغوانتنامو ولم يستطع ذلك، وأصبح الآن يحاول أن يخفض عدد نزلاء هذا السجن إلى أقل رقم ممكن.
ونتيجة هذه الرغبة شكل هذه اللجنة التي راجعت ملف محمدو ولد صلاحي، ودافع عنه المحامون أمامها، وقدمت لهم الهيئات والمنظمات الحقوقية وغيرها عرائضها المطلبية، وهذه هي الظروف التي تم في إطارها إطلاق سراح محمدو بالأساس.
طبعا، بالنسبة للتصريح، هو لا يمكن أن يعتبر تصريحا إعلاميا بعد الإفراج لأنه لم يفرج عنه في ذلك الوقت؛ كان تصريحا أثناء الاعتقال، إذ لا يزال محمدو حينها داخل إدارة الأمن- ربما نفس إدارة الأمن التي سلمته قبل خمسة عشر عاما - ولم يصل إلى منزله، كأنه في مشهد يوحي بأن إطلاق سراحه مشروط بمثل هذ التصريح.
ثانيا، تم اجتزاء التصريح الذي قدم _كما علمنا_ بشكل يجعله يخرج بصيغة تمجيدية. حقيقة، كنا نربأ بالسلطات أن تستغل الموقف الصعب بهذا الشكل.
وإذا قارنا هذا التصريح بالتصريح الذي قاله السيد لولد صلّاحي لوسائل إعلام عندما أصبح حرا بشكل فعلي داخل بيته نجد فرقا شاسعا بين اللغتين .
- السراج: بحكم اطلاعك على محامي الشاب محمدو ولد صلاحي، ما هو المتوقع منه في الأيام القادمة، خاصة أنك كتبت على صفحتك أن محاميته ستزوره هنا، ماذا نتوقع من محمدو ولد صلاحي في الأيام القادمة ؟
هل بإمكانه أن يتحدث لوسائل الإعلام وأن يسافر كما يريد؟
ما هي ظروف سجين مفرج عنه مثله؟ هل هناك تبعات قانونية يتابعها معه محاموه .
- عبد الله بيان: بالنسبة لما يتعلق بالمحامين، فرئيسة فريق دفاع محمدو السيدة " نانسي هولاندر" ستصل إلى موريتانيا غدا الأربعاء حسب المبرمج، ويوجد في موريتانيا محاميه الأستاذ إبراهيم ولد أبتي .
وبالنسبة للأمور المتعلقة بالمقابلات الإعلامية والتصريحات فلا شك أنكم تعلمون أن السجين محمدو أمضى الآن عقدا ونصف العقد داخل السجن ولا أعتقد أن من مصلحة الشعب الموريتاني ولا من يريد أصلا ردة فعل حقيقية تعكس الواقع أن يسلط عليه الكاميرات في هذه الظروف، ولا أن يعد معه التصريحات والمقابلات قبل أن يلتقي بأهله ويستعيد ظروف حياته الطبيعية، ويأذن بذلك محاموه.
محمدو الآن عنوان مهم في النضال العالمي لرفض الظلم والإهانة والتعذيب عن طريق مذكراته التي أصبحت الآن الوثيقة الوحيدة التي توثق الجحيم الذي عاشه، ويعيشه، سجناء اكوانتنامو, وبالتالي فتصريحاته ينتظرها العالم ومن المفترض منا جميعا وخاصة بالنسبة للإعلاميين أن ننتظر قليلا حتى يرتب أموره مع محاميه في موريتانيا، ومحاميته التي ستصل غدا كما ذكرت، وبعد ذلك سيكون لكل حادثة حديث.
بالنسبة للإجراءات الأمنية المتعلقة بالسفر فهي أمور تفصيلية؛ أفضل من سيأل عن تفاصيلها الدقيقة هو الحكومة الموريتانية، لكن أتوقع أنه في الوقت الحالي يريد أن يقضي وقته مع أسرته ولا يريد أن يسافر، وإذا كان في المستقبل يمكن أن يسافر فسيكون حتما من أجل الترويج لكتابه حول العالم، أو لمزيد من الكتب لم تصل بعد مرحلة النشر، فمن المتوقع أن تكون له منشورات في المستقبل المنظور.
- السراج: السيد عبد الله بيان رئيس المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان شكرا جزيلا لكم.
- عبد الله بيان : شكراً لكم.

.jpeg)
.jpg)