التعليم بالطينطان: المرور بشبّاك الدّفع / أحمد ولد أبيه

أحد, 2016/12/11 - 10:18
الكاتب أحمد ولد ابيه

يعتبر التعليم أحد أهم مؤشرات التقدم و الازدهار حسب المعايير العالمية، كما أنه الركيزة الأساسية في السيايات التنموية الحديثة. بل يهذب بعض الخبراء إلى أبعد من ذاك حيث يصفون التعليم بأنه صمام الأمان ضد موجات التطرف و الغلو التى تعتمد أساسا على ضحايا ثنائة الجهل والفقر. التعليم كذلك هو أنجع الخطط الاستراتيجية للقضاء على العبودية و الفقر لاستشراف مستقبلٍ افضل للبشرية.

لم تكن السيول التي دمرت مقاطعة الطينطان صبيحة الثامن من اغسطس 2007 الكارثة الوحيدة التي بثت الرعب في نفوس ساكنة الطينطان، بل كانت فقط رغم قساوتها بداية لسلسلة من المعاناة المستمرة بطريقة فجة. ومن أبرز وجوه هذه المعاناة الحالة الكارثية التي وصل إليها قطاع التعليم بالطينطان، الذي كان في مأزق حقيقي كان بمثابة الاختبار الأول له بعد عملية التوسع الديموغرافي التي شهدتها المقاطعة قبل كارثة السيول بسنوات قليلة حيث استحدثت احياء جديدة كـ " البونية، أزكلماي، كرييرْ " وتوسعت احياء قديمة.

تعاطي التجاهل بداية الانهيار

عدم تعاطي السلطات المعنيّة مع تلك الأوضاع المربكة أدى إلى ظهور أول مدرسة حرة في الطينطان، والتي شكل وجودها بداية الضربة القاضية على التعليم النظامي بالمقاطعة خصوصا بعيد نكبة أغسطس 2007 التي اعتبرتها الإدارة فرصة تُبرر بها فشلها المخجل؛ كل ذلك بالتزامن مع العمل على سياسة تشجيع انتشار التعليم الحر للتغطية على الفشل و امتصاص غضب السكان خوفا من حدوث تمردٍ جماهيري يُخرج الأمور عن وضع السيطرة.

تجدر الإشارة كذلك إلى أن فشل قطاع التعليم النظامي بالطينطان لا يختصر على الفشل في استحداث منشآت تعليميةٍ جديدة تغطي متطلبات التوسع الديمغرافي الجديد، بل إن هناك أيضاً عدة مجالات فشِل فيها قطاع التعليم بالطينطان نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر إهمال مفتشية التعليم للرقابة على المؤسسات التعليمية خصوصا المدارس الإبتدائية في القرى التابعة للمقاطعة التي تعاني دائما من نقص المعلمين و الطاولات، وحتى من تهالك المدراس كما هو حال مدرسة قرية آكني المكسمْ التي لم تعد صالحة للدراسة منذ سنوات طويلة، ولم تحرك مفتشيّة التعليم بالمقاطعة ساكنا بخصوصها علماً أنها من أول المدارس التي تم انشاؤها في القرى التابعة لبلدية المقاطعة.

 ويُعزي السكان سياسة التجاهل الشديدة هذه إلى انشغال إدارة المفتشية في المقاطعة  بمشاريعها التجارية الشخصية كـ "الحوانيت و سيارات الأجرة"، و تقديم الاهتمام بها على حل مشاكل المواطنين الذين بقوا في انتظار وعودٍ انتخابية "يستأنسون بها" رغم اقتناع الجميع أن تلك الوعود المُجاملة تنتهي صلاحيتها مع مغادرة الوفد الرئاسي/ الوزاري للمقاطعة كل مرة.

التعليم الحر مرآة الفشل

يعود ظهور مدارس التعليم الحر بالطينطان - كما اشرتُ سابقاً - إلى الضغط الكبير الذي خلفه عدم تعاطي السلطات المحليّة مع زيادة الكثافة السكانية للمقاطعة حيث لم يعد بإمكان مدراس خالد و عقبة و الزهراء الأبتدائية و الاعدادية/الثانوية اليتمية بحي السيف تحمُّل هذا الضط المتزايد سنوياً.

كان هذا قبل نكبة 2007 التي دمرت المقاطعة بشكل كامل وبثت الرعب في نفوس السكان فجر الثامن أغسطس من ذلك العام قبل أن يعود ذاك الرعب مُجدداً ويستحوذ على نفوس السكان مع افتتاح كل سنة دراسية جديدة بعد التأكد من تخلي السلطات الإدارية، بطريقة غير مباشرة، عن هذا القطاع لصالح التعليم الحر الذي بدأ تأجيرَ المنازل والانتشار بشكل مفزع في السنوات الأولى على النكبة، مُقتنصا في الوقت نفسه الفرصة التي قدمت له على طبق من ذهب من طرف الدولة التي فتحت مدارس مخجلة في أعرشة لا تراعي المعايير الصحية باستثناء المدرسة المقدمة كهدية من شركة شنقيتل للاتصالات؛ و بعد مرور تسع سنوات على نكبة 2007 تم افتتاح اعدادية جديدة في حي السيف الجديد الذي يعاني من العطش و عدم توفر احياء سكنية لفقراء المقاطعة الذين تمت المتاجرة بهم من طرف مؤسسة إعادة إعمار الطينطان التي التزمت في ورقة استراتجية عملها مطلع 2008 ببناء 1250 شقة سكنية، الوعدَ الذي لم يتحقق حتى اللحظة.

لنعد إلى موضوع التعليم الحر بالمقاطعة الذي زاد حقيبة معاناة الساكن الطينطانيّ بمبالغ كبيرة يدفعها شهريا لانقاذ مستقبل أبنائه، وهو لم يتجاوز بعد حالة التشرد التي يعيشها من الثامن أغسطس 2007 وحتى هذه اللحظات، بالإضافة إلى ذلك الارتفاع الجنوني للأسعار.

أطر الطينطان ليسوا جزءً من الحلّ

الغريب في الأمر أّنّ كل هذا الفشل والذي تؤكده تغطية المدارس الحرة لجميع أحياء المقاطعة هذا العام لم يوقظ بعد ضمائر منتخبي و أطر المقاطعة الذين يثبتون لنا يوميا أن لا علاقة بينهم و سكان المقاطعة المنكوبة و لا يعلمون بوجودهم إلا إذا كان هناك حديث عن حراكٍ سياسيّ كالانتخابات أو الزيارات الكرنفالية التي تعتبر فرصة نادرة يستعرض فيها الإطار المتملق كل امكاناته المادية و المعنوية للتغطية على مشاكل السكان ليسجل هو نقطة سياسية في مسار التملق على حساب المهمشين و المحرومين.

إنّ أطر الطينطان، نظراً لما سبق، ليسوا جزءً من الحلّ، ولايمكنهم أن يصبحوا جزءً منه، ذلك أنهم في الوقت نفسه يستفيدون من التعليم الحر، فبعضهم كالأساتذة الذين يمتلكون مداراساً حرة، وبعضهم الآخرة يقوم بتأجير منازلَ يمتلكها للمدارس الحرة التي أعلنت بانتشارها فشل قطاع التعليم في المقاطعة.