كتاب"مروق الحرف" بحث في الدلالة والمغزى (ج1): د. البكاي ولد عبد المالك

جمعة, 2017/02/24 - 11:35
د/ عبد المالك

تزايدت الدعوات في الآونة الأخيرة إلى إعادة كتابة التاريخ الموريتاني فلا يزال جزء مهم منه مجهولا لا نعرف عنه شيئا و لا يزال جزء آخر منه حبيس أدراج بعض الهيئات العلمية والمكتبات الأجنبية وفي خزائن بعض الدول في إفريقيا وأوروبا وآسيا..وحتى في بعض المكتبات الأهلية في شكل رسائل ومخطوطات نادرة. 
ولقد أصبحت الحاجة ماسة في الوقت الحالي في ظل تعدد وسائل المعرفة ووسائطها لوضع اليد على تلك المخزونات والكنوز المعرفية وانتشالها من غياهب النسيان وإعادة تملكها وإخضاعها للتحقيق والترجمة والدراسة وهو ما قد يمنحنا فرصة للحصول على معلومات صحيحة وموضوعية بعيدا عن المركزية العرقية الأوروبية (ethnocentrisme) وما يقابلها عندنا من نزعة خصوصانية ضيقة (قبلية وجهوية) طبعت معظم الكتابات التاريخية الأولى في هذا البلد.
والحقيقة أن امتدادات الثقافة الشنقيطية في الجوار الإقليمي وتداخل تاريخ البلد وثقافته مع تاريخ البلدان المجاورة وثقافتها (مع ما كان يعرف بالسودان الغربي و المغرب الأقصى  والسنغال) قد عرض جزءا لا يستهان به من ثقافته ولا يزال يعرضه لمخاطر الهامشية والتبعية وهو ما سندفع ثمنه عاجلا أم آجلا نظرا لما نلاحظه من سعي حثيث لدى بعض الأطراف في شبه المنطقة (دول ومؤسسات بحثية) لتأهيل ثقافة الأطراف ودمجها من جديد بعد أن ظلت هامشية ردحا من الزمن في تلك السياقات. وبالتالي فإن أي محاولة لتجميع عناصر هذه الثقافة وإعادتها إلى سياقها الأصلي إلى المركز سيمنح هذه الثقافة المزيد من الحيوية قد يمكنها من استعادة الدور الذي كانت تلعبه في العصر الوسيط المتأخر. 
في هذا السياق يندرج تقديم وثيقة تاريخية نادرة تختزل جزء مهما من تاريخنا تحت عنوان "مروق الحرف" اكتشفها وقام بتحقيقها والتعليق عليها الباحث سيدي أحمد ولد الأمير. ولا تكمن أهمية المجهود الذي قام به سيدي أحمد ولد الأمير في اكتشاف وثيقة مكتوبة باللغة العامية قد تكون أول وثيقة من هذا النوع يتم العثور عليها حتى الآن بل في انتشال جزء من تاريخنا من الهامشية وإعادته إلى سياقه الصحيح. كما تكمن أهمية المجهود الذي قام به أيضا في إطلاع الباحثين على هذه الوثيقة المهمة التي قد تفتح لهم آفاقا جديدة على التاريخ الطبيعي والتاريخ اللاحدثي بالنظر إلى التنوع الشديد في مادتها: فهي عبارة عن موسوعة مصغرة تتضمن معلومات مختلفة حول خصائص الإنسان والحيوان والنبات وطبيعة تفاعلهم في الواقع وفي الخيال أيضا من خلال سلسلة الأساطير التي ترويها والتي تسلط الضوء بشكل أو بآخر على التنوع الثقافي والذهنية الاجتماعية للأجناس البشرية في هذه المنطقة، ونظرة كل منها إلى الآخر، وطريقة تفاعلها لا مع محيطها الطبيعي فحسب بل فيما بينها أيضا . 
لهذا السبب نرى أن المحقق قد نجح ليس فقط في اختياره لهذا المجموع (recueil) من بين نصوص أخرى كثيرة ليجعله موضوعا لدراسته وإنما أيضا في دراسته دراسة موضوعية إلى حد كبير وهو أمر في غاية الصعوبة إذا ما تذكرنا مقولة مارك توين المشهورة التي تقول بأن "الحبر الذي كتب به التاريخ هو عبارة عن تحيّز سائل" إشارة إلى صعوبة الفصل بين الذات العارفة  وموضوع المعرفة في العلوم الإنسانية عامة وفي التاريخ بصفة خاصة. 
وفي نظرنا أن المحقق وفّق أيضا إلى حد كبير في الأسلوب واللغة التي جاءت واضحة سلسة بعيدة عن التكلف. ينضاف إلى ذلك كله محمدة أخرى لا بد من ذكرها تتعلق بالهوامش واللواحق التي زين بها الباحث هذا العمل والتي تسلط الضوء على بعض الجوانب المهمة في فهم أبعاد الوثيقة أو المجموع الذي بين أيدينا. وسنحاول فيما يلي مقاربة السياق الذي يندرج فيه تأليف هذه الرسالة أو هذا المجموع لتقريب فكرتنا.
إن التمرد على أطر الكتابة التقليدية في الشكل والمضمون والذي يسمى هنا  بـ "مروق الحرف" وبالعامية "مروگ الحرف" ليس ظاهرة جديدة. مروق الحرف ليس مجرد ظاهرة أدبية أو لغوية بسيطة ناجمة عن نوع من الترف الفكري إنها أكثر من ذلك بكثير إنها ظاهرة ثقافية وحضارية عامة عرفتها الحضارات الكبرى في مراحل مفصلية من تاريخها وكانت سببا في حدوث ثورات أدبية وثقافية وفتوحات علمية مهمة.
 مروق الحرف هو الذي قاد الفيلسوف الفرنسي رنيه ديكارت إلى تدشين تقليد فلسفي جديد سار على منواله الكثير من العلماء والفلاسفة عندما كتب مؤلفه الرئيسي "مقالة في المنهج"Discours de la méthode باللغة العامية آنذاك وهي اللغة الفرنسية متمردا على اللغة العالمة في ذلك العصر وهي اللغة اللاتينية. 
مروق الحرف هو الذي قاد الثلاثي ماركس نتشه وفرويد إلى تأسيس مسارات فكرية جديدة لم تعد الفلسفة بعد ذلك قادرة على مفارقتها.
مروق الحرف هو الذي قاد مشيل فوكو لا في "الكلمات والأشياء" وحدها كما ذكر أستاذنا الجليل عبد الودود ولد الشيخ في تقديمه لهذا العمل بل في مكتوبه الفلسفي بكامله إلى ابتكار موضوعات في الفلسفة كالجنسانية والجنون والرقابة والعقاب.
وقد أدى مروق الحرف في سياقنا العربي الإسلامي إلى الكثير من الظواهر الأدبية الإبداعية كالموشحات والمقامات ، والشعر الحر والنثر الفني وإلى الكثير من الأجناس الأدبية الأخرى
مقدمة ابن خلدون نفسها هي بمعنى ما مروق على الحرف لا في سياقها المعرفي والتاريخي فحسب بل بمضمونها ومادتها وما تضمنته من معلومات متنوعة : تاريخية وجغرافية وفلكية وطبيعية ومناخية ونفسية واجتماعية واتنولوجية ودينية وأخلاقية ...إلخ
مروق الحرف أخيرا في سياقنا المحلي هو الذي أدى إلى تمرد العلامة سيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم على أطر الثقافة الفروعية السائدة والدعوة إلى التجديد والاجتهاد ضدا على مقولة حسن اللقاني "نحن قوم خليليون إن ضل خليل ضللنا" المنسوبة خطأ إلى أحمد بابا التمبكتي .
لقد كان مروق الحرف في كل مرة مؤسسا  لعهد جديد وثقافة جديدة فهل أن مروق الحرف هو كل ما نحتاجه نحن اليوم للخروج من أسر الجمود ومخاطر الانغلاق والخطابات الجامدة التي لا تتوافق مع الواقع الموّار بالحركة والتغير؟
ربما نحتاج إلى مروق الحرف في مجالات عديدة لكن السؤال هو كيف نوظف هذا المفهوم توظيفا صحيحا ونجعله مفهوما منتجا ؟ مروق الحرف ليس كناية للخروج عن الملة ، أوأسلوب من الأساليب الملتوية للتعبير عن شعور غامض أو مكبوت لدى المؤلف بل هو فعل إيجابي وإرادة واعية بحدود ممارستها.ولعل من المهم في هذا المجال مقاربة السياق الذي يندرج فيه تأليف كتاب "مروگ الحرف".
 (...)
تعد الجمعية الجغرافية الفرنسية هي الحلقة الرابطة بين الشخصيات التي لها صلة بهذا المجموع .لذلك لا بد من الإشارة في البداية إلى أن كل المعلومات التي كانت الجمعية الجغرافية الفرنسية تسعى للحصول عليها ووظفت من أجلها كل الشخصيات التي سنتحدث عنها تزامنت مع حدثين مهمين هما بدايات التوسع الاستعماري في إفريقيا وعصر إلغاء الرق وذيوع النزعة الإنسانية في فرنسا.
لقد تزامن إنشاء الجمعية الجغرافية الفرنسية la société de géographie de Paris مع عودة الفرنسيين إلى السنغال سنة 1816م بعد خروجهم منه إثر هزيمتهم في الحروب النابليونية. وقد كانت المحاولات الاستكشافية الفرنسية لأعالي نهر السنغال والبلاد المجاورة والتوسع على طول النهر لأغراض تجارية واقتصادية وسياسية من أبرز اهتمامات الجمعية. فلا غرو أن تكون أبرز الوجوه التي وضعت بصمتها على هذا التقدم الفرنسي باتجاه السنغال والبلاد المجاورة هو البارون جان فرانسوا روجيه Le baron Jean-François Roger  الذي كان أيضا إلى جانب الأكاديمي والباحث فرانسوا جومار François Jomard أحد أبرز الأعضاء المؤسسين للجمعية الجغرافية الفرنسية وأحد ركائزها حيث شغل في أواخر أيامه نائب رئيس لجنتها المركزية. ويوضح مسار هذا الرجل مزيجا عجيبا بين المساعي المختلفة والمتباينة : من الأهداف الاستعمارية وترسيخ الوجود الاقتصادي والسياسي لفرنسا في السنغال والأهداف الإنسانية النبيلة وفي مقدمتها القضاء على الرق ومحاربته  إلى البحث عن تكوين معرفة معمقة بالبلد وأهله.
وعليه فإنه من المهم العودة إلى هذه الشخصية المحورية والدور الذي لعبته في تاريخ المجتمعات في هذه المنطقة فالبارون فرانسوا روجيه هو الذي كان يجسد في شخصه الحلقة الرابطة بين الأطراف الثلاثة للمعادلة : الإدارة الفرنسية التي يمثلها والأنشطة التبشيرية بالسنغال والبحوث التي يقوم بها المستكشفون والجغرافيون الفرنسيون لصالح الجمعية الجغرافية الفرنسية كما سنرى.
وقد قام البارون روجيه سنة 1819م بتجربة في سان لوي لاختبار بعض المزروعات وأقلمتها مع الظروف المناخية للمنطقة من خلال إنشاء مزرعة تجريبية كبيرة وعين بعد ذلك سنة 1821م قائدا وحاكما إداريا للسنغال والبلاد التابعة لها وظل في ذلك المنصب حتى سنة 1827م. لكن فشل المشروع الزراعي التجريبي لعدم وجود استقرار أمني في منطقة النهر أدى كذلك إلى إنهاء حكمه وإدارته للمنطقة فعاد إلى بلاده ونشر روايته المعروفة بعنوان : "كلدور" Kélédor وكان الهدف الأساسي من وراء كتابتها هو جذب اهتمام الفرنسيين نحو معاناة الشعوب السوداء وإلى الشعور بالعار الذي ينبغي أن يستشعروه تجاه تجارة الرقيق وقد عرض البارون روجيه في تلك الرواية لجوانب مهمة من تاريخ منطقة فوتا تورو في نهاية القرن الثامن عشر وخاصة الحرب بين المشايخ la guerre des marabouts  . كما قام أيضا في نفس الفترة بنشر مجموع يتضمن الأساطير السنغالية وبعض البحوث الفلسفية حول اللغة الولفية.
علينا أن نقارن بين مساره ومسار كبولاني الذي بدأ من الجزائر مشواره كباحث في التصوف وانتهى به المطاف حاكما لموريتانيا وهو ما يعني أن الأهداف العلمية لم تكن في يوم من الأيام منفصلة عن الأهداف الاستعمارية .
وقد انشغل البارون روجيه طوال فترة مقامه بالسنغال بالإشراف على الرحلات الاستكشافية التي قام بها عدد من المستكشفين أبرزهم : غرو Grout وبوفور Beaufort و دسبري Desprès سنة 1823م من أجل استكشاف فلو مع أمل الوصول إلى سيغو وتمبوكتو وكذلك الرحلات التي قام بها روزيه Rouzée  ورنيه كاييه R.Caillié  في منطقة البراكنة بموريتانيا . وكان يطلع بشكل منتظم اللجنة المركزية بالجمعية الجغرافية الفرنسية على مجريات الأمور في البعثات التي يشرف عليها دون أن ينسى في رسائله إلى الجمعية الإشارة إلى اتصالاته بمشايخ البيظان الذين كانوا يساعدونه في الحصول على مرشدين يعتمد عليهم المستكشفون في الوصول إلى أماكن عملهم. ولضمان أمن السنغال التي كانت مستعمرة صغيرة تمتلك القليل من الوسائل العسكرية والموارد الاقتصادية المحدودة عمد البارون روجيه إلى وضع استراتيجية توطد علاقته بالزعامات المحلية وشيوخ المجموعات القبلية وتقوم تلك الاستراتيجية على دراسة لغات البلدان المجاورة وعاداتها وتاريخها وإلى التعاون مع نخبتها المثقفة وخاصة مع المشايخ الدينيين وقد أطلع الجمعية على ذلك في إحدى رسائله قائلا : "لقد أثبتت لي العادة التي اكتسبتها من إفريقيا أن أول شيء يجب القيام به هو الاتفاق مع الشيوخ فمن دون ذلك لن يكون هناك أي أمن".
وعليه فإن مشروع البارون روجيه كان مشروعا متعدد الأبعاد : سياسي وأمني واقتصادي - تجاري وديني- تبشيري. هذا الأمر مفهوم في ظل الحروب الفرنسية مع إمارة الترارزة وفي حاجة المستعمرة إلى الاستقرار والأمن لنجاح التجارة واستغلال الثروات.
وبناء على ذلك كان البارون روجيه حريصا على القيام بدراسات حول اللغات والعادات وقام لذلك السبب بإدماج ربيبه السنغالي القس بوالا l’abbé Boilat في الجمعية الجغرافية الفرنسية التي انتخب عضوا فيها سنة 1853م. وكان يتابع بشكل دائم الأعمال اللغوية والأتنوغرافية التي ينجزها هذا الأخير ويرسلها في شكلها الخام إلى الجمعية. وعندما عاد إلى فرنسا عمل على تجهيز المشاريع الجغرافية لبعثة رافينل Raffenel وبانيه Panet (الذي هو مواطن أصلي من السنغال شديد الذكاء وقوي العزيمة رافق رافينل في رحلته إلى كارتا) محاولا التعرف على المسالك والطرق الصحراوية الرابطة بين السنغال والجزائر.
ولم يكن البارون روجيه يرى تعارضا بين تطوير المزروعات والمشاريع الزراعية الفرنسية وبين اليد العاملة المتحررة وبناء المدارس ونشر التعليم في تلك الأوساط  وهو ما أطلق عليه البعض اسم "النزعة الإنسانية المركانتيلية"l’humanisme mercantiliste  . فقد كان البارون - على غرار رئيس الجمعية الجغرافية الفرنسية أدم فرانسوا جومار Edem François-Jomard   الذي كان متخصصا في الشؤون المصرية وأنشأ معهدا لتكوين المهندسين الشباب المصريين في باريس - هو الذي يقف وراء فكرة توطين الأفارقة على القيام بالدراسات الجغرافية والاتنوغرافية وأنشأ لهذا الغرض جمعية في فرنسا تابعة لوزارة البحرية مكلفة بتكوين الشباب الأفارقة.
وقد ذكر جومارفي إحدى الوثائق التي نشرتها الجمعية الجغرافية الفرنسية أنه من أصل 17 طالبا توجهوا إلى فرنسا لم يتمكن سوى 3 فقط من القيام بدراسات متقدمة بسبب سوء تكيفهم مع الظروف المناخية في باريس وهؤلاء هم القس بوالاl’abbé Boilat  والقس فريدوال l’abbé Eridoil والقس موسى l’abbé Mossa وقد درسوا جميعا  اللاهوت المسيحي بالإضافة إلى اللغة الفرنسية واللغة اللاتينية والرسم والجغرافيا والتاريخ الطبيعي. وفي حين توجه القس موسى إلى غوري ليصبح راعي الكنيسة بها توجه رفيقاه القس بوالا والقس موسى إلى سان لوي للقيام بالمهمة المقدسة. وقد كانت مهمتهم جميعا تتمثل بالإضافة إلى المجهود التبشيري في تدوين لهجة السَّريرْ و البامبارا غير المعروفة لدى الفرنسيين في ذلك الوقت وفي جمع بعض المعلومات الجغرافية وإعداد البحوث حول العادات والممارسات والمنتجات لدى شعوب المنطقة من أجل استكمال معرفة الفرنسيين حول اللغة الولفية على حد تعبير جومار.
ويضيف جومار قائلا : سيقوم هؤلاء الخريجون من المدرسة الفرنسية إثر عودتهم إلى السنغال علاوة على أدائهم لمهمتهم التبشيرية بالمساهمة في إنشاء مدارس ابتدائية وإعدادية وباكتتاب التلاميذ فيها. ويأمل الجغرافيون الفرنسيون كذلك أن يكونوا عونا لهم في تقديم كل ما يحتاجون إليه  للاستكشاف والاستعمار. "فهم بحكم معرفتهم بلغة البلاد يمتلكون أصلا روابط أسرية ومختلف المصادر الطبيعية التي كانت تنقص المستكشفين الأوروبيين الشجعان.
 هذا ما جعل الجمعية الجغرافية الفرنسية تحتفظ خلال فترة طويلة بعلاقة أبوية مع القس بوالا (1814-1901م) الذي كان البارون روجيه مكلفا بمتابعة دراساته عن قرب وعن بعد فكان يبعث بانتظام إلى الجمعية بالوثائق التي يرسلها إليه القس بوالا في شكلها الخام ثم يرسل بعد ذلك أبحاثه حول"قواعد اللغة الولفية" ودراساته حول سكان السنغال. وكانت تلك الوثائق تتعلق أساسا بالبيظان المناهضون الرئيسيون للفرنسيين في السنغال في تلك الفترة ويتعلق الأمر بـ ( مجموع يضم القصص والأساطير والملاحظات مكتوبة بلغة بيظان السنغال langue des Maures du Sénégal la كما يضم أيضا أدعية مرفوقة "ببعض الصفحات باللغة العربية كتبها تلميذ (un Taliba) أحد المشايخ بالحبر الذي نستخدمه في البلد"). 
وقد حصل القس بوالا على النصوص المكتوبة حول البيظان بوساطة شيخين فلانيين هما : ديا دياكا وآمدي غولودجو اللذين أدرج رسميهما أوصورتيهما الشخصيتين في رسالته. 
والحقيقة أن بول دافيد بوالا المعروف اختصارا بالقس بوالا المولود في السنغال في 20 ابريل سنة 1814م من أب فرنسي وأم ملونة شخصية عجيبة كانت تحمل هما كبيرا ومشروعا طموحا للأمة السنغالية يتضمن : كتابة اللغات السنغالية المختلفة بما في ذلك لغات الأطراف ووضع قواعد اللغة الولفية خاصة كما يتضمن مشروعه أيضا وضع النواة الأولى لتعليم عصري في السنغال على غرار ما هو موجود في فرنسا وذلك إبان توليه إدارة التعليم بالسنغال من 1843 سنة  إلى 1852م. لكن طموحاته سرعان ما اصطدمت ببعض المشاريع الأخرى الموازية مما أدى إلى فشله في هذا الجانب وهو ما اضطره للهجرة إلى فرنسا والاستقرار بها أكثر من عقد من الزمن قبل أن يعود ثانية إلى السنغال. ألف كتابين كبيرين هما :كتاب "ملامح سنغالية"les Esquisses sénégalaises  سنة 1858م والذي خصص الفصل الثامن منه لـ "بيظان السنغال"، وكتاب " قواعد اللغة الولفية"   Grammaire de la langue woloff والغريب أن هذا الرجل قد عاش حوالي 87 سنة قضى منها 23 سنة فقط في موطنه الأصلي السنغال و64 سنة بفرنسا التي حصل فيها على جائزة فولني Volney  التي يمنحها المعهد الفرنسي Institut Français والذي منح أيضا نفس الجائزة لفيديرب Faidherbe على بحث حول اللغات السنغالية سنة 1852. 
وهذا الأمر يدفعنا إلى الوصول إلى نتيجة مفادها أن القيام بأبحاث ودراسات حول ثقافة الشعوب الإفريقية كان على ما يبدو شرطا ضروريا في تعيين الإداريين الفرنسيين هذا ما حدث على الأقل مع كبولاني ومع البارون روجيه ومع فيدريب وكثير غيرهم وهذا يعني أن الأنشطة العلمية والاستكشافات الجغرافية لم تكن أبدا خالصة لذاتها وإنما كانت لأهداف استعمارية كما أشرنا إلى ذلك سابقا .هذا هو السياق العام الذي يتنزل فيه كتاب بـ "مروق الحرف" وسنتناول في مقال لاحق إن شاء الله مضمون الكتاب والإشكالية التي تطرحها هوية المؤلف.

 

تابعونا

إعلانات