صديقي الملحد (قصة قصيرة)

أربعاء, 2015/04/29 - 12:49
بقلم: الكاتبة خديجة ل.، نواكشوط، 21 أبريل 2015

لم تكن الأخبار الصادمة التي بلغتني عن صديقي م.أ مفاجِئة بالنسبة لي؛ فقد توقعتها منذ نهاية مشوار صداقتنا قبل سنة ونصف. إلا أن تلك الأخبار بعثت في نفسي ذكراه مع كل ما يصاحبها من مرارة وألم.

 

حين أحاول أن أستدعي صورته من الذاكرة، أيام المرحلة الثانوية، أرى مراهقا نحيفا أسمر البشرة غائر العينين. أتذكر نظراته الخجولة المضطربة، وصمته الدائم وعزلته. كان يبدو من مظهره العام أنه من عائلة ميسورة الحال، وكنا نسمع أن والده تاجر كبير، وأنه وإخوته يعيشون في منزل عمتهم، بعد طلاق أمهم وانتقالها إلى مدينة أخرى. لم يكن له أصدقاء في الفصل، لكنه بشكل ما كان يأنس لي دون غيري، رغم أن تواصلنا بقي محدودا جدا؛ فلم يكن يخاطبني إلا مضطرا لاستعارة دفتر أو مرغما على السؤال عن معلومة دراسية.

 

لم أسمع عنه الكثير بعد الباكلوريا، قيل لي إنه حصل على منحة دراسية بطريقة ما، في إحدى الدول العربية، ولم يعد للوطن طيلة سنوات. وحين لقيته صدفة في إحدى "الورشات"، بعد مرور عقد من الزمن، لم أعرفه للوهلة الأولى؛ فقد تغير شكله قليلا وامتلأ جسمه، أما نظراته فبدت أكثر اضطرابا من خلف النظارات الطبية. لاحظت أنه يراوح بين الابتسام والعبوس في نفس اللحظة وبدون سبب واضح، وتارة يرمي ببصره بعيدا عن محدثه. رغم ذلك شدّني حديثه وأعجبت بسعة اطلاعه وفاجأني اهتمامه بالأدب والفلسفة، حيث لم يكن يعيرهما أي اهتمام في المرحلة الثانوية. واتفقنا على اللقاء في نهاية الأسبوع لمواصلة الحديث.

 

بدأت أحاديثنا عفوية مرحة، وانصبت على انتقاد المجتمع والتعليق على الحياة السياسية والثقافية في البلد. ومع ذلك استطعت أن أستخلص للوهلة الأولى أن صديقي م.أ شخص مكتئب يعيش على هامش الحياة، ورغم أنه حقق نوعا من النجاح المهني، إلا أنه لا يرتبط بأي نوع من العلاقات الاجتماعية ولا يلتقي بإخوته ووالديه إلا نادرا. يقضي وقته بين القراءة وشبكات التواصل الاجتماعي ويعرف كل شاردة وواردة في البلد، ويملك معلومات وافرة عن جميع الأوساط الاجتماعية والسياسية والثقافية...

 

كان يتحدث عن الجميع بنبرة احتقار حادة، فهذا السياسي جاسوس حقير وذاك لص سارق وتلك بائعة هوى منافقة وهؤلاء مرتزقة لا يفقهون في الأدب شيئا. لم أستطع أن أميز ميوله السياسية ولا حتى الأيديولوجية؛ فقد تداعى سريعا التصنيف الجاهز الذي أراد لي أن أضعه فيه منذ البداية: شاب يساري إنساني ثائر على الظلم الاجتماعي والتخلف الفكري. لم يفتأ يناقض مقتضيات هذا التصنيف، تارة بالتعبير عن تعاطفه مع بعض رموز الأنظمة العسكرية وأحيانا بحديثه عن أمجاد أصله وفرعه القبلي. حيرتني أيضا رؤيته النسبية لبعض المسلمات عند فصيلته الأيديولوجية، مثل الفساد والعنصرية والطبقية. بدا كأنّ لصاحبي نسختين: واحدة مع الطبقة البورجوازية التقليدية وأخرى مع الطبقة المهمشة وضحايا الظلم الاجتماعي المتراكم. لكن الملفت للانتباه كان حجم المرارة والكراهية التي يتحدث بها عن الطبقة الأولى في نسخته الثانية، ومدى الازدراء والتعالي الذي يطفح من كلامه حين يتحدث عن الطبقة الثانية في نسخته الأولى.

 

على الصعيد الشخصي، ظل م.أ غامضا حول تفاصيل حياته الخاصة، لم يتحدث إلا نادرا عن تجربته في البلد العربي الذي أكمل فيه دراسته الجامعية، ولا عن أسفاره وتجاربه بعد ذلك. كنت أحاول الاطلاع ما أمكن على تلك التفاصيل، ليس بدافع الفضول فحسب؛ وإنما بحثا عن الأسباب التي دمّرت نفسية صديقي إلى هذا الحد وتركته كومة من المرارة والتشاؤم والكآبة... كان يبدو من طريقة حديثه معي أنه يبحث جاهدا عمن يسمعه ويساعده على البوح، لكنه في نفس الوقت كان يجتهد في إخفاء كل معلومة من شأنها أن تساعد في ذلك.

 

خضنا نقاشات طويلة في مواضيع الدين والمجتمع والتاريخ والحضارات، وكانت له طريقة خاصة في الحوار تحوّل النقاش إلى ما يشبه المبارزة المنطقية، حيث تنصب جهوده على تفنيد فكرة محاوره منطقيا، مهما كلفه ذلك من الاستطرادات ومن اللف والدوران.

 

ظل صاحبي يحوم حول مواضيع العقيدة وأنا أتهرب من الدخول فيها معه، لا لسبب يتعلق به وإنما هي عادة اكتسبتها واطمأننت إليها بعد معايشتي للعديد من أصحاب العقائد المختلفة. حاول استفزازي بذكاء عدة مرات، تارة بالسخرية من الصلاة وأخرى بالتشكيك في "عِلمِيّة" المنهج المتبع في رواية الحديث، ومرة بالتلميح إلى استحالة فهم القرآن نظرا لاختلاف المفسرين. لم تكن لدي إجابات جاهزة حول تلك النقاط ولم أبحث عنها، بل كنت أحس أن التعمق في أي من تلك القضايا سيؤدي إلى قطيعة نهائية بيننا، حين ينتهي به المطاف بالتصريح بحقيقة موقفه العَقَدِيّ. لا أدري لم كنت أخشى الوصول إلى ذلك المنعطف وأحاول تفاديه، فقد عرفت قبله أصدقاء أجانب ينتمون إلى العقيدة النصرانية في أحسن الأحوال (بعضهم لا يؤمن بشيء)، ولم تكن تصريحاتهم عن عقائدهم تستفزني إطلاقا. لكن فكرة الموريتاني "غير المؤمن" كانت جديدة علي تماما... وكانت أصعب تحملا وأكثر مرارة مما توقعت.

 

تحيرت في الموقف كثيرا وأصبح يشكل بالنسبة لي قلقا شخصيا يلازمني طيلة الوقت. كنت أمام معضلة دينية وأخلاقية: هل أواصل الاستماع إلى هذا الشخص ومحاورته، علّني أكون سببا في إنقاذه من ظلامه، أم أنجو بنفسي منه وأبتعد عن تلك الدائرة المظلمة الموحشة التي تحيط به من كل جانب.. قررت في النهاية أن أبذل معه ما أمكنني من جهد قبل أن أنسحب من المواجهة، وأخذت أحدثه عن التصوف، وعن تفاصيل تجربتي الإيمانية الشخصية.

 

كانت ردة فعله مخيبة للآمال، حيث واصل منهجه في التفنيد بشتى الطرق. وكان يغيب أياما ويغرق في البحث في مراجعه ليأتيني بتفنيد متشعب لكل فكرة أطرحها، وكنت في البداية أبذل جهودا خارقة في تفنيد تفنيداته الملتوية، حتى أدركني الإرهاق والملل، وتمنيت لو كنت بمنزلة ابن رشد أو الغزالي، لكي أواصل معه تلك المواجهة العقيمة إلى ما لا نهاية. لكن الخلاصة اتضحت لي كالشمس، وهي أن إيماني لم يكن لينفعه هو، لكن "لا إيمانه" قد يضرني... فقد أصبحت الكوابيس تلازمني بسببه وكنت أشعر بوخز قوي في ضميري كلما فكرت في الموقف. كيف أسمح لنفسي بالاستماع لآيات الله يُكفر بها وَيُستهزَأ بها بهذه الطريقة، دون أن يكون هناك أمل في مساعدة المستهزئ على رؤية النور. قررت أني لن أسمع المزيد وأوضحت له قراري، فتقبله واعتذر بحرارة عن كل ما "سبب لي من قلق".

 

وبعد أن يئس من عودتي إلى تلك النقاشات، أصبح يميل إلى الدردشة عبر الإنترنت، وأصبح يركز على الشكوى من آلامه وكآبته، دون أن يعطيني أية معلومات قد تساعدني على مساعدته.

في وقت متأخر من إحدى الليالي سألني، عبر أحد تطبيقات الدردشة، عما أفكر فيه. أجبته باقتضاب:

ـ لا أفكر في شيء قد يهمك أو يساعدك.

ـ وما أدراك، قد يهمني وقد يساعدني.

ـ أفكر في وجوه المقارنة بين فشلي الأول وفشلي الثالث.

ـ وماذا عن فشلك الثاني؟

ـ لا يستحق الذكر.

ـ أضحكتني، ولا أذكر أني ابتسمت منذ أيام.

ـ ألن تخبرني ما الذي يؤلمك ويثقل كاهلك إلى هذا الحد ؟

ـ ماذا في الحياة غير الألم؟

ـ الألم أحد مكوناتها فقط.

ـ بل كل ما فيها ألم.

ـ اسمح لي أن أبين لك خطأ منطقيا في هذه الجملة الأخيرة "كل ما فيها ألم".

ـ أسمعك.

ـ ماذا عن غريزة البقاء؟ هل تعتقد أنها كانت لتوجد لو كانت الحياة كلها ألما؟ ماذا يدعو الإنسان إلى التشبث بالحياة غريزيا لو كان كل ما فيها ألما؟

ـ لا مبارزات منطقية عبر الدردشة.

ـ نعم، نسيت، أنت من يحدد شروط المبارزة.

 

وبعد صمت يسير، عاد كأنه يريد فتح موضوع جديد.

ـ أكرر سؤالي، ماذا عن فشلك الثاني؟

ـ لا يستحق الذكر. ماذا عن فشلك أنت؟

ـ فشلي أبديّ.

ـ هل حاولت يوما؟

ـ حين بلغت سن الرشد كنت قد كفرت بجميع مظاهر الحياة العائلية؛ لذلك لم يكن للمحاولة معنى.

ـ هل خاب أملك في العائلة إلى هذا الحد؟

ـ إلى كل حد يمكنك تخيله.

ـ فيمن خاب أملك إلى هذا الحد؟

ـ أعطيك أسماء؟

ـ لا، لا أريد أسماء ولا تفاصيل، أريد مساعدتك. أنت تطلب المساعدة لكنك ترفضها في نفس الوقت...

ـ أحتاج مساعدتك، هذا واضح، لكن لا أعتقد أن النبش في الماضي سيساعدني. هناك أمور صعبة تعايشت معها حتى الآن بالتجاهل والنسيان، ولا زلت غير مقتنع بأن البوح بها سيفيدني في شيء.

ـ لو كنت تجاوزت هذه الأمور لكنت في حالة أفضل اليوم.. من الواضح أن طريقة التجاهل والنسيان لم تنجح معك، بدليل الحالة المزرية التي أنت فيها، فجرب طريقة غيرها..

ـ ومن يضمن لي أن النتيجة لن تكون عكسية؟

ـ أنا لا أستطيع أن أضمن شيئا.. هذا مجرد اقتراح مبني على تجربة شخصية قد تكون مختلفة كثيرا عن تجربتك.

ـ لا أعتقد أن لدي ما أخسره في جميع الأحوال، فلنجرب طريقتك.

ـ إذن دعني أطرح الأسئلة الصعبة وأعطني إجابات.

ـ سأحاول.

ـ جيد، سمعتك تتحدث بالكثير من المرارة عن انتشار التحرش وانتهاك حرمة الطفولة في مجتمعنا... أتساءل أحيانا، هل تعرضت أنت للتحرش في طفولتك؟ هل هذا هو السر وراء عداوتك لمفهوم العائلة؟

 

لم يجبني فورا. غاب عن الدردشة بعض الوقت ثم عاد، وسألني:

ـ هل كنت أنت لتعطيني مثل هذه المعلومات عن نفسك؟

ـ أجل، لو كنت في موقفك.

ـ إذن سننتظر حتى يتحقق ذلك الشرط.

 

بعد غيبة استمرت عدة أيام، اتصل بي م.أ يطلب أن أخصص له بعضا من وقتي، كما قال، لأنه في حاجة ماسة إلى من يسمعه.

وجدته في انتظاري بُعيد الغروب في أحد المقاهي، كان غارقا في حاسوبه المحمول وكانت علامات الإرهاق بادية عليه. ذكر لي أنه لم ينم منذ اندلاع الاحتجاجات الأخيرة المطالبة بإعدام "أحد رفاقه". حاولت أن أعرف مبعث قلقه، ما دام لا يفكر في نشر أفكاره كما فعل رفيقه. أحسست أن السؤال استفزه، لأن نبرة كلامه ارتفعت قليلا:

ـ رأيت كيف خرج هؤلاء الغوغاء يطالبون بقتلنا وإحراقنا، هل ننتظر حتى نقع في قبضتهم؟ هؤلاء سيحرقون البلد على من فيها، بمن فيهم أنتم معشر المتصالحين مع الخرافات والأوهام والقواعد الاجتماعية المتعفنة.

 

تركته يكمل.. لم تكن عندي أدنى رغبة في الحوار، كان جو المقهى خانقا وكنت أشعر بضيق متصاعد. واصل حديثه، ولم يعد يحاول أن يخفي انزعاجه مني.

 

ـ ماذا بقي لي في هذا البلد؟ حتى من حسبتهم أصدقاء أصبحوا يتهربون مني. من وثقت فيهم وأعجبت بمستوياتهم المعرفية، اكتشفت أن عقولهم مليئة بالخرافات، ولا أمل في تغييرهم. يرفضونني كما يرفضون الأجرب، ويتحاشون حتى الشراب من إناء شربت منه. سأقول لك شيئا واحدا، وهو أنه في يوم قريب سنكون في وضعية القاتل أو المقتول في هذا البلد، الأوضاع تسرع بجنون نحو ذلك الاتجاه.

 

قلتُ لمجرد كسر الصمت المتوتر:

ـ هل فاجأك حقا كل هذا الرفض؟ مهما يكن، فجميع المجتمعات احتاجت وقتا طويلا لاستيعاب هذه الظواهر.

ـ عندما يأتي الرفض من المتعلمين ومُدّعي الانفتاح الفكري...

تجاهلت تلميحاته حتى لا نعود إلى الحلقة المفرغة التي درنا فيها على مدى أسابيع. وساد صمت قصير، تظاهر خلاله بالانهماك في كتابة شيء ما على حاسوبه المحمول. قلت بعد لحظات:

ـ أنت تعلم أني حاولت مساعدتك بكل ما في وسعي، لكن يبدو من كلامك اليوم أنك لم تكن تطلب المساعدة بقدر ما كنت تحاول "تغييري" وإقناعي.

ـ ساعدتني مساعدة نادرة من نوعها.. فتحت لي تساؤلاتك أبوابا على جحيم الماضي وتركتني أواجهه وحيدا. تحملت في الأيام الماضية من العذاب ما لم أتحمل في حياتي كلها. حاصرتني أشباح الماضي وعادت إلى ذاكرتي بأسمائها ووجوهها القبيحة. بدأت أحاول أن أكتب عنها، بناء على نصيحتك.

 

ناولَني الحاسوب، وأشار إلي بقراءة الصفحة المعروضة على شاشته، ثم استأذن للتدخين في ركن قصي. وحين عاد ليقاطعني بعد وقت يسير، كنت قد قرأت ثلثي النص تقريبا، إلا أن الصدمة التي سببتها لي حركته المفاجئة منعتني من استيعاب الكثير مما قرأت.

 

بدأت مشاعر النقمة تجاه والديه تراوده منذ طلاقهما وهو في سن الخامسة من عمره، تعلق بجدته كثيرا قبل أن يفقدها في سن الثامنة، يذكر تفاصيل مرضها ووفاتها ويذكر كيف كانت تطلب منه المواظبة على الصلاة والدعاء لها بالشفاء، وكيف خسر تلك المعركة الأولى مع "الغيب". بعدها دخل في مرحلة من الضياع واليتم الفعلي، تعرض للضرب وسوء المعاملة من زوج الأم، وللكراهية والدسائس من زوجة الأب. اكتشف في سن مبكرة سوءات النفس البشرية وأُدخل رغما عنه في دوامة من الكذب والنميمة والاستغلال. ارتكب كل ما طالت يده من الممنوعات تشفيا في الوالدين المهملين، ومحاولة للفت انتباههما، وأبغضهما بكل طاقته. وكلما زادت أخطاؤه زاد الضرب والرفض من الجميع، وكلما ساءت المعاملة تمادى هو في الإساءة والانحراف. لمّح دون تصريح إلى تعرضه للتحرش من طرف قريب له ومن طرف أصدقاء ذلك القريب لاحقا. تعلم أن يضع قناعا من اللا مبالاة أمام كل ذلك الألم وحرص على ألا يُرى في موقف يثير الشفقة مهما حصل، وتعلم أيضا كيف يؤذي غيره، في صمت.. تعود على الصمت والعزلة والهروب من كل أشكال التواصل الإنساني. كان كل همه في أن يخرج من ذلك الجحيم، ولو إلى جحيم أسوأ منه. وكان له ما أراد حين سُمح له بالسفر للدراسة وهو في سن الثامنة عشر.

 

حاولت أن أمر بسرعة على بقية النص في حضوره، لكنه لم يتحمل وطلب مني أن أعيد إليه الحاسوب. قال وهو يحاول أن يبتسم:

ـ تبدو عليك الصدمة، مع أن ما قرأت ليس سوى إشارات.. فقد اختزلت الكثير من الأمور التعيسة وتجنبت الدخول في الكثير من الدهاليز المظلمة.

حاولت أن أخفي تأثري بما قرأت، لكنه لاحظ ارتباكي البالغ. أغلق الحاسوب وأعاده إلى حقيبته، دفع حساب القهوة، وظل يحتفظ بابتسامة شاحبة وهو ينظر إلي من حين لآخر. أدركت بصعوبة أن الجلسة انتهت، وغلب علي إحساس بأنها كانت الأخيرة. ويبدو أن نفس الإحساس انتابه أيضا؛ فقد طلب مني وهو يودعني أن أنسى كل كلمة مما قرأت قبل قليل.

حين بلغني نبأ اختفائه، بعد سنة ونصف من نهاية مشوار صداقتنا الغريبة، عكفت أياما على متابعة أخباره في الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. كانت العناوين تناقض نفسها عدة مرات في اليوم، يكتبون تارة أنه ترك حاسوبه وجميع أغراضه الشخصية في شقته، وتارة يؤكدون أنه دبر للاختفاء بعد أن أحس بالخطر على نفسه، ويؤكد آخرون في خبر عاجل العثور على بقع من الدم على سلم منزله. وبعد أسبوع أو أسبوعين، تلاشت قصته من عناوين المواقع وخيم عليها الصمت، وأصبحت موضوعا موسميا يذكر بالترتيب بعد ذكر الصحفي المختفي في سوريا والدّرَكي المختفي في نواكشوط منذ سنتين. انتهى إلى مسامعي أن أهله لم يحركوا ساكنا للبحث عنه، حتى أن بعضهم صرح بأن اختفاءه يعد حلا مناسبا لمعضلة استمرت طيلة حياته.