تأملات من قصة موسى والخضر عليهما السلام :

أحد, 2015/06/21 - 15:25
الأستاذ عبد الفتاح حبيب

كان ذلك في أحد أيام رمضان سنة 2005 في باريس، وكنت أقرأ سورة الكهف فتذكرت مقارنة لابن عربي أوردها في كتابه "فصوص الحكم"، حيث يقول أن الأفعال التي استنكر موسى على الخضر في رحلتهما المذكورة في سورة الكهف، هي تذكرة من الله تعالى لموسى على نعم أنعمها عليه خلال أحداث وقعت له في حياته قبل ذلك.
- فخَرْقُ السفينة الذي هو مظنة غَرَقها قام به الخضر لأجل إنقاذها ( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)، وهذه تذكرة لموسى بوضع أمه له في التابوت ورميه في اليم وهو أمر ظاهره هلاك لموسى بينما كان سببا في نجاته (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
- وقَتْلُ الخضر للغلام، هي تذكرة لموسى بقتله للقبطي (فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ)، الذي نجاه الله منه (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
- وإقامة الجدار دون أجر، هي تذكرة لموسى بسقايته للمرأتين عند ماء مدين دون أجر، وهو ما كان سببا في استدعاء أبيهما له والإحسان إليه (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

أعجبتني وقتها مقارنة ابن عربي وحاولت البحث فيها أكثر، فرأيت ملاحظات أخرى أشاركها معكم هنا (وقد ذكرتها مرة للعلامة الشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله فأعجب بها):
1 - أن الترتيب الزمني للأحداث في حياة موسى (رميه في اليم وهو طفل، قتله للقبطي، توجهه بعد ذلك لمدين حيث سقى للمرأتين دون أجر)، هو نفسه ترتيب قريناتها في رحلته مع الخضر (خرق السفينة، قتل الغلام، إقامة الجدار دون أجر).
2 - أن التأويل الذي قدم الخضر لموسى كسبب لأفعاله التي استنكر، شبيه لأسباب الأحداث التي وقعت في حياة موسى:
- فالخضر أراد أن يعيب السفينة لأن وراءها ملك يأخذ كل سفينة غصبا، وكذلك سبب رمي موسى في اليم هو الخوف من ملك يذبح كل غلام من بني إسرائيل غصبا (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ).
- والخضر قتل الغلام لأن أبويه مؤمنين ويخشى أن يرهقهما طغيانا وكفرا "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا "، وكذلك موسى قتل القبطي لأنه كافر خشي أن يقتل مؤمنا (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِه عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ). من شيعته أي مؤمن من بني إسرائيل ومن عدوه أي كافر من آل فرعون، فالصراع في الحالتين بين الكفر والإيمان.
- والخضر أقام الجدار دون أجر لأنه لغلامين يتيمين ولأن أباهما صالحا (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)، وأيضا موسى سقا دون أجر لامرأتين ليستا يتيمتين لكن أباهما عاجز فهو شيخ كبير ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)، وهو صالح كذلك كوالد الغلامين كما حكى الله تعالى عنه في سورة القصص حيث يقول لموسى (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).
أسأل الله تعالى أن أكون وإياكم من الصالحين المصلحين.