مخاطر النجاح/ الشيخ محفوظ إبراهيم فال

أحد, 2024/01/28 - 23:21
الشيخ محفوظ إبراهيم - ناىب مدير مركز تكوين العلماء بموريتانيا

من أصعب الأمور في حياة الإنسان تغيير وسائل جرب نجاحها وكان لها دور بارز في نجاحه ومكانته. 

 

وحين يتجاوز هذه الوسائل الزمان والمكاني بقى الإنسان متشبثا بها غافلا عن سياقها وفي أحيان كثيرة تفسد عليه ما أصلحت وتهدم ما بنت وتكون مصدر فشل بعد أن كانت مصدر نجاح. 

 

إن الذي لايراقب انتهاء صلاحية الدواء يعرض نفسه للخطر وقد يقتله ما كان يحييه .

 

ورحم الله ابن القيم حين سمى هؤلاء عباد الأشكال والرسوم ، ذا الداء يصيب الفرد والجماعة فيهدر الطاقات ويفاقم التحديات ويضيع الزمان والإنسان.

 

يسر الله أمرنا وأمر المسلمين وألهمنا رشدنا ووقانا شر نفوسنا.

 

النجاح والغلو 

 

كثيرا ما يكون النجاح سببا في الغلو، فالإنسان غالبا يرتبط بما نجح فيه ويكون جزء من ذاته عند نفسه وعند الناس، فيرى صعوده صعودا له وهبوطه هبوطا له، وأحيانا يرى بقاءه ببقائه وفناءه بفنائه، وبذلك يفقد التوازن في الحكم عليه حين يغلب عليه حبه ( وحبك الشيء يعمي ويصم ) .

الأمر الثاني أنه يكون مدركا لمحاسنه أكثر من غيره وبذلك يغتر به ويذهب به العجب أي مذهب.

 

ويظهر هذا في مجالات الحياة كلها والعقلاء من الناس يسعون دائما إلى حفظ التوازن وحسن التقدير مهما قربت منهم مسافة الأشياء أوبعدت .

 

ومن الأمثلة في هذا غلو أصحاب التخصصات العلمية والعملية كل في مجالاته سواء كان تخصصا فرديا أوجماعيا والتخصص الجاد يغلب عليه جلب النجاح 

وانظر إلى المدارس الإسلامية فلا تكاد تجد مدرسة نجحت إلا غلت في مجالها ومن البدهي أن غلوها في مجالها يقابله تقصير في مجالات أخرى وأثر ذلك على سلامة التصور وحسن التقدير مضر غالبا .

فترى الناجح في مجال يجعل فروعه أصولا وأصول غيره فروعا وقشوره ألبابا ، ،ولب غيره قشورا ، بل قد يستحسن منه المستقبح ، ويستعذب المستهجن     

فانظر في حال المتكلمين حين نجحوا في بعض المباحث العقلية وإلى أهل السلوك حين نجحوا في المجاهدة سعيا لصلاح القلوب واستنارة البصائر وقل ذلك عن الفقهاء والمحدثين والمفسرين وقد نبه على ما ترتب على ذلك من المخاطر كثير من عظماء المسلمين كالإمام الغزالي،  وابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم والشاطبي وغيرهم رحمهم الله  تعالى 

ومثل هذا يقال عن المدارس الإصلاحية الحديثة سلفية وإخوانية وتبليغية _ حسب التسمية المتداولة _ وغيرها فلكل مدرسة  مجال نجحت فيه بعض النجاح وهي معرضة لمخاطر الغلو فيه والتقصير فيما عداه.

 

وينجي بإذن الله تعالى من ذلك أمور منها : 

_ الدعاء وسؤال الهدى والتوفيق ولزوم الافتقار إلى الله تعالى وتقوية الإيمان الذي هو أعظم أسباب الهدى قال الله تعالى: ( ومن يؤمن بالله يهدي قلبه ) وكلما ضعف الإيمان كثر الخذلان نسأل الله العافية قال الله تعالى: ( إن الذين لا يؤمنون  بآيات الله لا يهديهم الله ) .

_  تحكيم ميزان الشرع مع السعي لحسن التعامل والفهم من بين  النصوص ورد المحكم للمتشابه  والبعد عن المزالق المعروفة هنالك.

_ تحكيم العقل في المألوف والمحبوب
من جهة والمبغوض والمصدود عنه من جهة  

_صحبة الأمناء العقلاء  ممن رزقوا عمقا في النظر وسعة في الافق ورحابة في التفكير ولا يعدمون وإن كانوا يندرون .

 

_ القراءة للموافق والمخالف وتنويع مصادر الأخذ وتوسيع طرق التلقي .

_ معرفة أن الكمال بعد الأنبياء مفرق في الأتباع وطلبه من أي وعاء خرج وفي أي باب ولج .

_ البعد عن الإطلاق في غير القطعيات والبدهيات وحضور النسبية والنظر إلى كل الأبعاد وإلى المركب بكل أجزائه .

 

هدانا الله وسددنا وألهمنا وعلمنا ورزقنا الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد والهداية لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .