تفرغ زينة .. مدينة القصور وشواهد القبور (صور)

أربعاء, 2015/07/15 - 20:07
أكواخ متواضعة لعمال وحراس وباعة بقرب منازل كبيرة وفخبة بمقاطعة تفرغ زينة (تصوير - السراج)

كثيرا ما تحدث مواطنون عن كآبة شوارع أجمل مقاطعات العاصمة الموريتانية نواكشوط "تفرغ زينة" لكن معظمهم لم يحددوا السبب الرئيس، فمنهم من يرجع السبب إلى انقطاع الصلات بين الجيران وخلو شوارعها إلا من العمال والأجانب، ومنهم من اعتبر الأمر ذا علاقة بطبيعة السكان وتعايشهم فيما بينهم.

 

إلا أن قلة ترى أن سبب وصف مدينة تفرغ زينة بالمدينة الكئيبة هو احتواؤها على قسمين من المواطنين الموريتانيين والذين لم يربط بينهما دم ولا أية مستويات معيشية تجعلهم - منطقيا - يتقاسمون السكن في هذه الأحياء الراقية وسط نواكشوط ، ومع أن النمط المهيمن من السكان هو الأغنياء والميسورون والأثرياء، إلا أن النمط الثاني بارز لا يمكن إخفاؤه وهو الفقراء والمشردون والعاجزون.

 

 

قصور وقبور

هدوء تام يخيم على المكان وكأنه لا أثر للأحياء رغم ظهور أشخاص داخل المكان، كان أحدهم مسجا في غفوة وقت القيلولة فيما انزوى الآخرون بعيدا عن الأضواء، عريش ضيق مسور بسياج حديدي يكشف اتساع القطعة الأرضية التي يحتل جزء ضيئلا منها فيما تراصت أكواخ ومساكن أخرى في غير نظام وفي المكان نفسه واجهاتها كشواهد قبور صماء.

 

بعد إلقاء التحية مرات عدة يأتي صدى الرد من بُعدٍ سَحيقٍ، لحظات قصيرة وتخرج إحدى النسوة لتستطلع الأمر فيما لم يبرح الآخرون أماكنهم ، طفل صغير دفعه الفضول إلى إبراز وجهه من فتحات سور العريش وكأنه يعجب لهؤلاء الذين اقتحموا عليه عالمه الصغير وفي مثل هذا الوقت.

 

 

ومن الغريب الملاحظ لدى كل من دخل بين شوارع وأزقة هذه الأحياء الراقية هو مدى النشاز العمراني، والتنافر الشكلي، فمن جهة ترى المنازل والقصور المشيدة على آخر مواصفات الفن الهندسي والذوق الحديث، ومن جهة أخرى يصيبك العمى المؤقت لأنك أبصرت أكواخا رمادية متناثرة لا تعلو أسطحها لتصل درجات القصور الملاصقة لها، في مشهد كئيب لها بين القصور.

 

مكان فسيح وغير مؤجر لكن حياة ساكنيه أشبه بحياة اللاجئين في وطنهم ففي أي وقت يمكن أن يطلب منهم إخلاء المكان وهم لا يتطلعون إلا إلى ما زاد عن حاجة سكان المنازل الفخمة التي تحيط بهم، وفي أحيان كثيرة لا يجدون حتى هذا الفتات تقول السيدة: مريم.

 

 

طعم المعاناة

تقول مريم بنت أحمد لعبيد إنها نزحت إلى مقاطعة تفرغ زينة الراقية من "كبة الورف" (حي عشوائي يقع بالقرب من ميناء نواكشوط) قبل 14 سنه، ومنذ ذلك التاريخ وهي تتنقل من قطعة أرضية مهجورة إلى أخرى حتى استقر بها المقام في هذا المكان إلى جانب أسر مشردة أخرى وبين منازل أغنياء فارهة.

 

وفي رمضان شهر الرحمة والإنفاق يحس هؤلاء بكل شيء يتغير لغير صالحهم وهم يتذوقون للشهر الفضيل طعما آخر طبعته المعاناة المتجددة، ولا يختلف الأمر كثيرا فلم يسبق لمريم أن استفادت من أي دعم ولا توزيعات غذائية ولم يعرف المحسنون طريقهم إلى مسكنها رغم حاجتها للدعم والمساعدة.

 

 

تشير مريم إلى الشاب النائم وتقول إنه ابنها وهو مريض ويتعاطى أدوية للصرع لا يمكن قطعها فيما توفي والده وترك لها صبية أيتاما هي من يقوم على إعالتهم عن طريق عملها كخادمة لدى إحدى الأسر الميسورة ومقابل أجز زهيد لا يتعدى 30000 أوقية في الشهر أي حوالي 90 دولارا أمريكيا.

 

في تفرغ زينه ليس الرجال وحدهم من يتولون مهام الحراسة بل النساء أيضا حيث لا تدفع أسرة مريم أي إيجار مقابل سكنها في هذا الحائط المهجور مما يوفر على مالكه نفقات تسويره وبناء مرافق بداخله وبالتالي منع احتلاله من الدخلاء.

 

 

استجداء للناس

على مقربة من المكان كانت حرارة الشمس قد ألجأت ثلاثة من الحراس إلى ظل شجرة وارفة فيما بدا الشارع خاليا من المارة، وقد أرهقهم العطش في يوم صوم وقيظ شديدين، أول ما يتبادر إلى ذهنك حين تراهم هو أنهم من المتسولين الأجانب أو اللاجئين.

 

في حي آخر ذو سمعة كبيرة بتفرغ زينه يعمل الداه ولد أمبيريك كحارس حيث تقاسمه المسكن أخته وعيالها، وهو كذلك يؤكد الظروف الصعبة التي يعيشها الحراس خلال شهر رمضان مما جعل البعض منهم يتحول إلى متسولين يتكففون الصدقات فيما لا يجد ولد أمبيريك أي وسيلة للفت الانتباه إلى معاناته غير طلب المساعدة في علاج بصره الكليل وفي أحيان كثيرة لا يعود سوى ببضع أوقيات قليلة إلى مقر حراسته ليبدأ التفكير في طريقة الاستفادة من الأواقي المعدودات في إعداد فطور.

 

 

في تفرغ زينة تجوب عشرات النسوة الطرقات وهن يستجدين الصدقات تارة لعلاج مريض أو الصرف على أسرة فقيرة والإنفاق على أيتام صغار لا عائل لهم، بعض هؤلاء من حراس المنازل وبعضهن وافدات من أحياء الضواحي.

وفي شهر الصيام تزداد المعاناة وتزداد قوافل المتسولين والمتسولات فيما تظل معاناة الحراس هي ذاتها لاجئون على أرض وطنهم وفقراء يعيشون بين منازل الأغنياء.