لم يكن الفقيد د. إزيدبيه الامام اسما عابرا في مسيرة العمل الدعوي، بل كان ركنا ركينا ورجل ميدانٍ وبذل، نذر عمره في صمت لخدمة الدعوة، فكان من خيرة فرسانها ومن أشدهم تواضعا ونكرانا للذات وإتقانا للعمل.
فقد عرف الفقيد بزُهده وتواضعه، وتفانيه في خدمة الدعوة وأهلها، فكان يعمل في الظل غالبا، ويقدّم غيره على نفسه، غير لاهث وراء منصب ولا باحث عن شهرة.
تعرفت على الراحل سنوات (2006–2007) معرفة جعلت منه بالنسبة لي قدوة ومثالا يحتذى به في الجد والالتزام.
لتنقطع علاقتي المباشرة به بعد سفري للسودان سنة 2008 وتنقطع أخباره عني، إلا ما كان من مشاهدات عبر الوسائط وأخبار نادرة منقولة من هذا الأخ أو ذاك من معارفنا المشتركة، حتى لقيته في مدينة اسطنبول في أحد المؤتمرات لأجده كما هو حفاوة وخلقا وتواضعا..
لنبدأ مشوارا جديدا من تعميق الصحبة القديمة وتجاوز الكثير من الرسميات والحواجز في التعاملات، فكانت صحبته خير صحبة، يمازح ولا يكذب، ويداعب ولا يجرح، بسيط مع رقي وأناقة، حصيف مع لطف ولباقة، عزيز النفس دون تكبر، ومثقف دون تكلف، مؤمن صادق يألف ويؤلف.
نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا.
حمل همّ القضية الفلسطينية بصدق، فعمل بجد وإخلاص مع حملة لوائها في الداخل والخارج، حيث عمل مع الإئتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين في اسطنبول، قبل أن يستقر به المقام في أرض الوطن ليواصل مشواره في خدمة القضية عبر بوابة مؤسسة الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني _ موريتانيا والتي كان أحد أعمدتها في الآونة الأخيرة حيث عمل بجد ومثابرة دون كلل ولا ملل، فجاب كل عواصم الولايات ومعظم المقاطعات مشرفا ومؤطرا ومحرضا على البذل والتضحية والعطاء خدمة للقضية.
كان رحمه الله يؤمن بأن نصرة فلسطين عبادة الوقت، وموقف ومسؤولية فردية وجماعية لا ينوب فيها أحد عن أحد.
كنّا نحضر معا لانطلاقة النسخة الجديدة من ملتقى الفروع السّنوي، والمزمع عقده في الأيام القليلة المقبلة (08/01/2026) فوضعنا معنا اللمسات الأخيرة وتقاسمنا معا المسؤولية في الإشراف على أيام الملتقى.
لكن شاءت الأقدار أن يرحل دون وداع وأن يختطفه المنون قبل أن يستقبل أحبّته وزملائه القادمين من فروع الرباط في الداخل.
أردنا أمرا وخططنا له وأراد الله أمرا آخر..
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).
تالله ما أصعبها من لحظات حزن وألم حين زُفّ إلينا ذلك الخبر الصاعق؛ فتبادلت سريعا المعلومات الواردة مع أخي الحبيب محمد سالم ول عابدين، الأمين العام للرباط الوطني، مؤملا أن يكذب لي الخبر أو يصححه بأن يقول لي أنهم جرحى أو أن أحدهم على الأقل لا زال على قيد الحياة، غير أنّه لم يشأ أن يخادعني أو يخادع نفسه، بل قرّر أن يكون صريحا وواضحا معي قائلا بنبرة حزينة يصاحبها جلد المؤمن: يحي الشباب ألا حد يراجع فيهم ويحتسبهم عند الله… انقطع الصوت بيني وبينه لحظة دون أن ينقطع الخط.. فلا هو استطاع المواصلة ولاسترسال ولا أنا استطعت الكلام أو التعليق.
فانقطع الشّكّ باليقين، وتبدّت الحقيقة المرة، فلم يك بد من التسليم والمراجعة.
فلله الأمر من قبل ومن بعد، ولا نملك إلا أن نُسلِّم ونستسلم لقضاء الله وقدره؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

.jpeg)
.jpg)