في النفس والتربية .. حتى تتهوج الشموس أكثر/ الدكتور الشيخ أحمد البان

جمعة, 2026/01/23 - 10:48

من صور الجمال المودعة في هذا الكون صورة داعية غزير الدمعة كثير العطاء، يرفع الله به شأن هذه الدعوة ويسخره لخدمتها، حتى إذا استفرغ جهده وأفنى أنفاسه؛ سقط في ميدان البذل مضرجا بعرقه، أو أسلم روحه وهو مسند رأسه إلى سارية مسجد، طالما ابتدرها حين يخرج السرعان.

وهي صورة نقصت في أيامنا هذه لحد أننا نبحث في تلافيف التجارب التربوية للمصلحين، ونتعسف الاحتجاج؛ لكي نعثر على ما يشهد لافتراق أجزائها، فنقول أحيانا، إنها ضريبة الشمول! وأن الداعية الذي يظل يركض في الميدان يرفع لبنة إصلاح، ويخفض رأس بدعة، ويطفئ لهب فتنة، ويفضح ظاهرة فساد، ويعين على نوائب الدهر، نقول أحيانا إن هذا الداعية حقيق بأن لا يجد وقتا لكثرة النوافل، وأن ما يقوم به من أعمال متعدية النفع أرجح في ميزان الشرع. فحسبه ورد متوسط، ووتر خفيف، وهذا في جانبه الفقهي النظري صحيح، ولكنه في جانبه التربوي قد يتحول إلى خدعة شيطانية يستمرئها الضعفاء ويطفئون بها لهب تأنيب الضمائر إذا رأوا أنفسهم غير آنسة باللبث في المسجد أو بتقليب صفحات المصحف ساعة أو ساعتين، وهم الذين رسالتهم إعادة الناس لرحاب المساجد وتعزيز علاقتها بالقرآن.

وما ذنب الشمولية بأدواء نفوسنا وهي طريق الربانية إن أخذت بحق، ولعل الخطأ الذي أورث الظاهرة أو على الأصح أورث تعليلها الأعرج، هو غياب التفريق بين المبتغى والطريق إليه. إن المبتغى الذي نسعى إليه هو الاحتساب في الأكْلَة والنَّوْمَة بنفس قوة الاحتساب في الصَّوْمَة والقَوْمَة؛ ولكن ذلك (مقام سلوكي) رفيع، يسبقه ويواكبه كثير من الرياضة على العبادات المحضة التي تقمع هوى النفس، وترغم أنف الشيطان، فحينها يمكن التطلع لمقام الاحتساب الشامل، وهيهات.

أما أن تكسل عن وردك من القرآن وعن نصيبك من الليل ثم تقول لي غبَّ الضحى إنك ستمسك بتلابيب نفسك، فلا ترائي، ولا تسمِّع، ولا تكذب، ولا تتجمل بثوبي زور؛ فذلك قول لا حقيقة وراءه، وأحبولة شيطانية يوشك أن يُسْتَنْزَلَ صاحبها إلى وهدة ما لها من قرار.

وليس أثر هذه الظاهرة خطرا على مستقبل المسار التربوي لصاحبه فحسب، بل خطره الأكبر على مستقبل الدعوة ذاتها، ذلك بأن يبوسة القلوب مؤذنة بظهور مهلكات الأفراد والجماعات، الشح المطاع والهوى المتبع، ولا عصمة بالوعي ولا بالمعرفة إذا لم ترفدهما سلامة القلب وصدق اللسان.

ثم إن ناشئة الدعوة تبعٌ لسلفها -وما رأيت أكثر تأسيا من شباب الدعوة بكهولها-، وحين تنشأ تلك النابتة على مجالس الجدل الفكري والاحتفاء بالوعي السياسي والفلسفي على حساب صفاء النفوس، وإشراق القلوب؛ فكبر أربعا على مصطلحات الوحدة والانسجام والتآخي والعصبة ذات القلب الواحد، وافتح كُنَّاشًا لأمثال: الفرقة والشقاق والتنافس على لعاعة المنصب والمال.

إننا -معاشر الدعاة بحاجة إلى عودة صادقة إلى أصول التربية الإيمانية، تلك الأصول التي تقول لنا إن رجحان ميزاننا عند الله، وانسياب دعوتنا في الناس لا يكون بشيوع أولي التميز المعرفي والإبداع الأدائي بيننا، ما لم تواز ذلك ظاهرة أخرى تزكيه بمعاني الخشية والإنابة والإخبات،  ذلك بأن الدعاة هم لباب المجتمعات، وصفوة الخلق بعد الأنبياء، هم شموس الأرض، والشموس تشرق لتضيء أرجاء الكون لا محيطها فقط، لذلك يحتاج الدعاة إلى أن تكون أنوار إخباتهم ساطعة يراها الحيارى فيعلمون أن هذه هي الدعوة الربانية الحق.

إن الدعوة إلى الله هي أحسن القول وأزكى الفعل، "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ"، ولكن إحدى مزالق الداعية أن يكتفي بدعوة الناس، وينسى نفسه في غمرة حماسه الدعوي، ويمكن أن نسمي صاحب هذه الحالة "الداعية المحترف"، ومعناه أن الدعوة إلى الله بمختلف ميادينها أصبحت عنده حرفة يمارسها بدافع الاعتياد، وهو تعبير نصوغه من مضمون كلام للشهيد سيد قطب رحمه الله، فقد قال معلقا على قوله تعالى: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ"، يقول: "... ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل، فإنه في إيحائه للنفس البشرية، ولحملة الدين بصفة خاصة، دائم لا يخص قوماً دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل (..) إن الآفة هي حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة"، عندها يكتفي الداعية بانتمائه لهذه الدعوة، فيؤدي الواجبات وينفذ التكاليف وحسب، وكأنه قد حاز مفتاح غرفه في الجنة وأمن الفتَّان.

إن تراجع الأبعاد التزكوية في صفوف الدعاة قد لا يظهر أثره سريعا لغير المربي الحصيف، ذلك بأن عوامل نفسية كثيرة تدفع للبذل والتضحية قد تخفي أثر خراب الروح لفترة، ولكنها لن تدوم، فما تلبث تلك الدوافع أن تخفت فتموت، حينها تخِرُّ المنسأة، ويتبين الغافلون أن لو كان يعلمون العاقبة لاستدركوا قبل وقوع الفاجعة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

في النفس والتربية

حتى تتهوج الشموس أكثر

من صور الجمال المودعة في هذا الكون صورة داعية غزير الدمعة كثير العطاء، يرفع الله به شأن هذه الدعوة ويسخره لخدمتها، حتى إذا استفرغ جهده وأفنى أنفاسه؛ سقط في ميدان البذل مضرجا بعرقه، أو أسلم روحه وهو مسند رأسه إلى سارية مسجد، طالما ابتدرها حين يخرج السرعان.

وهي صورة نقصت في أيامنا هذه لحد أننا نبحث في تلافيف التجارب التربوية للمصلحين، ونتعسف الاحتجاج؛ لكي نعثر على ما يشهد لافتراق أجزائها، فنقول أحيانا، إنها ضريبة الشمول! وأن الداعية الذي يظل يركض في الميدان يرفع لبنة إصلاح، ويخفض رأس بدعة، ويطفئ لهب فتنة، ويفضح ظاهرة فساد، ويعين على نوائب الدهر، نقول أحيانا إن هذا الداعية حقيق بأن لا يجد وقتا لكثرة النوافل، وأن ما يقوم به من أعمال متعدية النفع أرجح في ميزان الشرع. فحسبه ورد متوسط، ووتر خفيف، وهذا في جانبه الفقهي النظري صحيح، ولكنه في جانبه التربوي قد يتحول إلى خدعة شيطانية يستمرئها الضعفاء ويطفئون بها لهب تأنيب الضمائر إذا رأوا أنفسهم غير آنسة باللبث في المسجد أو بتقليب صفحات المصحف ساعة أو ساعتين، وهم الذين رسالتهم إعادة الناس لرحاب المساجد وتعزيز علاقتها بالقرآن.

وما ذنب الشمولية بأدواء نفوسنا وهي طريق الربانية إن أخذت بحق، ولعل الخطأ الذي أورث الظاهرة أو على الأصح أورث تعليلها الأعرج، هو غياب التفريق بين المبتغى والطريق إليه. إن المبتغى الذي نسعى إليه هو الاحتساب في الأكْلَة والنَّوْمَة بنفس قوة الاحتساب في الصَّوْمَة والقَوْمَة؛ ولكن ذلك (مقام سلوكي) رفيع، يسبقه ويواكبه كثير من الرياضة على العبادات المحضة التي تقمع هوى النفس، وترغم أنف الشيطان، فحينها يمكن التطلع لمقام الاحتساب الشامل، وهيهات.

أما أن تكسل عن وردك من القرآن وعن نصيبك من الليل ثم تقول لي غبَّ الضحى إنك ستمسك بتلابيب نفسك، فلا ترائي، ولا تسمِّع، ولا تكذب، ولا تتجمل بثوبي زور؛ فذلك قول لا حقيقة وراءه، وأحبولة شيطانية يوشك أن يُسْتَنْزَلَ صاحبها إلى وهدة ما لها من قرار.

وليس أثر هذه الظاهرة خطرا على مستقبل المسار التربوي لصاحبه فحسب، بل خطره الأكبر على مستقبل الدعوة ذاتها، ذلك بأن يبوسة القلوب مؤذنة بظهور مهلكات الأفراد والجماعات، الشح المطاع والهوى المتبع، ولا عصمة بالوعي ولا بالمعرفة إذا لم ترفدهما سلامة القلب وصدق اللسان.

ثم إن ناشئة الدعوة تبعٌ لسلفها -وما رأيت أكثر تأسيا من شباب الدعوة بكهولها-، وحين تنشأ تلك النابتة على مجالس الجدل الفكري والاحتفاء بالوعي السياسي والفلسفي على حساب صفاء النفوس، وإشراق القلوب؛ فكبر أربعا على مصطلحات الوحدة والانسجام والتآخي والعصبة ذات القلب الواحد، وافتح كُنَّاشًا لأمثال: الفرقة والشقاق والتنافس على لعاعة المنصب والمال.

إننا -معاشر الدعاة بحاجة إلى عودة صادقة إلى أصول التربية الإيمانية، تلك الأصول التي تقول لنا إن رجحان ميزاننا عند الله، وانسياب دعوتنا في الناس لا يكون بشيوع أولي التميز المعرفي والإبداع الأدائي بيننا، ما لم تواز ذلك ظاهرة أخرى تزكيه بمعاني الخشية والإنابة والإخبات،  ذلك بأن الدعاة هم لباب المجتمعات، وصفوة الخلق بعد الأنبياء، هم شموس الأرض، والشموس تشرق لتضيء أرجاء الكون لا محيطها فقط، لذلك يحتاج الدعاة إلى أن تكون أنوار إخباتهم ساطعة يراها الحيارى فيعلمون أن هذه هي الدعوة الربانية الحق.

إن الدعوة إلى الله هي أحسن القول وأزكى الفعل، "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ"، ولكن إحدى مزالق الداعية أن يكتفي بدعوة الناس، وينسى نفسه في غمرة حماسه الدعوي، ويمكن أن نسمي صاحب هذه الحالة "الداعية المحترف"، ومعناه أن الدعوة إلى الله بمختلف ميادينها أصبحت عنده حرفة يمارسها بدافع الاعتياد، وهو تعبير نصوغه من مضمون كلام للشهيد سيد قطب رحمه الله، فقد قال معلقا على قوله تعالى: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ"، يقول: "... ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل، فإنه في إيحائه للنفس البشرية، ولحملة الدين بصفة خاصة، دائم لا يخص قوماً دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل (..) إن الآفة هي حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة"، عندها يكتفي الداعية بانتمائه لهذه الدعوة، فيؤدي الواجبات وينفذ التكاليف وحسب، وكأنه قد حاز مفتاح غرفه في الجنة وأمن الفتَّان.

إن تراجع الأبعاد التزكوية في صفوف الدعاة قد لا يظهر أثره سريعا لغير المربي الحصيف، ذلك بأن عوامل نفسية كثيرة تدفع للبذل والتضحية قد تخفي أثر خراب الروح لفترة، ولكنها لن تدوم، فما تلبث تلك الدوافع أن تخفت فتموت، حينها تخِرُّ المنسأة، ويتبين الغافلون أن لو كان يعلمون العاقبة لاستدركوا قبل وقوع الفاجعة.