الشاعر الكبير محمد الحافظ أحمدو.. ليس من رأى كمن سمع/د. عبد الرحمن الرباني

أربعاء, 2026/02/04 - 20:23

في حدود عام 1956 ولد في منطقة علب آدرس شرقي مقاطعة أبي تلميت الشاعر الكبير محمد الحافظ بن أحمدو لأسرتين كريمتين جمعتا المجد والشرف من جميع أطرافه علما وأدبا وكرما...، فأبوه هو الأديب الحكيم أحمدو الملقب الدّامِّين بن المصطفى بن الشيخ محمد أحمد الملقب النينِّ بن محمذن بن محمد عبد الرحمن الملقب لعبيد الحلي التندغي، وأمه ابنة عم أبيه السيدة مريم بنت محمد الحافظ بن محمد الملقب البكاء من خشية الله بن معاوية رحم الله الجميع...
بعد حفظه المبكر للقرآن الكريم وهو في سن الثامنة أو التاسعة يمم وجهه شطر المحاظر فنهل من معين كبريات محاظر قومه في علب آدرس وضواحيه، فأخذ عن جلة من أعلامها، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: العلامة القاضي محمدن بن محمذن فال بن أحمدو فال (1892 - 1979)، والعلامة الشيخ محمد عبد الودود بن الرباني (1894 - 1981)، والقاضي الجليل محمد يحي بن محمد الدنبجه (1909- 1979)، والعلامة الأستاذ الدنبجه بن معاوية (1918 - 1997)، لذلك لم يكن محمد الحافظ مجرد شاعر أو أديب بل كان فوق ذلك لغويا بارعا وفقيها متمكنا ومحدثا حافظا، تميز بتواضع العلماء وكبرياء الشعراء وطرافة الأدباء وإخبات المتصوفة وبساطة طلاب العلم..
بعد دراساته المحظرية المعمقة دخل محمد الحافظ معهد أبي تلميت الذي كان يومها أشبه ما يكون بمحظرة نظامية جامعة، فاستمع فيه إلى محاضرات نخبة من كبار العلماء من أمثال العلامة المحدث محمد بن أبي مدين الديماني (1914 - 1976)، والعلامة محمد يحي (حَيْ) بن عبد الودود (عدُّود) المباركي(ت. 2006)، والأستاذ أحمد بن مولود بن داداه الإنتشائي الأبييري، قبل أن يشد الرحال إلى المشرق ليتنقل بين جامعات ومكتبات العراق والسعودية ومصر..
للشاعر محمد الحافظ مؤلفات ودواوين شعرية عديدة نذكر منها:
- المحكمات عراها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ديوان شعر
- عودة الهديل، ديوان شعر، حائز على جائزة شنقيط.
- ديوان العرب، ديوان شعر
- صنّاجة العرب، ديوان شعر
- في رحاب الأدب، مجموعة مقالات...
هذا فضلا عن بعض الدراسات والرسائل الجامعية التي تناولت حياته وشعره، مثل:
- البعد القومي في شعر محمد الحافظ بن أحمدو، للأستاذة البتول بنت الشيخ محمد أحمد،
- الصورة الشعرية في شعر محمد الحافظ بن أحمدو، للشاعر سيدي ولد الأمجاد...
يعتبر محمد الحافظ بحق رائدا لما يمكن أن نطلق عليه اسم المدرسة الحداثية المحافظة، حيث تنصهر مفاهيم الحداثة ومضامينها مع أشكال الأصالة وقوالبها  في ثنائية  بديعة من الإبهار والإمتاع تساعده في ذلك إحاطة نادرة بكنوز وأسرار اللغة العربية وفهم عميق للتراث الإسلامي واطلاع واسع على الآداب العالمية وملَكة إبداعية فائقة وحسٍّ نقدي ثاقب.
مثَّل محمد الحافظ بلاده  في تظاهرات ومهرجانات أدبية كثيرة أبرزها مهرجان المربد بالعراق، وقد أبهر الشاعر بملَكته الشعرية الفذة ونفَسه الطويل وثقافته الأصيلة الواسعة وقدرته العجيبة على الإمتاع  والإقناع، مع سرعة بديهة مذهلة وطرافة نادرة تأخذ بمجامع عقول وألباب كل من التقوا به أو حاوروه  أو استمعوا إليه أو قرأوا عنه.
لا أنسى تواضعه الجم وخفضه الجناح لي ولأمثالي من المراهقين ممن لا يَلتفت إليهم عادة من هم في مكانته وفرادته وتميزه وعلو كعبه في شتى فنون المعرفة، أذكر من ذلك مداعباته الشعرية لي وحثه إياي  على الأخذ بأسباب العلم والتأسي بالسلف الصالح من الوالدين والأعمام والأخوال، وكان يشجعني دائما ويطلب مني أن أسمعه بعض شعري وكنت أستحي أن أفعل لأسباب مفهومة منها بكل تأكيد الإحساس بتواضع البضاعة بشكل عام و ضحالة التجربة الشعرية بشكل خاص  أمام ذلك الطود الشامخ، ومع ذلك فأذكر أنني عرضت عليه مرة - ولعل ذلك كان  في عام 1986- محاولتين شعريتين ونحن في مجلس بمنزل الوالد محمد عبد الرحمن الرباني رحمه الله قرب قيادة الحرس الوطني في وسط العاصمة نواكشوط، فقال لي مجاملا ومشجعا: لقد تأثرتَ في القصيدة الأولى بالشاعر عمر أبي ريشة وفي الثانية بالشاعر نزار قباني.
ومن عجائب ارتجاله التي كنت شاهدا عليها ما حدث مرة - ونحن في بيت لأهل أحمد يوره وكان ملاصقا لبيت أسرة الشاعر في أبي تلميت - من إنشائه ارتجالا لقصيدتين في وقت واحد مختلفتين في البحر والقافية ولا أذكر شيئا عن غرضهما وإن كنت أرجح أنهما غزليتان، كان يملي عليّ البيت من إحدى القصيدتين وفي انتظار أن أنهي الكتابة كان يملي بيتا من القصيدة الأخرى على زميلي الأخ محمد الأمين (امَّيِّن) بن محمد الشيخ عبد القادر، وأذكر أنه كان في تلك الفترة من منتصف الثمانينيات كثيرا ما يتخذني كاتبا لشعره.  
وسمعت من فِيه بعد ذلك أن سفير دولة الكويت بنواكشوط أراد مرة أن يتحقق بنفسه من قدرته على ارتجال الشعر، وكان قد سمع عنه الكثير، فلوّح له بصورة في مجلة قائلا: هذه صورة فنانة هندية اسمها إماملين، فأنشدني فيها الآن شعرا ولك أن تتمنى عليّ بعد ذلك ما شئت، فأنشده الشاعر في الحين:
إيماملين يا إدهـاش عقلي
أيعبد قومك الأبقار جهـلا
وحاشَ الله لم أشرك بربي
ولكن إن يكن وَثَنٌ فأولى
 وإيمــاني بمن خلق الجمـــالا
ولو عبدوك قد كان احتمـــالا
وما قلبي عن التوحيد مــالا
بحسنك  أن يكون لهم ضلالا

وكانت أمنيته بعد ذلك تناسب شخصية الشاعر الزاهد إلاّ في العلم والأدب، فطلب ديوانيْ بدر شاكر السياب ونزار قباني.
المواقف الطريفة في حياة الشاعر محمد الحافظ كثيرة، منها ما روى في إحدى مقابلاته إنه أنشد مرة بحضرة دكتور شامي  مشهور، قصيدة مطلعها:
كسوتُ نهديكِ من سحر النِّسا إتَبا
 فإن عتبتِ فإني أرفض العَتَبا

فقال له الدكتور بحزم: و الله.. القصيدة جيدة لولا الكلمة الفرنسية التي في مطلعها، (يقصد إتبا) فرد عليه الشاعر: صحيح ! و لكن مما يسهل الخطب أنها من فرنسية امرئ القيس،  حيث يقول:
من القاصرات الطرف لو دب محول
 من الذَّرِّ فوق الإتْبِ منها لأثّرا

ويقول في مقابلة أخرى: كتب أحدهم مرة مقالة عني بعنوان "هذه اللغة القاموسية لا مبرر لها"، فكتبت في الرد عليه: "اللغة قاموسية كلها إلا المبرر"، لأن كلمة المبرر ليست من كلام العرب.
وحدثني أنه كتب مرة قصيدة طويلية من ثلاثمائة بيت، ليلقيها في أحد المجالس الخاصة، وفي أثناء الطريق إلى المجلس استنشده إياها أحد الشعراء المرافقين له، فأنشده إياها، فقال له الشاعر هذه القصيدة جميلة ولكن فيها بيت أعجبني أكثر من سائر القصيدة، ففهم محمد الحافظ بفطنته وذكائه أن في الأمر إنَّة، لكن لم  يكن لديه من الوقت ما يسمح له بإعادة  النظر في القصيدة، ربما لطولها ولضيق الوقت، لذلك كان لِزاما عليه أن يكون حذرا ويقظا أثناء تلاوته لكل بيت من تلك المعلقة الطويلة أمام الملإ، وحين جاء دوره في المجلس وأخذ في الإنشاد اكتشف   أثناء الإلقاء في أحد الأبيات خرما خفيفا فأصلحه دون أن يتوقف عن الإلقاء ودون أن يفطن أحد، ولمّا فرغ من الإنشاد سأله ذلك الشاعر عن ذلك البيت الذي كان قد  أعجبه، فأجابه محمد الحافظ، أتظن أن  وزن  بحر الطويل يخفى علي وقد نظمت فيه كل هذه القصيدة، فعندما قلت لي آنفا أن بيتا من القصيدة كلها أعجبك أكثر من غيره علمت أن في ذلك البيت ما يُقال، فترصدته أثناء الإلقاء حتى ظفرت به ثم لَحَمْتُه "سوْدَيْتُه"، فقال له الرجل ما كنت أظنك "مستخلطا"، يعني صاحب مكر، فقال له محمد الحافظ وأنا ما كنت أظنك أنت "أزرقا"، يعني خفيف عقل، أو كلاما قريبا من هذا..
الشاعر محمد الحافظ صاحب إنتاج غزير وتتميز قصائده في الغالب بالطول، بل إن بعضها يعد بالمئات، ومن أشهر قصائده قصيدة " في حانة ابن الفارض الصورية" التي يقول فيها:
هل باب خدرك للعشاق مفتوحُ؟
يا معرج الروح في مرقى قداستها
من كُمِّ حـــورية تغفو بحجلـــــتها
من سكرة الورد من نور الضحى غردا
من نفح شبابة الراعي مساء ندى
من رغوة القمــر الفضي راغيـة
يُبرعم الضوء من بلّور سندسه
من هذه المزق الألفاق من قــزح
أنتِ التي إن تهادت في مسـيرتها
الحب روح مطل من نوافذهـا
اخصوصبت من أديم الأرض سنبلة
وعاودت سيرها الأنهار جاريـة
يا ربـة الخدر ما خمر بعاتقـــة
حبابها من ثنايا الصبح بسمته
ما عاقرتها من الأرواح مرعنة
ولا تلامسها أقلام شارحِـهـــا
يا لمسة الساحر الموهوب هل قدرٌ
يا ربة الخدر هل وعد فيأمله
لفح السموم سياط الحب تجلده
 يا ربة الخدر كم تهفو لك الــــرُّوحُ
إذ هيكل الأرض إحسان وتسريح
لها من سنى الخُلد التــــــــلاويح
بما به شكر الغيثَ الأباطيـح
غمامه فوق بسط الأفق مطـروح
لها على شعر الواحـــات تسريح
هذي الرؤى فالهوى طعن وتذبيح
وشّى الفضــاء به المزن الدواليح
يسرى بمخشوشب الأجسام تلقيح
عن أنفس الناس بالتقديس ترويح
واخضل من رمة البهمى الصحاصيـح
منها إلى جنـة الخلد المطاريح
إن لم تناد: بما أكننتمُ بوحــوا
وتحته الغسق الوردي مذبـوح
إلا ومنها خبيئ النفس مفضـوح
إلا وأغربها شرح وتوضيــــــح
على المحبين أن تغلي الجوانيح ؟
مَن جفنًه بأليم الهجر مقــــروح
وما على عاشق في الحدِّ تدليح

ومن روائع شعره قصيدته "بطاقــة دعـــوة إلى أبي حيــان التوحيـدي"، والتي منها:
أقبل على الرحب، عِمْ يا شاحطَ الدارِ
إني أحسك هفهــــــافا على رئتي
اقرأ بربك ما دونت مـــــــن سُدُم
اقرأ كتابك للدنيا فإن بـــــــــه
إني أحسك كابوسا يطــــوِّقني
يا تائه اللُّبِّ في دنيــــا محجبــة
اثقب من العالم السفلي جلدته
فَكِّك مركّبــة التكويــن ثاويـةً
مزَّقتَ سِفْرَك فلتنشئه ثانيــة
واعصر من الخلد كرما قرقفا غدِقا
مزمارك الشمس كالنشوى مطوحة
وجوقُك الجن والأطباقُ طائـــرة
مخلدا بشنوف الوهم ممتطيــا
أقراطك الأمل المشبوب راقصـــةٌ
وفكرك الشامخ الجبار منتصـــبٌ
إني تناسختُ في عينــيكَ ثانـية
يدعونني القطب بهو الشمس دائرتي
إني أوشــــــح بالحِنَّا حقولـــــهمُ
وأمسك الماء والنيران ذان مـعًا
تطلسمتْ فيك رؤيا الأولياء فمـا
تذوي القناديل في عينيك شاحبة
لولا أغاني حُشاشات الوجود وقد
كشفنها من إزار الشمس من حُبُكٍ
إذن لأطعمتُ نار الحقد ما كتبتْ
والَوْعة الحبر قد خيطت جوانحه
 مُدمدماً فوق ريحٍ ذاتِ إعصـــــــارِ
بردا من الثلج , أو لفحا من النـار
تطفو على الشمس عصرا بعد أعصار
تملــمل القهر في عينيْ سِنمّـــار
كبسمة الغول إن حنَّــت إلى الثار
يا شارد العقل في مشتط أفكـار
واصــعد إلى العالم العلـوي يا زاري
منها السواري على أوتاد فخّـــار
واسكب تعاشـــيب جنــات وأنهـار
كناشئ الحلم أو تهــويم أزهــار
في مَـدْرج اللاتناهي عبرَ أسفار
تجــاذب الشمس مزمارا بمزمــــار
طرفاً من الليل مثل الكــوكب الساري
منه العذارى, وقد غنت لسمّــــار
ملْء الحياتين لم يركع لجبـار
سعيا على جُرُف من حظك الهاري
وقبلها كنت أُدعى سارق النـار
وأودق الفجر وكَّافاً بأمـطـــار
وأعصر الخمر من نار وأنـوار
تُفضي بأســـرارها إلاّ بمقــدار
كيْـما تنير ضريــح النازح الـدار
دبتْ بهـــن حُميَّا خمرة العـار
من السموات ذات القَرْقف الجــاري 
يدي (ونَطّيْتُ) للفيران كالفـــار
على دماميل من كبت وإنكـار

ومن قصائده التي حازت شهرة كبيرة وسمى بها أحد دواوينه، قصيدة عودة الهديل التي كتبها في وسط سبعينيات القرن الماضي، يقول في مقطعها الأول:
هتفـت تغنيـــه مطوقــــة الحمــــــــــــام
ذكرى شبــــاب كـان مخضـــل الثمــــام
والريـح تضــــرم في الرمـال فحيحـــها
والليل يأكــــل أدردا شـجـر الظــــــــلام
وتداخـلـت في ذهنها مـــــــزق الـــرؤى
كانت رقـوبا ثكلـــــــها قبـــل التمــــــام
ناجـته في أوب القطيـــــع صبابـــــــــة
في ثغـــــو معــــزلة مقطعة البغــــــــام
عنقود أنغام ترقـــــص عطفـــــــــــــــه
مقــل الصبايا الصائبات من السهــــــام
أو عاشقا وهنــــا تحيـــــن غـــــــــــادة
وكر السباع بفجـــــها وصبا الهـــــوام
نجما تلألأ في سمــــاء ظنــــــــــــونها
فجرا تربت كفـــــه بذرى الكــــــــــــرام
وعدا بظهر الغيــــب مغلـــــول الخطــــا
حلما بجفن المستحيــــل إذا ينــــــــــــام
وغوائل الأشباح مســــرح روحــــــــــه
يرعى بروض الوهم في حـــزق النعــام
في ذلك التيـــــــــه الخصيب مروجـــــه
بوهاد "برمودا" مع الغيـــــــلان عـــام
إلى أن يقول في مقطع آخر:
فزعت عن قلبي الجريح، متى اهتديت؟
طال الغياب فشخت بعــــــدك بـل ذويت
لم لا أرى أثر القـــــــــــــــرون عليـك آ
هٍ، أكنت تبحر في الخلود، متى رسوت ؟
من أي وهم حالــــــم نسجت غـــــــــلا
ئلك التي خلبت فــــــــؤادي فانتشيت ؟
أقصص علي عجائب الدنيا وحـــــــــدِّ
ثْ عن تميم الدار فيمن قــــــــــد لقيت
وقلوب عـــــذرة كيف مزقها الجـــوى
وهواجر الصــحراء والنعم الســـــوام
والسندبــــــــاد وعـــالم البحر المهــو
ل وكيف ينجو المبحرون من الهــوام
أو ما يزال النون مهمـــوما ؟ أيـــــــز
درد الغـــــواني والنبيئيـــن الكـــــرام
...

وخلاصة القول أن الشاعر الكبير محمد الحافظ أحمدو ظاهرة أدبية وعلمية فريدة تتطلب دراستها عمقا ووقتا وجهدا في مستوى عطاء ونبوغ هذه الظاهرة، ويستحق صاحبها أن يُنزل منزلته اللائقة به، إحقاقا للحق أولا، ولمصلحة الوطن والأمة ثانيا، وتكريما للعلم وأهله ثالثا.. وحتى لا نكون ممن يصدُق عليهم الأثر السائر: "أزهد الناس في العالم أهله وجيـرانه".

وبالله التوفيق.